"أبي يثور لأتفه الأسباب"... عن الخصخصة في مصر أو بطالة الأربعينيات

الخميس 4 مارس 202104:55 م

"تغيّرت حياتنا بلا رجعة، بدأت صحّة والديّ النفسيّة في التدهور، بعدما فقدنا 75% من الدخل الشهري، بينما كانت الأعباء المادية والأسعار ترتفع. تفاقمت مشاكلنا الأسرية، وازدادت عزلة أبي النفسية عنّا، ووقعت أمّي فريسة الاكتئاب، وهذا ما فهمته لاحقًا".

عن حال عائلتها، تتحدث سارة سامي (29 عاماً)، محاسبة قانونية، تسكن في القاهرة، بعد إحالة والدها إلى المعاش المبكر بعد ثلاثة وعشرين عامًا قضاها في شركة النصر للسيارات، التي تمّ تعيينه فيها فور تخرجه من قسم الهندسة الميكانيكيّة جامعة حلوان، وظل هناك حتّى عام 2008، إلى أن لفظت الشركة عمالها بدعوى الخسارة، في إطار خصخصة القطاع العام في مصر.

الصحة العقلية والبطالة

بدأت عجلة الخصخصة في مصر منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد سنوات قليلة من قرار الرئيس أنور السادات بالانفتاح، وطوال عقدين كاملين، دهست تحت تروسها التي لا ترحم، مئات الآلاف من العاملين وأسرهم، وألقت بهم إلى غياهب السوق الحرة، دون الوقوف على ما ستؤول إليه أحوال الشريحة الأغلب من أبناء الشعب.

تحكي سارة لرصيف22: "خرج والدي إلى المعاش المبكر، دون أن يكمل عامه الخامس والأربعين، وكنت أنا أكبر أبنائه في الصف الثاني الثانوي، وثلاثة أخوة آخرين، أصغرهم في الرابعة، ومنذ ذلك الوقت تغيّرت حياتنا بلا رجعة".

ترتبط البطالة، لا سيّما إذا كانت غير طوعية، ارتباطاً وثيقاً بالصحة العقلية، وفق مقال نشره موقع lexisnexis عام 2009، إذ ثمة علاقة واضحة بين البطالة وأمراض القلق، والاكتئاب، والإدمان على الكحول، والمخدرات، والعنف الأسري.

كذلك تأتي الأدلة الداعمة فيما يتعلق بالارتباط بين البطالة والمشاكل النفسية في المقام الأول من دراسات السكان والدراسات الوبائية، وتظهر علاقة مهمة بين البطالة والضغط العصبي والرفاهية النفسية التي تظهر على الأشخاص العاطلين.

وتشدد الدراسة على الكلفة الاجتماعية والبشرية الناجمة عن البطالة، وعلى ضرورة معالجة هذه الآثار قبل أن يصبح هؤلاء الأشخاص قنابل موقوتة، سيدفع الجميع ثمن انفجارها.

"يثور لأتفه الأسباب"

تحكي فاطمة حسن (28 عاماً)، تعمل بوظيفة حكومية، عن تحول والدها إلى "شخص آخر"، بعد إحالته للتقاعد قبل بلوغ عامه الخمسين، إذ بات أكثر اهتماماً بالتفاصيل، ومصاباً بهوس التكديس القهري، ومنعزلاً نفسياً عن محيط الأسرة، فيما قلّت علاقاته الاجتماعية، حتى بعد عثوره على عمل جديد، فلم يعد كما عهدوه.

تستكمل فاطمة حديثها لرصيف22: "بعد 30 عاماً من العمل في الإدارة المالية، لإحدى شركات الغزل والنسيج التي تمّت تصفيتها، حتى وصل إلى منصب إداري، وكان مخيّراً بين استكمال العمل دون أن يحصل على مكافأة نهاية الخدمة، والحصول عليها والتقاعد المبكر، فاختار المعاش حتى يحصل على مكافأته، وهو ما انعكس على شخصيته التي أصبحت أكثر اهتماماً بالتفاصيل، يثور لأتفه الأسباب، حتّى انغمس في عمله كمدير مالي لإحدى المؤسسات الخاصة، التي لم تعطِه راتباً مجزياً، أو امتيازات اجتماعية، كما كانت المؤسسّة الحكوميّة، لكنه قبل بها حتى لا تزيد عزلته أكثر".

بدأت الموجة الأولى من الخصخصة في مصر، مع صعود عاطف عبيد رئيساً للوزراء، إذ استكملت حكومته بيع 194 شركة مع نهاية عام 2003، بيعًا كاملًا أو جزئيًا، بمبلغ 16.6 مليار جنيه.

"ازدادت عزلة أبي النفسية عنّا، ووقعت أمّي فريسة الاكتئاب، وتفاقمت مشاكلنا العائلية، وزادت أعباؤنا المادية"، تتحدث سارة عن حالها بعد إحالة والدها إلى المعاش المبكر، ضمن سياسات الخصخصة في مصر

ووفق ورقة بحثيّة نشرها المعهد المصري للدراسات، للباحث أحمد حافظ، فقد تميزّت هذه الموجة بفضائح تتعلق بالفساد وإهدار المال العام، وذلك لبيع هذه الأصول بأقل من القيمة السوقية المقدرّة والتي بلغت 500 مليار جنيه، حسب تقديرات بنك الاستثمار القومي، وذلك فضلاً عن تزييف حكومة عبيد أرقاماً وحقائق تتعلق بأثر الخصخصة على الاقتصاد المصري، فضلاً عن تشريدها للآلاف من العمّال دون ضمان صحي واجتماعي، وبدائل تستوعب مهارات العمالة الفعالة.

في عام 1999، نشر المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي كتابه "الربح فوق الشعب: الليبرالية الجديدة والنظام العولمي"، متحدثًا عن الأضرار التي ألحقها النظام العالمي الجديد، ودعوات السوق الحرة، التي ألحقت ضرراً بأغلبية السكان، خاصة من دول العالم الثالث (آسيا/ أفريقيا/ أمريكا اللاتينية)، واصفاً الصيغ الراهنة التي تتحرك من خلالها السوق الحُرة، بالانعكاس الواضح لقهر رأس المال للعمال.

"أصبحتُ عائل الأسرة"

"تعويم سعر البيضة"، تحت هذا العنوان اختارت شيماء طارق (38 عاماً)، صانعة أفلام، أن تكتب تدوينة تعبر فيها عما أصاب والدها، المهندس الزراعي بالشركة القابضة للاتحاد الداجني، الذي أحيل للتقاعد المبكر في ريعان شبابه، وقبل أن يكمل عامه الثامن والثلاثين، وجد نفسه مسلوباً من كل الامتيازات الاجتماعية والمادية، التي توفرها الشركة له ولعائلته، المكونّة من طفلين وزوجة عاملة، أصبحت فيما بعد هي العائل الأكبر للأسرة.

"فقد أبي بهجة شبابه".

تستطرد شيماء في حديثها لرصيف22: "فقد أبي بهجة شبابه، بعدما أجبر على المكوث في المنزل، فهو لم يفهم في حياته سوى العلوم الزراعية، ولم يجد وهو على أبواب الأربعين عملاً في صميم اختصاصه المهني، ما دفعه للبحث عن أي عمل آخر، لأجل الخروج والحفاظ على سلامته النفسية التي تضررت بشكل كبير، وحتى يساهم في تعويض الدخل الذي فقدناه، والذي بلغ أكثر من 75%، وهو ما سبب له اكتئاباً شديداً وعزلة نفسيّة عن أفراد عائلته. كان أبي يتابع أسعار البيض والدجاج بشكل يومي، وينفعل عقب كل زيادة تحدث، لأنّ صميم عمله كان إنتاج بيض المائدة بأسعار في متناول الجميع".

حتّى الآن لا توجد دراسة مصرية تتناول الآثار النفسية والاجتماعية للبطالة التي خلفتّها الخصخصة كأمر واقع على القوى العاملة، ولكن نشرت مجلة iza المختصة باقتصاديات العمل عام 2018، دراسة بعنوان: "الشعور بعدم الجدوى: تأثير البطالة على الصحة النفسية في فترة الركود العظيم" وذلك في المجتمع الإسباني.

أوضحت الدراسة أنّ ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الإسباني من 8% إلى 25% بين عامي 2007 و2011 ، أدى إلى تدهور واضح في الصحة العقلية لدى المتضررين من الأزمة، كما وجدت الدراسة علاقة مباشرة بين الاضطرابات العقلية ومدّة البطالة، فضلًا عن بعض الأضرار على الصحة العقلية، ففي بعض الحالات لا يتعافى العاطل من الضرر العقلي والنفسي الذي لحق به، حتّى لو وجد عملاً جديداً.

"ثلاثة وظائف لا تكفي"

تعزو أميرة عبد العظيم (21 عاماً)، طالبة جامعية، إصابة والدها بمرض القلب، إلى إحالته للمعاش المبكر من شركة أسمنت حلوان التي عمل بها 25 عاماً، حتّى وجد نفسه بين ليلة وضحاها معيلاً خمسة أبناء بلا عمل.

وتفسّر أميرة لرصيف22: "كانت أمي ربّة منزل منذ تزوجت من أبي، وهو ما أثقل كاهله، وأخذ يبحث عن أي عمل مهما كان مرهقاً، حتى استقر في ثلاثة أعمال حرة، وكان يقضي أكثر من 18 ساعة يومياً في عمله إلى أن مرض مرضاً شديداً بعدها بثلاثة أعوام، وفوجئنا بإصابته بقصور في الشريان التاجي، وهو ما قضى تماماً على صحته النفسية، واضطرت أمي للنزول بحثاً عن أي عمل، بينما عمل والدي سائق تاكسي لإعالة أسرته".

"تدهورت أحوال أبي النفسية، وأصيب بقصور في الشريان التاجي، واضطرت أمي للنزول بحثاً عن أي عمل"، نساء يتحدثن عن تحول كبير أصاب عائلاتهن بعد إحالة آبائهن إلى المعاش المبكر، ضمن سياسات خصخصة وبيع القطاع العام في مصر

رغم أنّ الإرهاصات الأولى لعملية الخصخصة، بدأت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فإن تحولها الفعلي كان مع تطبيق برنامج التثبيت والتكيّف الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على مصر عام 1991، وبدأ معها ما سماه العمال والحقوقيون بـ "مذبحة القطاع العام".

بين عامي 1993 و 2010، تمّ بيع 236 شركة بمبلغ 33 مليار جنيه، بينما بلغت قيمتها السوقية آنذاك 270 مليار جنيه، ومنذ عام 2010، لم يتبقّ إلّا 136 شركة مملوكة للدولة.

لم تمر موجات الخصخصة بسلام أمام الإضرابات العمالية التي حدثت وما زالت، لكنها لم تصمد أمام بطش رأس المال والفساد، الذي عصف بحقوق العمال في مصر، وأحدث ضرراً بالغاً بعائلاتهم. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard