يمين الله... شمال الله

يمين الله، شمال الله

الأحد 3 يناير 202101:07 م

كان الكاتب مارك توين يكتب بيمناه، إلى أن أجبره مرض الروماتيزم على الكتابة بيسراه، أمّا دافنشي الذي قيل عنه بأنه كان يرسم بيسراه، ومن ثم تأذّت، فأصبح يرسم بيمناه.

ذات المرض الذي أصاب مارك توين فرض عليّ تقسيماً لأعمال الكتابة، فأنا أستخدم اليد اليمنى للكتابة بالقلم، واليد اليسرى للطباعة على الكيبورد. وعلى ما يبدو أن يدي اليسرى قد سادت على يدي اليمنى في إنجاز بقية الأعمال، على الرغم من أن العالم يُنتج في الأعم الأغلب لأصحاب اليد اليمنى، لذلك كان عليّ الاحتيال على تلك الأدوات حتى تصبح ملائمة ليسراي.

تتحدث الإحصاءات أن أكثر من 10% من سكان العالم يستخدمون يدهم اليسرى، وهذا يعني أن الأكثرية يستخدمون يدهم اليمنى، ما يقود إلى الضغط على من يستخدمون يدهم اليسرى ليتماثلوا مع محيطهم المجتمعي، كي تنجز الأعمال بشكل أسرع، ولأن الأدوات تُصنع بما يتوافق مع طبيعة الأغلبية. 

وأنا أكاد أنهي هذه المقال، استشعر تعباً في اليد اليسرى، وأتمنى لو كانت يميني قادرة على مساعدتها. أحياناً أحلم بأن يكون لي يدان يسراوان

عرض أفلاطون في محاورات القوانين/ الكتاب السابع، لرأي الأمهات والقابلات اللواتي يقلن بأننا نولد بيد عرجاء، ومن ثم اعترض عليه بالقول: بأن الطبيعة وهبتنا جسماً متناظراً بشكل كبير، وقد أدخلنا الخلاف في هذا التناظر بعاداتنا. أي أن أفلاطون لا يؤمن بأفضلية يد على أخرى، حتى أنه قاس ذلك على الأقدام، فلا فرق بين قدم يمنى ويسرى. ومن هذا المنظور، كان لابد من تدريب الأطفال على استخدام كلتا اليدين. يقلّل أفلاطون من تلك الفروقات التي بين اليد اليسرى واليمنى في مهن كالعزف، لكن في الحرب، لا يجب إضعاف اليد اليسرى، بل يجب تدريبها على مهارات اليد اليمنى.   

دخل علم الأعصاب في جدل اليد اليمنى واليسرى، وقد قدمت الدكتورة ألفت كحلة ملخصاً عن نظريات تحاول تفسير وتبرير حدوث الأفضلية بين اليد اليمنى أو اليسرى.

تشرح النظرية الوراثية بأن الجينات هي المسؤولة عن ذلك، فيما تعود نظرية البيئة إلى بدايات الجنس البشري، حيث جاء التركيز على اليد اليمنى في القتال كي تقوم اليسرى بحماية القلب، وسميت هذه النظرية بالدرع والرمح.

نظرية الأم/الطفل، وقد قال بها أفلاطون، فالأم عندما تحمل طفلها إلى صدرها جهة القلب تصبح يده اليمنى مقيّدة واليسرى حرّة، ومن ثم يصبح معتمداً على يسراه، يؤدي هذا إلى صعود جيل من الذكور والإناث يستخدمون يدهم اليسرى، وعندما تصبح الإناث اليسراويات أمهات في المستقبل، سيحملن أطفالهن بيدهن اليمنى، فتحبس اليد اليسرى بين جسد الطفل وجسد أمه، وتبقى يده اليمنى حرّة، فتنتج هذه الوضعية في حمل الطفل إلى صعود جيل يستخدم يمناه، وهكذا دواليك. ومن هذا المنطلق رفض أفلاطون العادات التي تقول بوجود يد عرجاء.

نظرية الضغوط الوالدية، أي أن الأهل من يجبرون أولادهم على استخدام اليمنى، وهناك النظرية الهرمونية التي تحلل تأثير هرمون الذكورة على سرعة نمو الفص الدماغي الأيسر المسؤول عن اليد اليمنى. لم تنته هذه النظريات إلى نتيجة حاسمة تفسّر التفضيل الذي يحدث للكائن البشري.

تاريخ وأساطير

تشير الدراسات إلى أن الإنسان النياندرتالي كان يملك كتفاً وذراعاً يمنى أقوى من اليسرى، بما يتوافق مع رمي الرمح، بالإضافة إلى أسنان متآكلة، بما يتسق مع تناول الطعام باليد اليمنى. وهذا يشير إلى الميل نحو استخدام اليد اليمنى، لكن هذه الدراسات تحتاج إلى تأكيدات أكبر، كما لاحظت عالمة الآثار في جامعة ليفربول، ناتالي أوميني.

مازال البحث جارياً عن أسباب هذا التفضيل، لكن التاريخ البشري والأسطوري قد تبنّى أفضلية اليد اليمنى بشكل كبير.                 

في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، كانت يد الإله اليمنى تمنح العطايا، واليسرى تصب اللعنات                                 

نجد هذا الأمر في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، حيث كانت يد الإله اليمنى تمنح العطايا، واليسرى تصب اللعنات. وفي الإسلام يخبرنا الطبري بأن يدي الله كلتاهما يمنى. يعتقد شعب ميرو في كينيا، أن اليد اليسرى لإلههم المقدس تملك قوى شريرة جداً، لدرجة كان عليه أن يخفيها من أجل سلامة الآخرين. وفي الجداريات التي تركها الفراعنة، نجد بأن أغلب اللوحات تظهر أعداء المصريين عسراً، بينما هم من أصحاب اليد اليمنى.

فسّر أرسطو  تلك الأفضلية، بأن من يستخدمون يدهم اليمنى، إنما يفعلون ذلك من فطرتهم السليمة، على العكس ممن يولدون عسراً، فهذا يعني أنهم أشرار. كان اليونانيون يتداولون قصة عن الإسكندر الذي هزم شعباً من العسر وقتلهم، كي لا تنتشر يدهم العسراء في العالم، مع أن عدداً من المؤرخين يؤكدون بأن الإسكندر كان أعسر.

لوحة ميكيلانجيلو الشهيرة، خلق آدم

يذكر روبير هرتز في كتابه، بأنّ قبائل الزولو كانت تسكب المياه الساخنة على يد الطفل اليسرى، إذا كانت هي المفضلة لديه، كي تمنعه من استخدامها.

لكن للحقيقة، لم تكن الجهة اليسرى دوماً مذمومة من قبل الشعوب، فنجد الشعب السلتي الذي كان يتعبّد لآلهة أنثى، يرى في الجانب الأيسر الخصب والحياة. وفي بوذية التانترا تمثل اليد اليسرى الحكمة، كذلك هناك نظرة إيجابية عند شعوب الأنكا بأن اليسراويين لهم قدرات خاصة سحرية وشفائية. قسم الصينيون القدماء الكون إلى يين ويانغ. اليين هو الجانب الأنثوي اليميني واليانغ الجانب الذكوري اليساري، على الرغم من هذا التقسيم تعتبر الصين من الدولة المتشدّدة تجاه استخدام اليد اليسرى.

للحقيقة، لم تكن الجهة اليسرى دوماً مذمومة من قبل الشعوب، فنجد الشعب السلتي الذي كان يتعبّد لآلهة أنثى، يرى في الجانب الأيسر الخصب والحياة وفي بوذية التانترا تمثل اليد اليسرى الحكمة، كذلك هناك نظرة إيجابية عند شعوب الأنكا بأن اليسراويين لهم قدرات خاصة سحرية وشفائية

خالف اليونانيون الصينيين، فخصّوا الذكر بالجهة اليمنى والأنثى بالجهة اليسرى، ولربما يعود هذا إلى تقسيم فيثاغورث للمبادئ الأولية للوجود إلى ضديات: يمنى ويسرى، اليمنى إيجابية واليسرى سلبية، وبالتأكيد تم وضع الذكر في اليمن والأنثى في اليسار، لذلك نرى حواء مرسومة إلى يسار آدم. كان الرجال يعتقدون أن الخصية اليمنى مسؤولة عن إنجاب الذكور، حتى ذهبوا إلى ربط الخصية اليسرى، كي يمنعوا إنجاب الإناث. كما بينت الباحثة ميلسيا روث. وجاء عند الطبري بأن الله جسّ ظهر آدم واستخرج منه ذريته، فكان للذين خرجوا من جانبه الأيمن شكل حبات بيض مثل اللؤلؤ، أما الذين خرجوا من جانبه الأيسر فكانوا حبات سود مثل الفحم.                                                                              

استدلت محاكم التفتيش في العصور الوسطى على أن من يستخدمون يدهم اليسرى هم سحرة ومن أتباع الشيطان، كذلك ذهب لومبروز إلى اعتبار العسر لديهم ميول إجرامية، وعلى الرغم من أن آراء لومبروز صُنفت بأنها من قناعات العلم الزائف، إلا أنها لاقت أصداء في قناعات الناس. ساهمت آراء جون ديوي في القرن العشرين بالتخفيف من هذه العنصرية تجاه اليد اليسرى، لكنها بقيت متأصّلة في التعليم الديني، حتى ذهبوا إلى اتهام أصحاب اليد العسراء بأنهم شيوعيون. في سبعينيات القرن المنصرم بدأ التشدّد تجاه اليد اليسرى يخفّ تدريجياً، إلى أن وصل العالم للاحتفال باليوم العالمي للعسراء في 13 آب من كل عام.

اللغة المتنمّرة

إنّ كلمة "Sinister" تعود إلى اللاتنية وتعني "في الجانب الأيسر"، ولقد كان الاستخدام المبكّر لها في اللغة الإنكليزية يشي بمعاني الشر والحقد. من جانب ثانٍ تأتي الكلمة اللاتينية "Dexter" في الجانب الأيمن، وما اشتق منها كلمات تعني الإيجابي والمتقن لعمله. وعلى نفس المنوال تعطي الكلمات الفرنسية الإيحاءات ذاتها. ومن الدلائل على هذا التنمر اللغوي كلمة "right" التي عادة ما تكون إجابة عن أمر صحيح، وبمعنى الحق، بالإضافة إلى معناها التقني: اليمين. 

لا تختلف اللغة العربية كثيراً عن ذلك. جاء في كتاب مقاييس اللغة: العسرى هي اليد الشمال. والأعسر هو غير المتقن لعمله. وسُميت عسرى، لأنه يتعسّر عليها ما يتيسّر لليد اليمنى. ومن معان أيمن: الماهر. أما تسميتهم لليد الشمال باليسرى، فمن باب التفاؤل كم يقال للديغ بالسليم وللصحراء بالمفازة. اليسر عكس العسر. جاء في القرآن الكريم: " سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً".

اليمين عكسه الشمال/ المشأمة. اليُمن في اللغة يدل على الخير، والشؤم يدل على سوء الطالع، ومنه تم اشتاق التشاؤم والشأمة، هي اليد اليسرى، كما ورد عند ابن منظور.

يمين، يسار/ مؤمن، كافر

تكلّم روبير هرتز في كتابه "تفوق اليد اليمنى"، بأن التفضيل الذي يخص به الجانب الأيمن من الجسد مجتمعياً، يعود إلى التقابل الثنائي بين المقدس والمدنس، اليمين واليسار. وهذا التقابل الثنائي تم تأسيسه على ثنائية الخير والشر، هكذا أصبح الجانب الأيمن، وضمناً اليد اليمنى، مركزاً للقيم الأخلاقية الإيجابية. ومع ذلك يرى روبير بأن هذا التفوّق الذي يخصّ اليد اليمنى هو إدعاء اجتماعي تصنيفي، فقد حاول هرتز تبرير أفضلية اليد اليمنى استناداً إلى الجانب الفيزيولوجي، وكان يقول: "نحن أعاسر الدماغ لأننا أيامن اليد"، مع أنه لم يحسم رأيه في إن كان هذا التفضيل ناشئ عن الجانب الفيزيولوجي أم المجتمعي.       

لقد اكتشف العلم أن قسم الدماغ الأيسر هو المسؤول عن اليد اليمنى، والقسم الأيمن منه مسؤول عن اليد اليسرى. حاول هرتز أن يجمع بين التفسير الفيزيولوجي لأفضلية اليد اليمنى مع الضغط المجتمعي البيئي الذي ذهب إلى ذات التفضيل، ومنه تم تقسيم العالم إلى يمين خيّر ويسار شرير.

يذهب الباحث يوسف شلحد، في كتابه "بنى المقدس عند العرب" إلى أن الشمس هي المسؤولة عن هذا التقسيم، فالإنسان الذي كان يواجه شروق الشمس، يصبح الجنوب لديه هو اليمين/ يمينه، والشمال هو اليسار/ يساره. وبناء على التفسير الجغرافي لأفضلية اليد اليمنى مع التفسير البيولوجي، تم بناء التقسيم الذي يقول: بيد يمنى خيرة، ويد يسرى شريرة، على الرغم من أن العالمين الأنثروبولوجين كلود ليفي شترواس وموس، يقولان بأن هذا التقسيم سابق على التقسيم الذي يستند للشمس. يقول ديفيد لوبروتون، بأن الإنسان يصنع وينتج خصائص جسده اجتماعياً من خلال اندماجه مع الآخرين وانخراطه في المجال الرمزي، لأنّه هناك ميزة جماعية في استخدام اليد المشتركة والمتسقة، من حيث الكفاءة والسرعة وتقليل الحوادث. 

تم إحصاء ما يقارب مائة إشارة إيجابية على اليد اليمنى و25 إشارة سلبية تخصّ اليد اليسرى، في العهدين القديم والجديد... كيف ورثت الديانات التوحيدية التشاؤم من اليد اليسرى

ورثت الديانات التوحيدية التشاؤم من اليد اليسرى، حيث نجد العديد من الإشارات في التوراة والإنجيل على تفضيل اليد اليمنى، أوضحها ما جاء في إنجيل "متى" عن يوم الدينونة، حيث يكون الخراف/ المؤمنون على يمين الله، والجداء/ غير المؤمنين على يسار الله. والفارق يكمن في أن من هم على اليمين لهم الجنة، ومن هم على اليسار لهم جهنم. وهناك أمثلة عديدة على هذا التفضيل، من أن المسيح سيكون جالساً على يمن الآب. وأيضاً في حادثة الصلب، حيث آمن السارق الذي على يمينه وكفر السارق الذي على يساره، وفي التوراة نجد هذا التفضيل عند وصف يد الرب اليمنى المرتفعة والقوية. تم إحصاء ما يقارب مائة إشارة إيجابية على اليد اليمنى و25 إشارة سلبية تخصّ اليد اليسرى، في العهدين القديم والجديد.

ذُكرت اليد اليسرى بإشارة إيجابية ثلاث مرات في التوراة، ومنها عندما قتل إيهود بيده اليسرى ملك موآب. والمدهش أن أصحاب اليد اليسرى المذكورين في التوراة ينتمون إلى سبط بنيامين، والذي يعني أصحاب اليمين. وعلى ما يبدو أن هذا السبط كان ينشئ محاربين يعتمدون على يدهم اليسرى، كي تكون لهم الغلبة بمفاجأة الخصم، فالإشارات الثلاثة المذكورة في التوراة كانت تخصّ الأعمال الحربية ولا شيء آخر.   

تستخدم اليد اليمني في الديانتين اليهودية والمسيحية لمنح البركات ورسم إشارة الصليب، وقد اعتقد أن اليد اليسرى شيطانية، وأن الشيطان يسم متبعيه بيده اليسرى.

في الديانة الإسلامية كان الأمر واضحاً بالنسبة لجهة اليمين والشمال.  وقد ورد في القرآن الكريم بأن من كتابه بيمينه فهو في الجنة، ومن كتابه بشماله فهو في النار. فضل اليمين على الشمال حتى أنه يوم القيامة يعاتب المذنبون من أضلوهم بأنهم كانوا يأتوهم من جهة اليمين، أي جهة الصدق: " قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ"، أي حتى الكفار كانوا ينظرون إلى الجانب الأيمن بأنه الجهة الصادقة.

لا يوجد تحريم بحق اليد اليسرى في الاستعمال، لكنّها مكروهة، لذلك تُرك لها ما يعتبر عملاً قذراً، كالاستنجاء والاستجمار، أي تنظيف الجسد من إفرازاته، أما اليد اليمنى فهي أولى بالعمل الطيب، حتى أن القسَم الديني يسمّى اليمين.

تطرّف مضاد

يذهب صاحب مدونة Right Left Wrong إلى أن لوثة الإحصاءات المتعلقة بالمشاهير والعلماء الذين يستخدمون يدهم اليسرى، تحتاج إلى التدقيق. وهذه الإحصاءات، قد ولّدت أساطير عن مستقبل من هم بإيد عسراء، سواء كانت إيجابية، مثل أن صاحب اليد العسراء سيكون ذا شأن في المستقبل، أم سلبية، بأن العسراء سيموتون مبكراً وأن أمراضاً معينة تصيبهم. لا شيء من هذا صحيح بالتدقيق العلمي: العسراء لهم ذات الحظوظ التي لأصحاب اليد اليمنى.

في ذاكرتي يرتبط اليسار بالسياسة، لا بالتنمّر المجتمعي، مع أنه كان ملحوظاً في مجتمعي، لكن بقدر يكاد لا يُذكر. كان اليسار السياسي في البلاد العربية مقموعاً ولم يجد له مكاناً ولو صورياً، كما حدث في البرلمان الفرنسي بعد الثورة الفرنسية، حيث جلس المحافظون في جهة اليمين، وجلس الثوار في جهة اليسار.

وأنا أكاد أنهي هذه المقال، استشعر تعباً في اليد اليسرى، وأتمنى لو كانت يميني قادرة على مساعدتها. أحياناً أحلم بأن يكون لي يدان يسراوان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard