"مزيج من اليأس وقصر النظر"... كيف يرى مجتمع الأعمال قرارات السعودية الأخيرة

السبت 20 فبراير 202102:08 م

يرى مسؤولون سعوديون أن الإنذار الأخير الذي أطلقته حكومة المملكة للشركات العالمية بنقل مقارّها الإقليمية إلى السعودية بحلول عام 2024، أو تفقد تعاقداتها الرسمية؛ سيكون له آثار إيجابية كبيرة على اقتصاد المملكة. لكنّ خبراء ومحللين يشيرون إلى مخاوف حقيقية لدى الشركات، قد تعمقها سياسة النقل القسري تلك. 

لعل أبرز هذه المخاوف - كما أوردها تقرير لوكالة بلومبرج الاقتصادية- هو التقلب السريع في السياسات السعودية، لاعتمادها بشكل أساسي على شخصية الحاكم الفرد، الذي يتمثل حالياً في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في ظل عدم وجود قوانين ثابتة تنظم بيئة العمل. وهذا ما يعني غياب الضمانات الكافية التي تطمئن الكيانات الاقتصادية العالمية للمغامرة بنقل أو تأسيس مقار ضخمة بملايين الدولارات في البلاد، خاصة أن ذلك سيعني في بعض الحالات التخلي عن مقارها الإقليمية في دول لا تقل أهمية عن السعودية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة.

 في 15 شباط/ فبراير، نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) عن مصدر مسؤول لم تسمه، أن "حكومة المملكة عازمة على إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة خارج المملكة، ابتداءً من الأول من كانون الثاني/ يناير عام 2024".

ولفتت إلى أن القرار ساعٍ إلى توفير الوظائف والحد من "التسرب الاقتصادي"، أي خروج الأموال والعملة الأجنبية من المملكة إلى خارجها للوفاء بالتعاقدات. كما يهدف القرار إلى رفع كفاءة الإنفاق وضمان تنفيذ المنتجات والخدمات الرئيسية التي تشتريها الأجهزة الحكومية المختلفة على أرض المملكة، وبمحتوى محلي مناسب". كذلك نبهت الوكالة السعودية الرسمية إلى تماشي الخطوة مع رغبة ولي العهد تحويل عاصمة المملكة، الرياض، إلى واحدة من أغنى عواصم العالم بحلول عام 2030.

ماذا يحمل قرار الرياض بإلزام الشركات العالمية تأسيس مقارّها الإقليمية في المملكة للاقتصاد السعودي؟ ولماذا قد يستحيل تنفيذه بشكله الحالي؟

 في غضون ذلك، رجّح محللون أن المملكة تهدف من القرار إلى الهيمنة على اقتصاد المنطقة، وليس فقط على سوق الاستثمارات الرائج في دبي، مركز الأعمال الرئيسي في الخليج، وذلك عبر سياسة تجنبها خسارة دورة رأس المال وتدفع إلى إبقائها داخل المملكة ضمن سياق تنويع الاقتصاد المعتمد في معظمه على النفط.

الخوف من "الحاكم الواحد"

 

لكن وكالة "بلومبيرغ" أبرزت في تقرير كيف أن الإنذار السعودي "جعل البعض يتخوف من الاستثمار هناك"، مضيفةً أن عوامل من قبيل: التكاليف الهائلة لتأسيس مقارّ، والتغييرات المفاجئة في السياسات الاقتصادية للبلاد، والأحكام القانونية التعسفية تدفع الشركات العالمية إلى تقييم المخاطر قبل أن تقدم على الانتقال إلى الرياض برغم المكافآت المحتملة أو المغريات التي وعد بها بن سلمان، الذي قد يتم عزله دولياً بعد قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن المعلن بوقف التعامل معه والاكتفاء بالتعامل مع الملك سلمان بن عبدالعزيز، الرأس القانوني للبلاد.

 أشارت الصحيفة كذلك إلى أن غياب التفاصيل التوضيحية في الإعلان عن القرار أوجد حالة من "عدم اليقين"، اعتبرها العديد من التنفيذيين الإقليميين للوكالة أنها تُعقِّد تعاملاتهم مع أكبر مُصدِّر للنفط في العالم.

وقالت الحكومة السعودية إن القرار "لن يؤثر على قدرة أي مستثمر في الدخول في الاقتصاد السعودي أو الاستمرار في التعامل مع القطاع الخاص"، متعهدةً إعلان الضوابط المتعلقة بسياستها الجديدة خلال عام 2021. لكن من دون السماح للشركات التي لم تختر السعودية موضعًا حاضنًا لمقارّها الإقليمية، بالتعامل مع الجهات الحكومية.

 ينظر بعض رجال الأعمال إلى المملكة باعتبار أنها "عملاق نائم يفيق من ثباته"، مع سوق استهلاكية تعادل ثلاثة أضعاف حجم السوق في الإمارات، علاوةً على مشاريع ضخمة مخططة بمئات المليارات من الدولارات.

 لكن أحد المديرين في شركة متعددة الجنسيات تتخذ من دبي مقراً رئيسياً، قال - مشترطاً عدم ذكر اسمه لحساسية القضية - إن الشركات العالمية تدرك أن المد السياسي قد يتحول بسرعة في السعودية، معتبراً أن عدم وجود ملاذ قانوني هناك يجعل الشركات العالمية عرضة للخطر، لأن معظم العقود تأتي عن طريق الدولة ويصعب تحصيل الأموال غير المدفوعة.

 ربما أكثر ما يخيف هذه الشركات ما حدث في حملة قيل إنها ضد الفساد عام 2017، حين احتُجز رجال أعمال بارزون في فندق الريتزكارلتون وأجبروا على دفع تسويات بمئات الملايين من الدولارات. وكذلك جريمة اغتيال خاشقجي التي أضرت بسمعة المملكة وولي العهد عالمياً.

 بعض القرارات الاقتصادية المفاجئة أيضاً تربك المشهد. ففي العام الماضي، رفعت الحكومة السعودية الضريبة على القيمة المضافة ثلاثة أضعاف، وعلقت العمل بنظام الإعانات الشهرية للموظفين. مثل هذا القرار يؤثر بشدة على حسابات الشركات.

 منافسة دبي

 في مؤتمر الاستثمار الرائد بالمملكة الشهر الماضي، أعلن توقيع 24 شركة عالمية اتفاقات مبدئية لنقل مقارها إلى الرياض. لكن المسؤولين السعوديين يشعرون بالإحباط من هذا العدد برغم ما أعلنته المملكة من مغريات للمستثمرين الأجانب. هم منزعجون بشكل خاص لاستقرار الاستشاريين والمديرين التنفيذيين العاملين في المشاريع السعودية بدبي.

 لكن وزير المالية السعودي محمد الجدعان أصر في حديث لرويترز على أن القرار "لا يتعلق بدبي أو أبو ظبي أو أي مدينة أخرى، إنه يتعلق بحق السعودية في أن يكون لديها نصيبها العادل من المقارّ الإقليمية".

"البعض يتخوف من الاستثمار هناك" بسبب السياسية المتقلبة، والتكاليف الهائلة، والأحكام القانونية التعسفية، وغياب لائحة واضحة تنظّم بيئة العمل.

 من جهته، عقّب المدير العام السابق للدائرة المالية في دبي، ناصر الشيخ، على القرار السعودي في سلسلة تغريدات عبر حسابه في تويتر. قال: "لا أرى أن السعودية بحاجة لقرار كهذا، لتعارضه مع مبدأ السوق الخليجي الموحد... خصوصاً أنها بمخططها التنموي الضخم ستكون تلقائياً لاعباً إقليمياً رئيسياً جاذباً للشركات والأفراد".

 وشدد على أن "التجارب العالمية والتاريخ أثبتا أن الجذب القسري غير مستدام. والأجدى هو الارتقاء بالبيئة".

 ورفض الشيخ التكهنات بأن القرار السعودي سيثير "حرباً تجارية" في المنطقة لا سيما بين الرياض ودبي، لافتاً إلى أن "المنافسة جميلة ومحفزة للجميع لإظهار أفضل ما لديهم، لكني أتحسس كخليجي من الإجراءات الحمائية التي هي حق سيادي لكل دولة، لكن ما يتبعها قد يقوض مكتسبات السوق الخليجية المشتركة".

 وأكد رجل أعمال من دبي لبلومبيرغ أن المدينة الإماراتية يجب ألا تستهين بالمغريات السعودية لجذب الشركات إليها. ويبدو أن الإمارات تأخذ التحدي على محمل الجد. يتضح هذا من الإصلاحات الحديثة التي أجرتها الإمارات لجذب مزيد من الأجانب، لا سيما تخفيف القيود على مشاركة غير المتزوجين في السكن.

 على الجانب الآخر، يدرك المسؤولون السعوديون حجم التحدي كذلك، وهم يدخلون تغييرات تشمل النظام القضائي، وهناك شائعات حول إمكانية تخفيف الحظر الطويل الأمد على تناول الكحول.

 وفي مقابلة سابقة، صرّح فهد الرشيد، رئيس الهيئة الملكية لمدينة الرياض: "نحن بحاجة أيضاً إلى خلق بيئة معيشية رائعة لهؤلاء الوافدين. لذلك يجب أن يكون زوجك قادراً على العمل. يحتاج أطفالك إلى الحصول على أفضل المدارس الدولية وهذا شيء لدينا، ونعمل على تطويره".

 انفتاح من أجل الاقتصاد؟

ويرى رايان بوهل، محلل شؤون الشرق الأوسط في شركة "ستراتفور ورلد فيو" أن الإنذار السعودي الأخير هو "مزيج من اليأس ومحدودية بعد النظر"، مشدداً على أنه "سيكون من الصعب إقناع الشركات المتعددة الجنسيات والشركات العملاقة في المنطقة بالانحياز إلى جانب واحد".

 في ما يتصل بالصعوبات التي تعرقل سريان هذه السياسة، توقع رايان بوهل أن الرياض ستضع استثناءات وتجد طرقاً للشركات للعمل بالتوازي فيها وفي دبي، فيما استبعد زياد داوود، المحلل الاقتصادي في بلومبيرغ، تطبيق القرار السعودي بحذافيره، متوقعاً حدوث الكثير من "التنازلات والإعفاءات".

 في الوقت نفسه، تفكر الشركات العالمية المتعاقدة مع الحكومة السعودية في حلول بديلة للإبقاء على وجودها في السوق المحلي. من هذه الحلول قد يكون تسمية مركز ثانٍ للشرق الأوسط في الرياض، أو مطالبة الشركاء السعوديين المحليين بإنشاء مقارّ تحت اسم الشركة الأم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard