عندما يكون انتحار الأديب صرخة احتجاج في وجه العالم

الخميس 4 مارس 202102:24 م

لم يخلُ عالمنا العربي من حوادث انتحار الأدباء ردًا على القهر المجتمعي والسياسي، ولعل أشهرها انتحار الشاعر والروائي الأردني تيسير السبول، والشاعر اللبناني خليل حاوي، اللذان قررا إنهاء حياتيهما تحت وطأة الهزيمة العسكرية وانهيار الحلم العربي، فقد كان كلاهما يركضان وراء حلم أكبر، وعندما تأكّدا من تلاشيه، اختارا الموت بيد ثابتة.

ضياع أحلام القومية العربية

في صبيحة يوم خريفي أطلق تيسير السبول على رأسه الرصاص، بمنزله شمالي عمّان، ليخلّف وراءه زوجة وطفلين، ومسبباً صدمة للمجتمع الأردني والأوساط الثقافية العربية.

بينما كانت الأحداث السياسية في الأردن تتصاعد وتتأجج عام 1955، اعتراضاً على الانضمام لحلف بغداد، اعتُقل أخوه شوكت لنشاطه السياسي، وهو ما شكّل دافعاً مبكراً لدى تيسير السبول للارتباط بالقضايا القومية.

تيسير السبول

في عام 1958، توجّه إلى دمشق وانضمّ لحزب البعث، متبنياً آراء ناقدة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وراح يعبر بأشعاره عن قضايا الأمة، رابطاً خلاص الذات الفردي بتحقق الآمال القومية. كتب روايته الوحيدة "أنت منذ اليوم" عام 1968، والتي فازت بجائزة دار النهار للرواية. عبرت الرواية عن الحالة العربية وصدمة هزيمة 1967، التي تركت في نفسه حزناً عميقاً طوال ستة أعوام، غلبه فيها اليأس والإحباط.

وفي 15 نوفمبر 1973، كان تيسير في سهرة مع صديقَيْه، عدي مدانات وفايز محمود، يخططون للانتحار، وبعد منتصف الليل أطلق الرصاص على رأسه بعد خروج زوجته من البيت، ليعبر مشهد انتحاره عن مأساة جيل بأكمله، تاركاً قصيدته الأخيرة كصرخة احتجاج، والتي قال فيها:

"نبياً غريب الملامح أمضي
إلى غير غاية..."

"أنا يا صديقي

أسير مع الوهم، أدري

أيمم نحو تخوم النهاية

نبياً غريب الملامح أمضي

إلى غير غاية".

سقطت بيروت، سقط خليل حاوي

خليل حاوي: "لم يبق أمامي إلا الانتحار، فلا معنى لوجودي"

بينما ترتبط دوماً ذكرى اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لمدينة بيروت في عام 1982، بانتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي، صبيحة الاجتياح.

كان الحاوي قد التقى بصديقه شفيق عطايا، متجهماً وكأنه بركان يكاد ينفجر، وتبرأ من العار اللاحق بالعرب، قائلاً: "لم يبق أمامي إلا الانتحار، فلا معنى لوجودي"، بحسب كتاب "خليل حاوي شاعر الحداثة والرومانسية" لعبد المجيد الحر.

خليل حاوي

وصدم جيران الشاعر بالمشهد المأساوي المريع الذي شاهدوه صبيحة 5 حزيران، حين خرجوا للشرفات ليفجعوا بجارهم متهاوياً على شرفة منزله، وبيده بندقية انتحر بواسطتها.

لن يوقفوا زقزقة العصافير

أما الشاعر المصري أحمد عبيده، فقد عُرف بثوريته، وعارض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. بعد النكسة، أصابه الحزن الشديد وعلَّق آماله على حرب أكتوبر واعتبرها إعادة لكرامة المواطن المصري، ولكونه المترجم الخاص للرئيس الراحل أنور السادات، فقد صُدم بمفاوضاته مع إسرائيل وأمريكا، واعتبرها بداية لهزيمة جديدة. جاهر برأيه وشارك في الاحتجاج ضده، فأصبح مطارداً أمنياً واعُتقل عام 1974، وتعرض للتعذيب الشديد.

أحمد عبيده

ودوّن عبيدة أحزانه أشعاراً على الورق والجدران، لكن السجانين نزعوا أوراقه ووعدوه بإعادتها له بعد خروجه من المعتقل، وأخلفوا وعدهم. وظل يبحث عنها شهوراً بين أقسام الشرطة دون جدوى. فقاد عدداً من المظاهرات التي تندد بالتطبيع، فأودعته السلطات مشفى الأمراض العقلية وأخضعوه لجلسات كهربائية مكثفة.

بعد خروجه، واجه تهديدات السلفيين واتهاماتهم له بالشيوعية والكفر، قبل أن يُعتقل من جديد ليتعرض لمختلف أنواع التعذيب البدني والنفسي، وبمجرد خروجه من المعتقل، حفر حفرة بوسط داره الريفي، وأضرم بها النيران ليحرق كتاباته وأشعاره، ويلقي بنفسه بينها، لينهي حياته وهو في ذروة شبابه، كصرخة احتجاج مدوية.

ولعل أشهر ما كتب الشاعر الراحل، الذي اضطر ذويه قهراً لإحراق مؤلفاته، خوفاً من بطش السلطات:

"يستطيعون أن يكمِّموا فمِي بالحَجر

وأن يرشقوا الأسياخ الحديدية في أضلاعي

وفي شباك الزنزانة

لكنهم لن يستطيعوا أن يوقفوا زقزقة العصافير على الأشجار

"يستطيعون أن يكمِّموا فمِي بالحَجر
وأن يرشقوا الأسياخ الحديدية في أضلاعي
وفي شباك الزنزانة
لكنهم لن يستطيعوا أن يوقفوا زقزقة العصافير على الأشجار"

ولا تدفق المياه في النهر

ولا صياح الدِّيكة في الفجر

حتى تبشر بميلاد صباح جديد".

ويمكننا القول إن الكاتبة المصرية المنتحرة أروى صالح، إحدى ضحايا القهر السياسي، فقد كانت واحدة من أشهر المناضلات السياسيات وقيادات الحراك الطلابي الذين تعرضوا للاضطهاد والسجن والتعذيب خلال الستينيات، وهي صديقة للشاعر أحمد عبيدة.

وانعكس القهر على كتابيها "المبتسرون" و"سرطان الروح"، فقد كانا صرخة احتجاج في وجه المجتمع والسلطة السياسية، قبل أن تنهي حياتها وتقفز من شرفة منزلها في الطابق العاشر عام 1997، بعد مرور 20 عاماً على انتحار صديقها الشاعر.

 الموت أبوك والأرض أمك

أما أشهر الكتاب الذين انتحروا كمداً بسبب القهر المجتمعي، فهو المصري رجاء عليش، ضحية النبذ والتنمّر لقبحه الشديد وقصر قامته، ما جعله فريسة للرفض المجتمعي، التعليقات الجارحة، الإذلال الدائم وعجزه عن الارتباط بامرأة تقبل بهيئته حتى سن الأربعين.

اختار عليش أن يغادر العالم القاسي بطلقة في رأسه، عام 1979، لكنه أراد أن يكون انتحاره صرخة احتجاج مدوية، فكتب قبل لحظات من انتحاره، رسالة للنائب العام المصري، قال فيها:

"عشت هذه السنين الطويلة وأنا أحلم بالانتقام من أفراد المجتمع الذين أفلحوا في أن يجعلوني أكفر بكل شيء".

كان رجاء عليش روائياً مصرياً مغموراً، لم يحظَ باعتراف النقاد، وبالكاد يعرفه بعض القرّاء، أصدر كتابين: "لا تولد قبيحاً" و"كلهم أعدائي"، لكنهما لم ينالا رواجاً واسعاً.

وكأن عليش ينعي روحه بكلمات سطّرها على غلاف روايته الأخيرة، التي انتحر بمجرد انتهائه من تأليفها، إذ يقول: " ارقد أيها القلب المعذب فوق صدر أمك الحنون واسترح إلى الأبد، دع أحلامك الميتة تتفتح كزهرة تعيش مليوناً من السنين، أنت أيها الملاح التائه في بحار الظلمات البعيدة، لقد جئت إلى أمك الأرض لتعيش في حضنها إلى الأبد، ألقيت بمراسيك في المياه الدافئة وأمنت من الخوف، نفضت عن شراعك الثلج والبرودة وأيقظت الشمس في قلبك واسترحت إلى الأبد، نم هانئاً سعيداً يا من لم تعرف الراحة في حياتك، أحس بالأمن يا من عشت دائماً بعيون مفتوحة من الخوف. الموت أبوك والأرض أمك والسلام رفيقك والأبد عمرك".

تفصلني خطوة عن اللاشيء

وكان آخر ضحايا القهر المجتمعي والسياسي، الكاتب والشاعر والمدوّن التونسي نضال الغريبي، الذي عانى الفقر الشديد والبطالة منذ تخرجه من الجامعة، حيث درس الفلسفة وفن التصوير، وشعوره بالعجز أمام احتياج والدته المريضة للدواء، فقرر إنهاء حياته في 28 مارس 2018، بولاية القيروان، مخلفاً دهشة وحزناً في الأوساط الثقافية

نضال الغريبي

ترك "الغريبي" قبل انتحاره رسالة وداع مؤثرة، قال فيها: "أنا الآن لا شيء، تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة. غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخسها ثمنها لكننا لا نرى، نملأ أبصارنا وبصائرنا دوماً بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها.. نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته، لا نرى من الأخضر غير يابسه حتّى تختلط علينا الألوان، ومفاهيمها، شأننا شأن أحبّتي، الذين رغم تواضعي يظنّون أنني عيسى، فإذا ما صدّقوا ما ادّعوا، اختلط عليهم الأمر، فراحوا لا يفرقون بين القلب والمعصم، وصارت أوتادهم تنهمل على صدري كسهام الوغى.

"أنا الآن لا شيء، تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة. غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر..."

غريب أمرهم، بل غريب أمركم جميعاً، اذ تظنُّون بموتي أنني أناني، لكنني في الحقيقة أبعد ما يمكن عن الأنانية، دققوا في التفاصيل، لو كنت كما تدّعون لكنت التهمت ما استطعت من أدوية أمي المريضة ورحلت، لكنني أعلم على يقين أنّ عائلتي المسكينة ستنصرف إلى مراسم دفني وقبول التعازي، وسينسون بالتأكيد أن يشتروا لها دواء بدل الذي دفن في معدتي، لكنني لم أفعل، لو كنت بالأنانية التي تدّعون، لكنت رميت بنفسي أمام سيارة على عجل، أو من فوق بناية عالية، لكن، حرصا مني أن لا تتلف أعضائي، التي أوصي بالتبرع بما صلح منها، لم أفعل!

سادتي، أحبّتي، عائلتي المضيّقة والموسّعة، أوصيكم بأنفسكم خيرا، وبأولادكم حبّاً... أحبّوهم لأنفسهم، لا تحبّوهم لتواصل أنفسكم فيهم، اختاروا لهم من الأسماء أعظمها وأرقاها، وكونوا شديدي الحرص في ذلك... فالمرء سادتي رهين لاسمه، شأني، أمضيت عقودي الثلاثة بين نضال وضلالة وغربة... علّموا أطفالكم أنّ الحبّ ليس بحرام، وأنّ الفنّ ليس بميوعة، لا تستثمروا من أجلهم، بل استثمروا فيهم، علموهم حب الموسيقى والكتب...

السّاعة الآن الرابعة بعد الظهر، من السابع والعشرون من مارس سبعة عشر وألفين، أفارقكم عن سن تناهز أسبوعين وأربع أشهر واثنين وثلاثين سنة".

وكتب نضال غريبي عبر صفحته على فيسبوك، كلمات تؤكد اكتئابه الشديد:

"ما أنا إلّا جثمان يتنفس، وبعض الأوجاع تتجاوز جدران الجسد. أتساءل حين ألتاعُ أي الوجعين أختار؟ هي أجمل من هيرا... أعمق وأثرى من يوتوبيا... وأغبى مني... أشعر بكل الأشياء إلا أنا لا أشعر بي. لم تعد بي رغبة بالبكاء ولا بالضحك. لم تعد بي رغبة بالحياة ولا توق للموت، كيف حالي؟".

الشعراء الأكثر قابلية للانتحار

في كتابه "الأدب والجنون" يقدم الدكتور شاكر عبد الحميد، أستاذ علم نفس الإبداع في أكاديمية الفنون، ووزير الثقافة المصري الأسبق، محاولة لاستكشاف تجسيد الأدباء لشخصية المضطرب عقلياً في أعمالهم الأدبية.

ويتناول الكتاب بدايات وتتطور الاهتمام بظاهرة الجنون عبر تاريخ الإنسان، والربط في أذهان الباحثين والمفكرين بين الجنون والإبداع الأدبي، متوقفاً عند بعض الأعمال الإبداعية الأدبية المشهورة، التي تمثلت فيها عمليات الاضطراب النفسي بشكل بارز.

فيما يركز كتابه "الدخان واللهب: عن الإبداع والاضطراب النفسي" على العلاقة بين الإبداع والاضطراب النفسي والمرض العقلي، عبر دراسة شخصيات المبدعين في مجال الأدب والفنون التشكيلية والموسيقى، مسلطاً الضوء على عدد من المبدعين الذين عانوا من أمراض نفسية، كالاكتئاب والهوس العقلي ورهاب الموت.

جومانا حداد- سيجيء الموت وستكون له عيناك

ويؤكد شاكر عبد الحميد أن الاكتئاب يشبه الدخان والهوس يشبه النار، فالاكتئاب يهبط على الروح فيخنقها كالدخان، أما الهوس فيطلق طاقاتها أحياناً على نحو يتجاوز الحدود.

ويوضح أنه يستحيل إيجاد علاقة واضحة بين المرض النفسي والإبداع، مؤكداً أن أعلى معدلات الاضطراب الانفعالي توجد لدى الشعراء بنسبة 87%، ويأتي بعدهم الروائيون وكتاب القصة ثم الممثلون، وأن الشعراء هم الأكثر قابلية للانتحار بنسبة 26% مقارنة بغيرهم من المبدعين، بينما مبدعو الفنون التشكيلية هم الأقل عرضة للانتحار، معتبراً أن هناك ثمناً للعبقرية يدفعه المبدع.

في كتابها "سيجيئ الموت وستكون له عيناك"، تحصي الشاعرة اللبنانية جمانة حداد، 150 حالة انتحار لشعراء في القرن العشرين من 48 بلداً، مؤكدة أن الفلاسفة يقبلون على الانتحار في سن متأخرة، على عكس الشعراء الذين ينتحرون في سن مبكرة

أما في كتابها "سيجيئ الموت وستكون له عيناك"، فتحصي الشاعرة اللبنانية جمانة حداد، 150 حالة انتحار لشعراء في القرن العشرين من 48 بلداً، مؤكدة أن الفلاسفة يقبلون على الانتحار في سن متأخرة، على عكس الشعراء الذين ينتحرون في سن مبكرة!

وفي الفصل الثاني من الكتاب، المعنون بـ"الكلب الأسود"، تستعرض أهم أعراض الاكتئاب والهوس وعلاقتها بالإبداع، ويدور الفصل الخامس حول حالات الفصام وشبه الفصام وعلاقتها بالإبداع، ويستعرض الفصل السادس المبدعين الذين أصابتهم تلك الاضطرابات.

ربما تختلف أسباب انتحار المبدعين وتتنوع وسائله، ويكون للاكتئاب والاضطراب النفسي تأثير رئيس، إلاّ أن القهر المجتمعي والسياسي قادران على الفتك بأعقل العقلاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard