كان الله مقيداً إلى عرش لكني حررته وصار شريكاً

الأربعاء 24 فبراير 202101:26 م


كان ياما كان، كان في حياتي إله متعال وبعيد جداً، ثم نبت له جناحان!

علّموني في الصغر أنه المؤسس والمالك والمدير العام، وأنني يجب ألا أخالف تعاليمه، وهكذا أضمن رضاه وبالتالي دوام نعمه. وقد أكون محظوظة إذا اجتهدت في الطّاعة والخير، فأحصل أيضاً على مكافآت وترقيات. كما رسخ عميقاً في وجداني أن التعديات والمخالفات لها عواقبها، التي تتناسب شدّتها طرداً مع حجم المخالفة.

كان ياما كان، كان في حياتي إله متعال وبعيد جداً، ثم نبت له جناحان!

على شاشة التلفزيون في شهر رمضان، كنت أصغي مأخوذة إلى نشيد يعدد صفاته التسع والتسعين. بعض تلك الصفات كان يغمر قلبي الفتي بموجة من السكينة الدافئة: "السلام، الودود، الكريم، اللطيف". فأتذكر كل ما في حياتي من نِعَم: عيناي الخضراوين، سقف البيت الذي وإن كان يدلف في بعض ليالي الشتاء إلّا أنه موجود. أبي وأمي اللذان وبرغم شجارهما المتكرر طيبان وموجودان لرعاية العائلة. أما البعض الآخر من تلك الأسماء، فقد كان يقلقني ويخز الاسترخاء الروحي الجميل الذي منحتني إياه الصفات السابقة الذكر. وخز ينبّه كل حواسي ويوقظها: "الجبار، القهار، المنتقم، المتكبر، المهيمن…"، فأتذكر ذنوبي الطفولية، وتثقل على قلبي غيمة سوداء لا تزول حتى تنهمر على شكل عاصفة بكاء، في صلاة أعلن فيها ندمي وتوبتي عما ارتكبته من ذنوب.

 بعض العبارات التي كانت تترددّ في محيطي بشكل عفوي كانت تصيبني بالقلق، مثل العبارة التي تطلب فيها الرحمة لمن غادر الحياة بصيغتها التي نعرفها. مثل هذه العبارة البسيطة كانت ترسم في مخيلتي صورة يجلس فيها الله على عرش عظيم، أمامه طاولة مرتبة وعلى جانبيه حاجبان يهوِّيان له بمراوح من ريش. على الطاولة ملف ضخم، والراحل عن عالمنا ممتثل بخشوع أمامه، في موقف يكرم المرء فيه أو يهان، ونحن نرسل له من عالمنا التمنيات باجتياز المحنة بسلام!

أتذكر بعض الأمنيات التي أرسلتها إليه وأضحك. عندما كنت في الثالثة عشرة تقريباً، كنت أصاب أحياناً بحمّى الصلوات، فأعيد وأكرر على مسمعه طلبي في أن يصل طولي إلى متر وسبعين سنتيمتر، فقد اقتنعت من خلال كل ما سمعته من محيطي الاجتماعي أن هذا الطول مثالي للفتيات

 أما عندما تمرّ سنة جفاف، ويبدأ المحيط بتكرار عبارة أن الله حجب المطر كعقوبة جماعية، نظراً لتخطي مجموع المخالفات الفردية الحد المسموح به، كنت وقتها أشعر بحرقة وظلم مضاعف، لأن صيفاً قاسياً سيحل، وعلينا أن نداري كلّ قطرة ماء تنزل من الصنبور، لأن آخرين ارتكبوا أخطاء وحماقات لا ذنب لنا فيها!

 لكن برغم كل ذلك، ظلّ وجود الله في وجداني ذا فائدة كبيرة. الإحساس بأن هناك من يستمع إلى صلواتي في الأوقات العصيبة، وبأنه سيرسل فرق إنقاذه لانتشالي من أزماتي، فوجوده كان مصدراً مهماً للأمان النفسي، الأمل بأن الشدائد إلى زوال وأن العدل لابدّ قائم ولو بعد حين. 

أتذكر الآن بعض الأمنيات التي أرسلتها إليه وأضحك. عندما كنت في الثالثة عشرة تقريباً، كنت أصاب أحياناً بحمّى الصلوات، فأعيد وأكرر على مسمعه طلبي في أن يصل طولي إلى متر وسبعين سنتيمتر، فقد اقتنعت من خلال كل ما سمعته من محيطي الاجتماعي أن هذا الطول مثالي للفتيات. لقد رُدّت هذه الأمنية مع الرفض، لكننّي تفهمت الوضع وتقبلت المتر وأربعة وستين سنتيمتر الممنوحة لي.

تحوّلت صلواتي إلى تأملات أشعر بها تطير حرة، كما طار الإله عن عرشه.

 كما كانت لي علاقة انتقائية مع الكتاب المقدس. آمنت بما أُخبرت به بأن هذا الكتاب هو من عند الله، ولا مجال للشكّ في ذلك. فتنتني بعض القصص في الكتاب، أحببتها وكنت أقرأها بتأثّر مبلّل بالدموع.

 كبرت وتنوّعت قراءاتي ومصادر معلوماتي. بقي إيماني بوجود الله قائماً لم يتهدّم، ربما لأن النظريات الأخرى المعاكسة لم تمنحني ما أحتاج من أمان نفسي، أو أيضاً لأنها لم تقنع عقلي تماماً. بقي الله لكن تغيّرت العلاقة معه. لم يعد الكتاب المقدس مقدساً، وزال الاعتقاد بأنّه من عند الله. صار جزءاً من الإنتاج الفكري والثقافي لهذا الجزء من العالم، أستمتع ببعضه وأراه ضمن سياقه المكاني والزماني. 

ثم حدث أن سمعت بالصدفة أغنية لفرقة ميتال تقول كلماتها: "الله يكرهنا جميعاً، إنه يكرهنا جميعاً". في مقطعٍ آخر تقول كلمات الأغنية: "لم أقل أبداً إني أريد أن أكون تابعاً لله، لن أكون أبداً التابع المنقاد".

حتى تلك اللحظة، كانت عبارة يكرهنا التي تتردّد في الأغنية أقسى ما سمعته في مواجهة فكرة كمال ومثالية الله. تحّطم الصنم في عقلي. تورط الله في معاناتنا وتشارك مع البشر مسؤولية المحن والمآسي. تحرّر الله من الكمال. تنفّس وصار حراً من كماله. تتحرّر الأفكار عندما نمزق عنها كفن الكمال. الجمال يصبح أجمل إن تحرر من الكمال، والحب يصبح أرشق وأشفّ إن تحرر من الكمال.

بعد الأغنية، جاءت قصيدة للشاعر التشيلي نيكانور بارّا، بترجمة صالح علماني، لتأخذ بيدي أبعد من تحطيم الصنم وتحرير الفكرة. القصيدة نفخت الروح في الفكرة المجردة، فصار الله يعاني مثلنا نحن البشر، من كل ظروف وتعقيدات الوجود. 

يقول بارّا في مقطعين من القصيدة: "أبانا، ندرك أنك تعاني لأنك غير قادر على ترتيب الأمور، نعرف أن الشيطان لا يتركك بهدوء، ويهدم كل ما تبنيه". في مقطعٍ ثانٍ تقول القصيدة: "أبانا الذي أينما كنت، محاطاً بملائكة غير أوفياء، بصراحة، لا تتحمل مزيداً من المعاناة بسببنا، عليك أن تدرك أن الأرباب ليسوا معصومين، وأننّا نحن من نغفر كل شيء".

سمعت بالصدفة أغنية تقول كلماتها: "الله يكرهنا جميعاً، إنه يكرهنا جميعاً". عبارة يكرهنا التي تتردّد في الأغنية أقسى ما سمعته في مواجهة فكرة كمال ومثالية الله. تحّطم الصنم في عقلي. تورط الله في معاناتنا وتشارك مع البشر مسؤولية المحن والمآسي

 قرأت القصيدة مرات كثيرة وشاركتها بحماس مع عدد من أصدقائي. هذه القصيدة التي لم تكتف فقط بتمزيق كفن الكمال عن الله، بل إنها جلبته إلى عالم البشر، عالم العجز والفوضى والهدم والبناء. بعد هذه القصيدة، صار الله شريكاً، وهكذا بدأت مرحلة جديدة هي الأجمل. حررت الله وارتحت من طلباتي وتوقعاتي. توقفت عن سؤاله لماذا لا يوقف الحروب ويحرر العباد من حكم الطغاة؟ لماذا لا يحقق العدل في الأرض؟

 رضيت بصمته أمام حماقاتنا البشرية، كما أصمت في كثير من الأحيان عند اندلاع المعارك بين طفلتيْ، بل إننّي قبلتها كجزء من حياتنا اليومية. صرت أتخيله يتفرّج مندهشاً على قدرتنا اللانهائية على خلق الفوضى والحروب، وقد قبلها منتظراً نضوجنا. تحوّلت صلواتي إلى تأملات أشعر بها تطير حرة، كما طار الإله عن عرشه.

كان ياما كان، كان لدي إله مقيد إلى عرش، فكّت الكلمات قيوده، نبت له جناحان من أغنية وقصيدة، وطار حرّاً في الآفاق!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard