الانفصال عن سوريا… ماذا فعلت بي الغربة والعيش بين الكراسي؟

الاثنين 8 يونيو 202002:05 م

قالت إيزابيل الليندي مرة، إنها بدأت بالكتابة لأنها كادت ببساطة أن تنفجر، لم يكن لديها إلا هذا الخيار، إما أن تكتب أو تقع في اكتئاب مُهلك، عقب نزوحها من بلدها وتمضية ثلاث سنوات كلاجئة في فنزويلا. أشعر أني أكتب الآن للسبب نفسه: غربة، عزلة، وفوق هذا حجر صحي وتباعد اجتماعي، أكان ينقص المهاجر هذا الحجر والتباعد حقاً؟

في اتصال مع صديقة، شرحت لي خلال حديثنا معنى "التشتيل"، لأنها ابنة مزارع قضت وقتاً ليس بالقليل في الحقل لتساعد والدها في شتى الأعمال الزراعية، قالت لي مثلاً: عند زراعة الباذنجان، توزع الكثير من البذور في التربة، وعندما تبدأ النباتات بالنمو يقومون بـ"شلع" بعضها، لإتاحة المجال لغيرها بالنمو وأخذ المساحة الكافية من التراب، ثم يقومون بإعادة توزيع الأخرى، بحيث يكون لكل الشتلات الصغيرة فرصة ومكان للنمو برحابة. عملية "التشتيل" هذه قد تكون في غاية الصعوبة على بعض النباتات، وقد تقضي على بعضها الآخر. لم أجد تشبيهاً أدق من هذا لحالنا... شُلعنا شلعاً من سياقنا، وصرنا فجأة خارجه.

 أشعر أني أكتب الآن للسبب نفسه: غربة، عزلة، وفوق هذا حجر صحي وتباعد اجتماعي، أكان ينقص المهاجر هذا الحجر والتباعد حقاً؟

يكبر الإنسان ويتعلم قيمه وأفكاره في مجتمعه، يبني دفاعاته جيداً ويحاول تحقيق أهدافه وفقاً لقواعده، لذلك غالباً ما يكون لانتقالٍ عنيفٍ وحاد، كانتقالنا إلى مجتمعات الغرب، أثر مخاض مؤلم، أن تعيد اكتشاف ذاتك وتعريف هويتك، ضمن قوانين المجتمع الجديد وقيمه وأفكاره، شيء منهك، خصوصاً عندما تكون الهجرة قسرية، أي أنه لا خيار آخر لديك.

فجأة تطفو كل الصراعات التي نجحت بتجاهلها أو قمعها في مكانك البعيد على السطح، أو تبدأ باكتشاف صراعات جديدة لم تفكر فيها من قبل، لأنك كنت في سوريا في وضعية "القتال أو الهرب"، وغالباً لا تملك رفاهية "نكش" الصدمات النفسية ومعالجتها، ثم يكون لديك البعد المناسب عن الواقع المرّ وكل الوقت في العالم، في بيئة مقارنة جديدة وتحديات هائلة، لا أصدقاء فيها قريبون مكانياً ليخففوا عنك وطأة الوقت، تفكر وتطفو هذه الصدمات على السطح، وتبدأ المشوار الصعب في محاولة لفهم الماضي بطريقة جديدة.

أذكر جيداً شعوري خلال الأشهر الأولى التي قضيتها هنا في ألمانيا، والأسئلة التي شغلتني: لمَ كان عليّ القتال لأنال أبسط حقوقي كامرأة؟ ولمَ لمْ أحصل ببساطة على كل شيء كالنساء هنا؟! كانت هذه التساؤلات بداية لسلسلة لن تنتهي من المقارنات بين هنا وهناك، في محاولة للتصالح مع الواقع الجديد وخلق هوية جديدة.

للابتعاد أثر كبير في فهم الماضي وآثاره، لا أعتقد أنه بإمكانك ان تُكوِّن هذا الفهم بدون هذا الانفصال، كان علينا أن نخرج من سجن العنف في سوريا لنمتلك المقدرة على خلق صلح مع الماضي، أو ربما فقط لفهمه أكثر.

للابتعاد أثر كبير في فهم الماضي وآثاره، لا أعتقد أنه بإمكانك ان تُكوِّن هذا الفهم بدون هذا الانفصال، كان علينا أن نخرج من سجن العنف في سوريا لنمتلك المقدرة على خلق صلح مع الماضي، أو ربما فقط لفهمه أكثر

قال لي الكثير من الأصدقاء ما معناه إنهم لم يكونوا من قبل بهذه الهشاشة (التي هم عليها الآن في أوروبا)، ولم يغوصوا من قبل بهذا العمق في خبايا أنفسهم، هذا الغوص الذي يتطلب بالضرورة تربية جديدة، أي أن نعرف أن نكون أمهات وآباء داعمين لأنفسنا، الشيء الذي لم يحصل عليه الكثير من السوريين في عوائلهم، هذا هو الشر الذي لا بد منه، والذي قد لا يخرج منه بعضنا سليماً معافى.

يعيش المهاجرون بين الكراسي، وفق التشبيه الألماني، الذي يعني "لا هنا ولا هناك"، غير قادرين على تخيّل العيش مجدداً في بلادهم التي جاؤوا منها، ولا ينتمون حقاً لمجتمعهم الجديد. لا يبقى الانفصال الحاد، كما في سنوات الهجرة الأولى، بين رفض كامل للهوية القديمة أو نكوص كامل للماضي وتمجيده موجوداً، فالوقت كفيل بخلط المعسكرين معاً.

هل أندم على قدومي إلى ألمانيا؟ لا… ولكن هل أنصح الآخرين بذلك؟ لا أستطيع الإجابة بـ"نعم".

يتساءلون أيضاً: هل كانت هذه المعرفة كلها مُهمة؟ ألم نكن مرتاحي البال أكثر رغم الحرب والفقر والألم، هنا نحاول أن نخلق صلحاً بين الأمكنة ومع الأمكنة، ونحاول أيضاً إيجاد طرق للتعامل مع مشاعر الذنب، خصوصاً إذا كنا نحلم يوماً بالتغيير الاجتماعي في سوريا، ما الذي بإمكاننا فعله بعد أن تركنا كل ما آمنّا به وصرنا مفصولين تماماً عنه؟!

خمس سنوات كانت كافية لمواجهتي مع حقائق الحياة البشعة، اللاعدل، الألم الذي لا نستطيع تجنبه وزيادة المعرفة التي تجلب التعاسة، لم كان علينا أن نخوض هذا الطريق الصعب؟

من ناحيتي أصبحت عاطفية وانفعالية بشكل أكبر بكثير من قبل، وعانيت من الاكتئاب لفترات متقطعة، صرت فجأة على دراية بالأثر النفسي للعنف الذي تربينا عليه والذي تظهر تبعاته على النفس والجسد، معظم أصدقائي صاروا يعانون من أمراض نفسية جسمية، أمراض نفسية بحتة أو مشاكل سلوكية.

قررت أن أكون مع السوريين حتى العمق، وعملت ولا زلت أعمل مع الجهات التي تدعمهم. الفصل هنا يصير صعباً جداً، فمن جهة تريد أنت أن تساعدهم ومن جهة أخرى تحتاج بنفسك للمساعدة. إنك، وبهذه المواجهة المستمرة مع الحقائق المرة عن الحياة والسياسة، العدل والتربية والعنف بشكل يومي، تصبح مُنهكاً إن لم تستطع إيجاد وسيلة حماية وتأقلم صحية.

خمس سنوات كانت كافية لمواجهتي مع حقائق الحياة البشعة، اللاعدل، الألم الذي لا نستطيع تجنبه وزيادة المعرفة التي تجلب التعاسة، لم كان علينا أن نخوض هذا الطريق الصعب؟

في الغربة، لا شك أننا ننضج بشكل يصعب شرحه، لكننا أيضاً نعاني بالدرجة نفسها.

هل أندم على قدومي إلى ألمانيا؟ لا… ولكن هل أنصح الآخرين بذلك؟ لا أستطيع الإجابة بـ"نعم".

بالعودة إلى "التشتيل"، تقول صديقتي: "الشتلة ذات الجذور القوية الكبيرة تأخذ وقتاً كثيراً حتى تنمو في مكانها الجديد، وقد تذبل تماماً في المرحلة الأولى، حتى تنتعش وتعاود نموها".. أتساءل: هل مقدّر لنا أن نحيا؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard