ذهنية الترميم بعد التدمير... هل ستتحول بيروت بفعل ذاكرتها إلى قبور من حجر؟

الجمعة 26 فبراير 202104:03 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

بعد ستة أشهر من انفجار مرفأ بيروت، لا تزال ذكراه حاضرة، بل مسيطرة، على الرغم من عمليات الترميم الجزئية الذاتية.

واللافت أن الخوف من وقوع انفجار آخر هو المعيار الأوحد في اختيار مواد الترميم، بحيث باتت معايير السلامة والأمان تأتي في الصدارة على حساب الجمال والديكور "الفخم" و"اللوكس"، فالمهم في نهاية المطاف ألا نشرب كأس الموت من جديد.

من هنا، يبدو أن أهالي بيروت استحضروا أثناء عملية إخلاء الردم والترميم، مقولة المخترع ستيف جوبز: "التصميم لا يتعلق بالمظهر الخارجي أو الإحساس، إنما طريقة عمل هذه الأشياء".

وبالتالي، لم يعد مهماً كيف يبدو شكل البيت أو مساحة العمل، فقد فُقد الإحساس بالمكان، وأصبح زمان الانفجار هو الأساس في الاستمرار.

التجربة تصنع الترميم

ما يميّز شوارع بيروت القديمة وبيوتها، هو العمران الفرنسي والعثماني، والتصميمات التاريخية التي أعطت رونقاً وعبقاً لواحدة من أقدم مدن العالم، لكن بعد الانفجار وخوف الناجين والناجيات، يبدو أن بعض هذه المعالم قد تعرض لعملية تجميل "مشوهة"، أو على الأقل لا تشبه جوهرها، وذلك بسبب التكاليف المالية غير المتوفرة، وكذلك جرّاء تخوّف الناس من حدوث انفجار جديد يدمّر ما تبقى أو ما ترمّم.

تعرّض مكتب "العربي الجديد" في بيروت لدمار شبه كامل جرّاء الانفجار، بخاصة وإن موقع المكتب يقع مقابل المرفأ.

الخوف من وقوع انفجار آخر هو المعيار الأوحد في اختيار مواد الترميم، بحيث باتت معايير السلامة والأمان تأتي في الصدارة على حساب الجمال والديكور "الفخم" و"اللوكس"، فالمهم في نهاية المطاف ألا نشرب كأس الموت من جديد

في حديثه مع موقع رصيف22، يستذكر مدير مكتب "العربي الجديد" في بيروت، شفيق طاهر، تفاصيل ما حصل لحظة الانفجار: "لم أكن في المكتب، لكن هاتفي المتصل بجهار إنذار في المكتب رنّ، ما يعني أن مشكلة ما قد حدثت، عندها توجهت فوراً إلى مبنى 'العربي الجديد' وفي الطريق شاهدت حجم الضرر البشري قبل المادي".

ويتابع بالقول: "ما رأيته من دماء وعدد الضحايا على الأرض، يشير إلى أن مجزرة قد حدثت. وعلى بُعد حوالي 500 متر من المكتب، وجدت آثاراً وأغراضاً تعود لنا، ووجدت أعداداً من صحيفة 'العربي الجديد'، ومكتب أحد الصحافيين محطماً، فأدركت حينها أن المكتب أصابه ما أصاب بيروت من دمار".

ويضيف طاهر: "حين وصلت، كان المبنى من الخارج شبه مدمر، أو بالأدق مفجّر، لم يكن هناك واجهات ولا شبابيك، وحتى المصاعد كانت محطمة، فصعدت على الدرج إلى الطابق الخامس حيث المكتب، وكأن زلزالاً حدث في المكان. هناك أقسام داخل المكتب، وهي غرف كانت مصنوعة من زجاج، لم يبق منها شيء، المكاتب تحطمت والأثاث مدمر. وبسبب قوة العصف، تفتت الزجاج، وهو من نوع 'سيكوريت'، فتحول لأجزاء صغيرة جداً عند الانكسار، ومع قوة العصف أصبحت مثل الخردق، وهذا ما زاد من الخسائر".

وعن عملية الترميم التي اتخذت منحى آخر، يقول شفيق: "بعد اجتماع لجنة البناية والاستعانة بمهندسين، تبين أن المبنى صالح للاستخدام، وهنا بدأنا بعمليات التنظيف وتقييم الأضرار"، ويضيف بحسرة: "مع الأسف، في حادث مؤلم كهذا، تعمل الخلفية من تلقاء ذاتها. كان من الصعب نسيان ما حدث وقت الانفجار، كانت تفاصيل الدمار تستحضر نفسها عند عملية الترميم. ابتعدنا عن الزجاج واستبدلناها بحيطان حجر بين الأقسام، حتى رغبنا ببناء جدران خارجية، ولكن بهدف الحفاظ على واجهة المبنى، قمنا باستخدام نوع من النايلون الخاص، وهكذا في حال سقط الزجاج نتيجة انفجار أو أي حادث أمني، لا يتناثر بل يسقط على النايلون".

من هنا يؤكد طاهر أنه لا يمكن فصل ما حدث عن المستقبل، بحيث يتعيّن اتخاذ جميع الاحتياطات التي لا تؤدي إلى النتيجة ذاتها: "الإنسان، بعد تجربة معينة كالانفجار، يشعر أنه عرضة للخطر، يتعلّم، أو بالأحرى يبني تجربة وخبرة تسيطر عليه".

يتفق رامي حكيم، وهو صاحب مكتب للسياحة والسفر، مع رأي شفيق طاهر، ويوضح أنه عند إعادة ترميم مكتب السفريات الخاص به في الأشرفية، كان الأمان هو الهدف الأول قبل الشق الجمالي.

وعن هذه النقطة، يقول حكيم لرصيف22: "لكون المكتب مطلاً على الطريق، كان من الطبيعي أن تكون الواجهة زجاجاً، حتى أني حرصت على أن يكون الزجاج مضاداً للرصاص بسبب الأحداث الأمنية التي مرّ بها لبنان، ومع ذلك اتضح أنه لم يكن آمناً بما فيه الكفاية، لكونه بعد انفجار المرفأ انكسر، لذلك عند الترميم قمت بتبديل واجهة الزجاج إلى حجر من نوعية الجبصين، حتى إذا انفجر لا يؤذي".

ويتابع رامي بالقول: "كان هناك فواصل زجاج تفصل مكاتب الموظفين، استبدلتها أيضاً بحجر".

ويوضح حكيم أن هذه التغييرات أثارت اعتراض بعض الموظفين، إلا أن الهدف منها هو تحسين معايير السلامة في حال حدوث كارثة أخرى في المستقبل: "أذكر أن أحد الموظفين قال لي: سنموت بهذه القبور خنقاً، فرددت عليه: مت خنقاً ولا تمت ممزقاً بفعل تناثر الزجاج".

الزجاج أصبح مكروهاً

أظهرت نتائج المسح الإجمالية للجيش اللبناني، تضرر أكثر من 62 ألف وحدة سكنية، 14848 مؤسسة تجارية و20 مؤسسة حكومية، جرّاء انفجار 4 آب.

ووفق البنك الدولي، طاول الضرر 80% من البنية التحتية والمباني في مناطق عديدة، من بينها: الدورة، الجميزة، مار مخايل، كرنتينا، جعيتاوي وكرم الزيتون، ما أدّى إلى تضرّر مباشر لنحو 50 ألف وحدة سكنية، فضلاً عن أضرار بثلاثة مستشفيات خاصة ومستشفى حكومي.

ويضاف إلى ذلك أضرار لحقت بنحو 34 مدرسة، وأضرار كبيرة في شبكات النقل والتوزيع في شبكة الكهرباء في الأشرفية، وفي المقر العام لمؤسسة كهرباء لبنان، وعلى شبكات المياه أيضاً.

وما تعنيه هذه الأرقام أن غالبية السكان عاشوا بمرارة تجربة الانفجار، مع ما يترتب عليه من آثار نفسية بالغة وخوف مما سيحمله المستقبل.

لم يعد مهماً كيف يبدو شكل البيت أو مساحة العمل، فقد فُقد الإحساس بالمكان، وأصبح زمان الانفجار هو الأساس في الاستمرار

كانت دنيا ونسة، وهي من القاطنات في منطقة الجميزة، تساعد ابنتها على الاستحمام وقت حدوث الانفجار.

وبالرغم من بقائهما على قيد الحياة، إلا أن هذه التجربة لا تزال محفورة في ذاكرة دنيا التي تخشى حدوث انفجار جديد.

وعن تأثير ذلك على كيفية قيامها بترميم المنزل، قالت: "عندما بدأنا بترميم المنزل، رفضت أن أعيد واجهات الزجاج، وتسكير الشرفات بالزجاج، فوضعت الستائر عوضاً عنها".

هذا وتدمع عيناها وهي تقول لرصيف22: "من بعد الانفجار كرهت كلمة زجاج، فمشهد المنزل وهو محطم ما بقدر إنساه على الإطلاق. كل ما بفكر وأتخايل لو كنا في الصالون مثلاً لحظة الإنفجار، بشعر أني مت وعدت للحياة".

تروما جماعية

تشرح المعالجة النفسية، شارلوت خليل، هذا التوجّه أو السلوك في عمليات الترميم، بالقول إن "واقعة مثل انفجار بيروت بكل تأكيد ستخلق نوعاً من التروما الجماعية، تستحضر تلقائياً في أي سلوك مرتبط بالانفجار أو حتى بإعادة الترميم، لذا من الطبيعي أن هذه الذكريات ستكون حاضرة بقوة عند الأفراد المتضررين".

وتضيف شارلوت لرصيف22: "هناك تفسير نفسي آخر، إذ إنه بعد ستة أشهر من الانفجار، لم يتم توضيح ما حدث، أو الوصول لنتائج تحقيق تعطي إجابات مطمئنة، أو حتى محاسبة الفاعل، وهذا الفراغ أو عدم إعطاء نتائج يخلق في اللاوعي الجماعي، فكرة مفادها أن الحادثة قد تتكرّر، لذا سيلجأ الإنسان بشكل غريزي نحو حماية نفسه، أو كما يخيل له أنه يحمي نفسه، عبر تغيير نوع المواد المستخدمة بالترميم".

وعليه، أوضحت شارلوت أنه في ظل الوضع القائم، يلجأ الإنسان لتأمين حمايته بطريقة ذاتية، مشيرة إلى أنه عند انفجار بيروت، من الملاحظ أن البعض حاول تعزيز الشعور بالأمان، من خلال القيام بإجراءات معيّنة، كتغيير أو استبدال الزجاج بجبصين أو أي مواد أخرى يعتقد أنها مصدر حماية له، وذلك على حساب المظهر الجمالي.

 استطاعت اليابان، بعد تراكم تجاربها، أن تصنع قرى الفطر كحلّ معقول لتجنب الأحداث المأساوية التي قد تتعرض لها بفعل الكوارث الطبيعية، فهل ستتحول بيروت بفعل ذاكرتها إلى قبور من حجر، ينتظر أهلها حدوث "كارثة" أخرى؟

"قرى الفطر"

في اليابان، وهي واحدة من أكثر الدول المتضررة من الزلازل، تم بناء قرى على شكل قبة تشبه "الفطر".

وفي هذا الصدد، تعتبر قرية مقاطعة كوماموتو، التي تضررت بشدة جرّاء سلسلة من الزلازل في إبريل/ نيسان عام 2016، مثالاً على هذه الأشكال الهندسية من البناء، فهي تضم أكواخاً غريبة، عبارة عن 480 من قباب مصنوعة من مادة "البوليسترين" المقاوم للزلازل والتي بُنيت من دون دعامات، حيث يتم تجميع القطع مع بعضها تماماً مثل لعبة ليغو الشهيرة (المكعبات).

وعلى الرغم من غرابة الشكل الهندسي، إلا أن شركة Japan Dome House المصنعة لهذه القباب، توضح أن هذا الشكل يسمح بتوزيع الهواء ومنعه من التراكم في الزوايا، وبالتالي لا تنهار هذه الأكواخ في حال حدوث زلزال.

وبالتالي يمكن القول إن اليابان، بعد تراكم تجاربها، استطاعت أن تصنع قرى الفطر كحلّ معقول لتجنب الأحداث المأساوية التي قد تتعرض لها بفعل الكوارث الطبيعية، فهل ستتحول بيروت بفعل ذاكرتها إلى قبور من حجر، ينتظر أهلها حدوث "كارثة" أخرى؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard