"اغتيال التاريخ"... أصحاب "الأنتيك" ينعون التحف التي لاقت مصيرها بانفجار بيروت

السبت 27 فبراير 202106:00 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

ما زالت بيروت، وهي من أقدم مدن العالم، تلملم جراحها بعد انفجار مرفئها قبل ستة أشهر.

وكلما مرّ الوقت، يتضح أن بعض الخسائر يستحيل تعويضها، بخاصة التحف النادرة والقيّمة التي لاقت مصير التدمير بفعل الانفجار.

تذخر بيروت بتاريخ توثّقه آثار وتحف تعود في غالبيتها للحقبة العثمانية وما سبقها، وأحدثها تعود لبدايات القرن الماضي والحضور الفرنسي مع إعلان دولة لبنان الكبير، في العام 1920.

ومن ميّزات السياحة في لبنان، أن التحف القديمة "الأنتيكا" تباع في محلات ومعارض، وبالتالي تعود للقطاع الخاص، وليست حكراً على وزارة الثقافة أو السياحة كما يحصل في بلدان أخرى.

ولذلك نجد في شوارع بيروت، الضيّقة وحتى المنسية، العديد من المحلات المتخصصة في بيع وشراء التحف النادرة التي تأثرت كثيراً بفعل الانفجار.

اغتيال التاريخ

قال الكاتب والصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، إن "تاريخ كل أمة خط متصل، وقد يصعد الخط أو يهبط وقد يدور حول نفسه أو ينحني ولكنه لا ينقطع"، ولكن ماذا لو انقطع هذا الخط أو تدمر كما حصل نتيجة انفجار بيروت؟

بالنسبة لصاحب محل "الأنتيك" في منطقة البسطة ببيروت، سامر إسماعيل، فإن التاريخ توقف عنده في تمام الساعة السادسة وثمانية دقائق، أي لحظة سماع صوت انفجار مرفأ بيروت.

ويروي لرصيف22: "كنت واقفاً خارج المحل، أستعدّ لإغلاقه، فدوى الانفجار وقذفني العصف إلى الرصيف الآخر. سمعت الزجاج يتفجر، تألمت من الصوت أكثر من الألم الذي شعرت به عند ارتطامي بالأرض. وخرجت روحي حرفياً عندما نظرت باتجاه المحل، ووجدت أجزاء من التحف المحطمة مرمية في الخارج".

يتوقف سامر لحظة عن الحديث، يأخذ نفسها عميقاً كمن يسترجع قواه ليكمل الكلام، ويشير بيده: "هنا تحديداً عند مدخل المحل كان يوجد تمثالان من البرونز"، ويستدرك بالقول: "لا لا ليسا تمثالين، بل تحفتان، لا لا بل معجزتان فرنسيتان تم اغتيالهما، فقد انفصل الرأس واليدان".

ويستدرك إسماعيل متذكراً أن في الركن الآخر كان هناك Jardinière تعود إلى الوالي العثماني إسماعيل، كان قد قدمها هدية إلى باشا في بيروت، يعود تاريخها إلى العام 1830، مشيراً إلى أن ما يميزها هو الختم العثماني على خلفها.

"كنت واقفاً خارج المحل، أستعدّ لإغلاقه، فدوى الانفجار وقذفني العصف إلى الرصيف الآخر. سمعت الزجاج يتفجر، تألمت من الصوت أكثر من الألم الذي شعرت به عند ارتطامي بالأرض. وخرجت روحي حرفياً عندما نظرت باتجاه المحل، ووجدت أجزاء من التحف المحطمة مرمية في الخارج"

يصف إسماعيل هذه القطعة كعاشق مولع بحببته التي يستذكر جميع تفاصيلها ولحظة لقائه بها.

وعن لحظة لقائه بها، يقول: "حدثني والدي منذ عام تقريباً أن هناك منزلاً في الأشرفية خلف مستشفى رزق، يرغب أصحابه في بيع مقتنياته ويقولون إنها أثرية... لحظة دخولي المنزل خطفت قلبي هذه الـ Jardinière، كانت على ارتفاع أربعة أمتار، تزيّن المدخل، وأمام مرآتها، لونها، رائحة خشبها وارتفاعها، تلاشيت أمامها ودهشت لما شاهدت الختم العثماني عليها، وتحسرت على العائلة التي أقدمت على التخلي عن هذا التاريخ الجميل، وزدت إصراراً على شرائها، وكانت التحفة الأكثر قرباً إلى قلبي".

وعند سؤاله عن تعريب كلمة Jardinière، ترتفع نبرة حديثه بنوع من العتب والفخر معها: "إنها كلمة فرنسية خاصة بالحدائق وجميع أصحاب المحال الأنتيك، وأيضاً أهالي بيروت وأحفادهم، يعرفون ما معناها، فهي ليست بحاجة لتوضيح، بل واضحة مثل تاريخها."

هذا وقام سامر إسماعيل بإخراج هاتفه وهو يقول: "لم أستطع أن أمحي صورتها من هاتفي، لا أريد أن أنسى خسارتها وخسارة لبنان هذا التاريخ الرائع."

خسارة "الأنتيك"

سامر إسماعيل، ليس الوحيد الذي خسر مقتنيات عمرها مئات السنين، فسوق "العتيق" أو سوق "الأنتيك"، والذي يحتوي على قرابة مئة كاليري للقطع القديمة، كان ضحية انفجار بيروت، كحال سوق التحف القديمة في الأشرفية.

تأخذنا خسارة هذه القطع النادرة إلى أصل كلمة "أنتيك" فهي كلمة لاتينية وتعني الأثر القديم، و"ما أحزن بيروت اليوم على خسارة ذاكرتها وأثرها القديم"، هذا ما قالته يمنى أبو فيصل، صاحبة محل "الأنتيك" في منطقة جعيتاوي، والذي تضرر بفعل الانفجار.

أضافت أبو فيصل لرصيف22: "كان المحل مليئاً بقطع الأثاث القديمة، الكنبات، الطاولات، اللوحات الموقعة من رسامين عالمين، خزائن أرابيسك، الثريات، والتحف المتنوعة من الكريستال العادي والبوهيمي، الأوبالين، بورسلين ليموج".

"لم يمر فاجعة بهذا القدر من الدمار والوحشية والسرعة، بحيث تم تنفيذ حكم الإعدام بثوان ولم يسمح لنا بإنقاذ أي شيء"

للوهلة الأولى، تبدو هذه المصطلحات كلغة قائمة بحدّ ذاتها، تأخذ المرء إلى عوالم متعددة، لكن يمنى أبو فيصل تقولها بطلاقة وكأنها أسماء أولادها التي من الصعب نسيانها.

تنهّدت السيدة عدة مرات، وهي تستذكر العمر الذي قضته وهي تجمع هذه القطع النادرة التي تختزن حقبات تاريخية مرّ بها لبنان، لا سيما الفن العثماني والفرنسي.

وأشارت يمنى إلى أنها كانت تملك قطعاً إسبانية تعود لأميرات عثمانيات، وأخرى كانت ملك مهاجرين من مختلف الجنسيات والثقافات، وجميعها كانت مصنوعة بطرق لتكون خالدة فيها، قبل أن يدمرها الانفجار.

وفي هذا الصدد، كشفت أبو فيصل أنه كان في المحل طاولات فرنسية تعود إلى قيام لبنان الكبير، أي قبل مئة عام، مصنوعة من رخام وكان فوقها زجاج مزخرف، إلا ان زجاجها قد تحطم بفعل الانفجار ولا يمكن إصلاحها.

وأشارت يمنى بأصبعها إلى بقايا ثريا، وهي تقول: "الانفجار جعلها خردة، كانت قبلاً ثريا تزين منزل أحد الجنود الفرنسيين في بيروت، وعند انسحاب فرنسا وإعلان الاستقلال عام 1943، باعها الجندي قبل أن يغادر، واشتراها لبناني يسكن في منطقة المتحف".

وتابعت بالقول: "بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 هاجر الرجل، وباعها لزوجي، يعني أنها صمدت وقت الاستقلال ونجت من الحرب الأهلية، ولكنها لم تنجُ من هول انفجار المرفأ، وهذا يدل أن كارثة الانفجار ليست كأي كارثة مرت على لبنان".

هذا وختمت أبو فيصل حديثها بالقول: "لم يمر فاجعة بهذا القدر من الدمار والوحشية والسرعة، بحيث تم تنفيذ حكم الإعدام بثوان ولم يسمح لنا بإنقاذ أي شيء".

أقدم مدن العالم

بحسب المتخصص في علم الآثار في الجامعة اللبنانية، حيدر خير الدين، فإن بيروت هي من أقدم مدن العالم، ولعبت دوراً كبيراً في التاريخ: "بُنيت بيروت من قبل أهل جبيل (بيبلوس) قبل أربعة آلاف سنة، وما لبثت أن كبرت وعمرت بالسكان، وأصبحت مملكة مستقلة على الساحل الذي كان يُعرف باسم فينيقيا، وعبد أهلها إلهاً خاصاً بها اسمه 'بعل بيريت'، أي إله أو سيّد بيروت".

وأوضح حيدر أنه في العصور القديمة، جمعت علاقة وطيدة بيروت بالفراعنة المصريين، لدرجة أنها باتت تعد مقاطعة فرعونية، وهذه العلاقة ذكرها التاريخ في "رسائل تل العمارنة".

بحسب خير الدين، كانت بيروت حاضرة في العصور القديمة، لا سيما في العهد الروماني، إذ ضمّت مدرسة عريقة للحقوق، تخرج منها أشهر قضاة روما وفلاسفتها.

في بيروت، فُتح المزاد على أعرق تاريخ وأجمله عند الساعة السادسة من يوم 4 من أغسطس/آب، وانتهى بعد ثماني دقائق، معلناً بيعها لزبون مجهول الهوية، حتى هذه اللحظة، قرر أن يغتال خلودها إلى الأبد

وأضاف لرصيف22: "كما كانت شاهداً على الحكم الإسلامي والصليبين في العصور الوسطى، وفي هذه العهدين بُنيت الكنائس والمساجد، وعرفت بيروت التكايا والزوايا، لا سيما في العهد الإسلامي الذي انطلق من شواطئ بيروت لفتح قبرص، حتى أنه عندما كان يسأل أهل الشام أين مرابطكم، كان جوابهم بيروت. ولا نغفل أيضاً أنها شاهدة على حكم العثمانيين والفرنسيين، وجميعهم تركوا آثاراً فيها، كما تركت هي آثاراً بهم".

منذ سنوات، تم بيع لوحة "المسيح المخلص" التي تعود إلى رائد عصر النهضة ليوناردو دافنشي بـ 450 مليون دولار في مزاد نظّمته دار كريستيز في نيويورك.

وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فقد حطم هذا السعر الأرقام القياسية لسوق الفن، وذلك بسبب ندرة هذه اللوحة، أهميتها التاريخية وصلتها برسامها دافنشي، كما أن عمرها يعود لـ 500 عام.

وفي بيروت، فُتح المزاد على أعرق تاريخ وأجمله عند الساعة السادسة من يوم 4 من أغسطس/آب، وانتهى بعد ثماني دقائق، معلناً بيعها لزبون مجهول الهوية، حتى هذه اللحظة، قرر أن يغتال خلودها إلى الأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard