بيروت - برلين… رحلة البحث عن الجنّة

السبت 27 فبراير 202110:30 ص

استهلال السماء، برلين

فتحت عينيَّ منصتاً لضجيج الطائرة الرهيب، هل حقاً عبرت؟

فوق سماء المدن المحترقة مددّتُ عُنقي نحو النافذة، فبدا الكون مترامي الأطراف، قبةً يضيء دجاها نجوم سهل الحرواصي في حوران، فوق تلال القمح في ليال آب. عاقداً ذراعي وراء رأسي، مستسلماً لصوت جدي يزيّن المجرة بالأهازيج.

 يُغيرُ خيالة الزيدي على القوات التركية، ويفجرون جسر "سما" شمالي سكة الحديد. يحني جدي ظهره ليلتقط سنابل القمح المكوية بحرارة الشمس، ويغني لأعمامه الذين فجّروا الجسر بالفراقين. 

يا علي جيناك بالنصرِ 

قدامنا الشيخ مندوبِ

جينا سما وبها قصرِ 

حنا على الداير ثوبِ 

سبع الفراقين منكسرِ 

ويلي ملقح على الخصرِ 

ويلي على الوجه مكبوبِ.

وراء هذه الغيوم، كان يرتفع جبل الأولمب، موئل زيوس والآلهة الأوائل، هنا موطن آن وإنليل وأي. هنا سار المعري على طريق القديسين والأنبياء بحثاً عن النعيم. ماذا تقول الملائكة وهي تتأمّل مصائرنا؟ تمجّد الرب وتراقب المعركة. أيها الرب ليتبارك مجدك في الأعالي. نحن ما زلنا على الأرض، منذ عهدك الأول، نحلم بالعبور نحو الطرف الآخر من العالم، "حيث أعمالك السامية لا تزال على روعتها كما كانت في اليوم الأول*". 

هل بعتُ روحي ثمناً للعبور من الجحيم؟ وطأت قدماي أرض برلين كما لو أنني أسقط من سماء عالية، وأتحوّل من مجرد فكرة إلى إنسان واقعي. دَخلتُها من بوابة براندنبورغ، ومشيت من تحت خيولها مكللاً بالنصر!

وقفت ونظرت في كل الاتجاهات. ضحكت، فماذا يفعل الصاعدون إلى الجنة، هل يسجدون شكراً لله؟ لكن الله ملّ الضحك، كما ملّت هذه الوجوه الممتقعة باللون الرمادي. 

هل بعتُ روحي ثمناً للعبور من الجحيم؟ وطأت قدماي أرض برلين كما لو أنني أسقط من سماء عالية، وأتحوّل من مجرد فكرة إلى إنسان واقعي. دَخلتُها من بوابة براندنبورغ، ومشيت من تحت خيولها مكللاً بالنصر!

أقف الآن وسط وحش كبير من المعامل والأبنية الملونة. أبحث عن الشمس في الخلفية الرمادية التي تصلح لتصوير فيلم بإضاءة مثالية، لكن الأبطال يذبلون وهم يبحثون عنها، كما لو أنهم أزهار عباد الشمس في لوحة لفان جوخ.

مشيت في الطريق الطويل نحو ساحة ألكساندر، حيث سارت قوات الفوهرر بكامل فخرها، وهي تدبُّ على الأرض بإيقاعٍ منتظم، تسير بثبات نحو المجازر التي سترتكبها على امتداد القارات الثلاث. دمروا بفخر الأبنية والبيوت، وحرقوا البشر في المعتقلات. هذه الأرض مشبعة بالدماء التي سالت من كل حدب وصوب. ومع الفحم المحترق أستطيع أن أشتمّ رائحة الجثث.

 أبحث عن وردة بيضاء لأحملها إلى قبر "الأخوين شول**"، أسفل نهر الراين. سأخبئ بندقية لعلّي ألتحق بالمقاومة ذات يوم، عندما سنقيم متراساً أسفل الحي الذي أقيم فيه في ليشتنبيرغ، ونصرخ "تحيا الحرية". 

أمشي دون توقف، دون قلق، كأنني تخلصت من قريني، ثم أنظر في واجهات المحلات العريضة فلا أعرف وجهي. ثمّة أحد آخر استطاع أن يمدّ رأسه في فسحة الهدوء هذه. أتنفس، أغبّ ما استطعت من هواء حرمنا منه طيلة العقود الماضية. تتجمد رئتاي فأقول: وليكن، هواء بارد حرّ خير من هواء حار في المعتقل.

أحمل مدينتي بين يدي، لتذكرني الندوب الغائرة في أنحاء جسدي بكل حوادث القتل التي وقعت أمام عيني، بالأرواح التي زهقت أمام فوهات البنادق. هل سأغيّر ملامح شكلي؟

 أتحدث مع صديقي في مقاطعة ما جنوب البلاد. عشر سنوات لم أره، منذ خروجنا من المعتقل. أسأله عن أحواله، فيقول لي: أنا بخير. أتحدث الألمانية، لدي 3 أولاد وعمل. ثم نصمت، يتنهد ويقول: هذه البلاد جميلة وفيها "الحرية" التي أردناها، لكن الجراح التي في داخلنا لن تندمل، لذا يجب أن نحاول النسيان. حاول أن تنسى قليلاً. 

كيف يستطيع البشر النسيان؟ يمشي الآلاف هنا وقد نسوا كل ذلك التاريخ الطويل من القتل المجنون. ذبحوا بعضهم البعض وحزوا أعناق أعدائهم، ثم جلسوا على طاولة وقالوا: انتهت الحرب، ثم نزلوا علينا من الشمال وأشعلوا الحرب في بيوتنا، ثم لم تنتهِ الحرب عندنا، فهربنا إليهم لنشرح لهم ماذا تُحدث الحرب في نفوس البشر من اضطراب، لكنهم نسوا. 

 أُخبر صديقي العالق في بيروت، أنه لدي الآن بريد. تخاطبني الحكومة الألمانية بجلالتها بشكل شخصي. يركض سعاة البريد في طول البلاد وعرضها. يبدو أن هذا المكان انقسم على ذاته في زمنين مختلفين، يسير كلّ واحد في اتجاه. تركض التكنولوجيا نحو العالم لتجعله أكثر هشاشة وانقسام، وتركض البيروقراطية في حياة الناس لتجعل من البلادة عادة يومية.

تستريح البيوت هنا كما تستريح النجوم فوق السماء، ويجري كل شيء لمستقر له. هنا يراقب الجالسون وراء مكاتبهم الحكومية يوميات القتل، كما تراقب الملائكة أعمالنا الشائنة، وتمهلنا إلى يوم نلجأ فيه إلى الله، كما نلجأ هنا إلى مكتب الأجانب، فنمسك كتبنا في أيدينا ونقول مرافعتنا عن أعمالنا الطيبة، عن نوايانا الطيبة، عن ذاكرتنا الطيبة، عن أحلامنا الطيبة، عن وداعة الإنسانية فينا وتهذيب أخلاقنا أمام القوانين العامة والخاصة. هنا ستفتي المحاكم في مسيرة حياتنا لتحيلنا إلى حياة النعيم، في سيل المراسلات الحكومية والأوراق والبحث عن الدعم الحكومي وإثبات حسن النوايا في الاندماج. 

أحمل مدينتي بين يدي، لتذكرني الندوب الغائرة في أنحاء جسدي بكل حوادث القتل التي وقعت أمام عيني، بالأرواح التي زهقت أمام فوهات البنادق. هل سأغيّر ملامح شكلي؟

لكن كيف يغير الناس أشكالهم ليكونوا أكثر قبولاً وأكثر اندماجاً. "كُن طيباً" وابتسم، وارفع الأنخاب أينما مُلئ كأسك، دع عنك الرعونة فلم يعد هنالك من معارك لتخوضها.  

كيف يستطيع البشر النسيان؟ يمشي الآلاف هنا وقد نسوا كل ذلك التاريخ الطويل من القتل المجنون. ذبحوا بعضهم البعض وحزوا أعناق أعدائهم، ثم جلسوا على طاولة وقالوا: انتهت الحرب، ثم نزلوا علينا من الشمال وأشعلوا الحرب في بيوتنا

هرب الناجون نحو النعيم، وها هم يرفلون الآن بكلِّ أنواع المحرمات كما وعدنا الله في جنته. أنهار من الموسيقى الصاخبة، أشجار من الرغبات وقصور من الهلوسات. دع عنك السياسة فتسجد لك الملائكة وتحملك على أجنحتها فوق سماء المدينة، حراً من الماضي، من الذكريات. هنا سيكون بمقدورنا تذكر أهل الجحيم، والحنين إليهم، ثم الحديث عنهم، ثم سيكون بمقدورنا أن نحمد المدن والمؤسسات والجمعيات والحكومات التي مدت لنا بصلة***، فرفسنا من خلفنا ليحترقوا بعذاباتهم. سنكون محميين باسم القانون، من القانون وإلى القانون، حيث يمسكك القانون من رقبتك، كما لو كنت قطاً أليفاً وادعاً لا تحلم بتغيير العالم، فوحدهم أهل الجحيم من يحلمون بتغييره. 

سيجعل منك القانون طيباً حتى السذاجة.

ها أنا في النعيم كما بُشرنا كعباد صالحين، لكن في المترو وفي البيوت الباردة ستجد السأم والإنهاك، ها هم سكان النعيم إذن، بائسون كما لو أنهم عاشوا دهراً طويلاً من الخلود. 

أغلّف قلبي مرة أخرى بالاحتراق، لعلّي أنجو من هذه الأبدية. سأبحث في هذا النعيم عن ملاذ، عن وردة بيضاء أزرعها في الفناء الخلفي لبيت صغير، حيث أطل من الشباك على مدننا التي احترقت، ثم أقول بهدوء: صباح الخير أيتها الحرية، مازال هنالك متسع للهروب وقليل من المقاومة. 

هوامش:

*اقتباس من عنوان افتتاحية فاوست لجوته 

**فاوست جوته

***الأخوين شول هانز وصوفي شول أعدما لفضح ممارسات النازية. من عظة البصلة في رواية الإخوة كارمازوف.  




* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard