الغربة كتطبيق على هاتف جوال

الاثنين 20 يناير 202001:57 م

أن تغترب يعني أن تسكن عتبة البيت، تطل على الحياة من نافذتين مشرعتين، أن تحتضن المسافة وأن ترى فيها توقاً إلى الوجود، لا بعداً منه أو نأياً عنه، وإنما أن تمد الذراعين بطول فراقه، مُنْية عناقه، جاعلاً منه، وعلى الدوام، بؤرة ناظرك وشاغل بالك وخاطرك.

بيد أن الغربة لطالما كانت حمالة أوجه عديدة ومعان كثيرة، يعود هذا إلى كونها في الجوهر والأساس، إحساس جوّاني خاص، ما يحتم عليها أن تستمد مفهومها من تجربة صاحبها الذاتية، طبيعته النفسية، خلفيته الفكرية وتجربته الشخصية، في إطار السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية.

على نحو أعمق، يبدو الإنترنت وقد خلق للتو أشكالاً أخرى من الغربة.

ظاهر الغربة حال طارئة، كحال الملايين من السوريين اليوم، نازحين ولاجئين، منهم من بات تحت خيمة رطبة قد لا تبعد الكثير في بعض الأحيان عما كان له فيه بيت وبئر وكرمة. منهم من رحل فحلّ في بلد جار قريب، ومنهم من ارتحل وصار في بلدٍ ناءٍ بعيد.

أما باطن الغربة فحال مستمرة دائمة، قائمة بتغريب المرء في وطنه وبين أهله بعامل القمع وفاعل الخوف، سياسياً كان أم اجتماعياً. أن يغرِّب الوطن واطِنه يعني أن يسلبه مواطنيته، فيمسي "أغرب الغرباء"، كما قال أبو حيّان التوحيدي. غربة السوري بذلك سابقة لتغريبته، ولعلها قد تكون مقدمة لها، هي غربة ثقافية، انكفاء إلى الماضي واحتماء بالدين والملّة والعشيرة، وغربة سياسية، تغييباً عن الشراكة في صناعة المستقبل.

غربة السوري بذلك سابقة لتغريبته، ولعلها قد تكون مقدمة لها، هي غربة ثقافية، انكفاء إلى الماضي واحتماء بالدين والملّة والعشيرة، وغربة سياسية، تغييباً عن الشراكة في صناعة المستقبل

راجت حال الغربة في "الوطن" وعنه منذ مجيء "الناصريّة" ثم حزب "البعث" إلى الشام بعقيدة العروبية من جهة السياسة، وقوانين التأميم والإصلاح الزراعي من جهة الاقتصاد. حرف مسار الوعي الجمعي الناشئ بعيد الاستقلال بعيداً عن الخارطة السورية، ليوجه نحو طوباوية المشروع الوحدوي العربي. نقلت ملكية وسائل الإنتاج وفُكَّكت البنى الاجتماعية التقليدية القائمة بها وعليها، لتعاد هندسة المجتمع فأمسى "من دون طبقات"، على حد تعبير الفيلسوفة حنة آرندت، في كتابها "أصول الشمولية"، الأمر الذي من شأنه أن جَمْهر الشعب، عصّب السلطة، شيّع الفساد وكرّس الاستبداد.

أصبحت الهوية موغلة في التجريد على صعيد الخطاب الرسمي، في حالة التباس دائم حول سوريّتها، وتناقض مضطرد إزاء عروبتها، بينما تعثر المشروع الوحدوي ومُني بسلاسل من الهزائم والانتكاسات، ناهيك عن غياب أوجه العدالة الاجتماعية والتقاعس عن إرساء أسس المواطنة. بات السوري إذن، مغرّباً في سورية "القطر"، مغرّباً عن سورية "الدولة"، تتجاذبه في الخفاء العصبيات العائلية والمحليات المناطقية.

انفجر الوطن وانشطر، فانتشر الواطِنون شظايا بشر حلّت بالمهجر في حال غربة جديدة وفي خضمّ كوكب سائل يعيد تشكيل ملامحه باستمرار.

انفجر الوطن وانشطر، فانتشر الواطِنون شظايا بشر حلّت بالمهجر في حال غربة جديدة وفي خضمّ كوكب سائل يعيد تشكيل ملامحه باستمرار. الغربة غربتان الآن، غربة السوري بظاهرها الحديث الطارئ وباطنها القديم الدائم، مضافاً إليها غربة العالم المعاصر، تلك التي رصدها المفكر كارل ماركس منذ قرن ونصف، بدايةً بتسليع العمل إبان تشييد المجمعات الإنتاجية الكبرى، الأمر الذي ترتب عليه من بعد ذلك تجريد الصانع من قيمة فردية استمدها فيما مضى من صنعته ومصنوعه، ليمسي رقماً في دفاتر السجلات، وأداة من بين عدة أدوات.

عالم الإنترنت عبَر بحال الغربة إلى أفاق لم تكن لتخطر ببال ماركس، أخذها في مسارات متشعبة غير معلومة الخواتم ولا محسوبة العواقب. في تطبيقاته الآنية البسيطة والأولية، سمح الإنترنت للسوريين في الشتات برفع الوطن المفقود على "غيمة"، حفظه لهم في حاسوب أو هاتف جوال، موفراً التفاعل المستمر والمفرط مع الراهن عبر تطبيقات المهاتفة والمراسلة، ومع الذاكرة من خلال استهلاك فيض المواد المرفوعة من مقاطع فيديو لمسلسلات وأغنيات تثير الحنين الجمعي، وتوحي كما لو أن الوطن صار في المهجر هو الآخر.

على نحو أعمق، يبدو الإنترنت وقد خلق للتو أشكالاً أخرى من الغربة، أعمّ وأشدّ إشكالاً: الغربة عن الواقع وعن الحقيقة. فلكي تلج الشبكة ينبغي عليك أن تعتزل العالم، مفارقاً اللحظة والزمن الحيّ، راكباً الشاشة بإبهامك وعينيك وسمّاعاتك في أذنيك، محلّقاً في أجواء واقع افتراضي، فرصة الاشتباك الآني مع نزلائه حول الأرض تشترط عليك أمرين: الوحدة والانفراد ببوّابة عليها اسم مستخدم، لعلّه اسمك، ولها كلمة مرور لا يحفظها غيرك. هي إذاً، بحسب الباحثة ماري آن فرانكس، "آنيّة مقترنة بواسطة"، تستحوذ عليك، تستأثر بك، تفصل وجودك عن سائر الموجودات، وتحولك من كيان عضوي إلى ذرة رقمية.

في مجتمع معاصر، غائر وغامر، قلق ومضطرب، كالرمال المتحركة، على حد تعبير المفكر زيغموند باومان، أمست الغربة هي الثقافة السائدة. وعليه، حريّ بالمرء الاغتراب عنها، سبيلاً إلى استعادة الواقع، واستدراك الحياة بإدراك الرؤية الواضحة الجلية

بوابة هي إذن، من الواحد إلى الكل. من المنفرد المنعزل، إلى المجتمع المتصل. إلا أنه ومع تسليع الإنترنت وتسييسه، تغرّب الكل عن الكل. بُني ما بات يعرف بـ"غرف الصدى"، تحشر بين جدرانها الافتراضية كل من اعتقد برأي مع من والاه، وتصد عنه كل من خالفه أفكاره ورؤاه. انهار "الوفاق المصنّع"، الذي سبق وأن تحدث عنه المفكر نعوم تشومسكي، وانحسرت الوسطية السياسية، وكلاهما من دعائم الديموقراطية الليبرالية. صارت الغربة ذاتية وجمعية، ومحض اغتراب عن الحقيقة الموضوعية.

في مجتمع معاصر، غائر وغامر، قلق ومضطرب، كالرمال المتحركة، على حد تعبير المفكر زيغموند باومان، أمست الغربة هي الثقافة السائدة. وعليه، حريّ بالمرء الاغتراب عنها، سبيلاً إلى استعادة الواقع، واستدراك الحياة بإدراك الرؤية الواضحة الجلية. اغتراب ليس عن العالم وإنما إليه، تصالحاً مع الغربة، نظراً إليها كفسحة فهم للآخرين، إيقاداً للعاطفة، إبراماً للصلة مع الأرض ومع الطبيعة.

لعل غربة السوري المضاعفة والمركبة هي قدره، بقدر ماهي فرصته السانحة لأن يتفكّر في ماض لم يعد حاضراً، وفي صمت لم يعد قادراً، وفي فسحة راحة لم تعد أبدية. كن إذاً مرتاحاً إلى وجودك "هنا"، حمّل غربتك على هاتفك الجوال، وليكن اغترابك اقترابك، فالصديق، كما قال أبو حيّان التوحيدي، آخر هو أنت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard