الأمل في "نيوم"... هل نشهد أول كنيسة سعودية قبل 2030؟

MAIN_Saudi-Church

الخميس 11 فبراير 202103:04 م

حظرت السعودية بناء الكنائس، منذ نشأة الدولة الثانية في 1891، وجاء الإعلان الرسمي المسجل في عام 2013، على لسان وزير العدل السعودي محمد العيسى، خلال لقائه ببرلمانيين أوروبيين في بروكسل في 23 نيسان/إبريل 2013 إن بلاده لن تسمح بإقامة دور عبادة لغير المسلمين على أراضيها.

بحسب تقرير نشره الصحافي البريطاني بيل بوستوك، في موقع "إنسايدر Insider" الأمريكي، فإن 1.4 مليون مسيحي في المملكة يصلون سراً، لكن السلطات تشير إلى احتمالية حدوث مزيد من الانفتاح، استكمالاً للخط الذي بدأته السعودية مع صعود ولي العهد الحالي محمد بن سلمان.

ينتظر رجال دين غربيين إقامة كنيسة في السعودية منذ عدة سنوات، ويُظهِرون تفاؤلاً باحتمالية بنائها في مدينة نيوم، لكن يشيرون إلى وجود عقبات منها الرفض الداخلي، ومع ذلك يشير تقرير "إنسايدر" إلى تأكيدات أمراء سعوديون أن الأجهزة الأمنية يمكنها كبح أي اعتراض.

في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2019، تجمع 25 مسيحياً أمريكياً أسفل جبل اللوز، وهو جبل في مدينة تبوك شمال غرب السعودية. وأخذ زعيمهم، المؤلف والواعظ الإنجيلي جويل ريتشاردسون، كتاباً مقدساً كان قد أحضره من منزله في كانساس، وبدأ في القراءة بصوت عالٍ. بعد فترة وجيزة من بدء القراءة، بدأ هو وجماعته في أداء الترانيم، بينما شرع المرشدين السياحيين السعوديين المعينين بسحب هواتفهم الذكية وبدأوا في التصوير.

كان ريتشاردسون يقود أول جولة مسيحية مسجلة على الإطلاق إلى السعودية، موطن الإسلام، حيث تُحظَر الممارسة العلنية لأي دين آخر. ومع ذلك، فوجئ الواعظ عندما رن هاتفه في ذلك المساء برسالة من وزارة خارجية بلاده مكتوب فيها: "كن حذراً".

لا يزال ريتشاردسون مرتبك حتى يومنا هذا، إذ قال في مقابلة حديثة: "أعتقد أن بعض مقاطع الفيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي السعودية أو شيء من هذا القبيل".

إنجيليو ترامب مارسوا الضغط وعقدوا لقاءات مع ولي العهد السعودي لبناء أول كنيسة في "جزيرة العرب" الرسولية

المشهد في جبل اللوز، الذي يعتقد بعض المسيحيين أنه الموقع الحقيقي لـ"جبل سيناء" حيث كلم الله موسى، يوضح التغيير الاجتماعي السريع الجاري في السعودية.

في العقد الماضي، عوقب أولئك الذين تم القبض عليهم وهم يمارسون عبادة غير الاسلام، اعتقلوا أو سُجِنوا أو رُحِّلوا. وكان مشهد المسيحيين وهم يلوحون بالكتاب المقدس ويغنون الترانيم في وضح النهار يثير غضب العديد من المسلمين المتدينين.

في عام 2014، رحَّلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 12 مسيحياً إثيوبياً تم ضبطهم وهم يؤدون الصلاة في الدمام، وداهمت منزلاً بعد أن علمت أنه يُستخدم في إقامة قداديس كنسية. وأفادت هيومن رايتس ووتش أنه في عام 2011، تم اعتقال 35 مسيحياً في تجمع خاص في جدة، مضيفة أن 29 امرأة من المعتقلين "تعرضن لتفتيش جسدي تعسفي".

تغيير بطيء

قام ولي عهد السعودي، محمد بن سلمان، بقيادة عدد من الإصلاحات الاجتماعية والحقوقية في بلاده منذ توليه السلطة عام 2017، ومع ذلك، فإن التقدم في مجال الحرية الدينية يحدث ببطء، مما يشكل عقبة أمام ولي العهدالذي يريد أن يعكس أمام العالم وجهاً مدنياً تكتسي به المملكة على يديه.

مع صعود ولي العهد، غضت المملكة الطرف بشكل متزايد عن ممارسة غير المسلمين عقائدهم بشكل غير منظم "بعيداً عن بناء المعابد وإقامة القداديس العلنية"، وذلك بتحييد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 2016، لكن أكدوا في نفس الوقت أن التبشير الكتابي بين المسلمين أمر غير مقبول.

تجدد الأمل مع إصلاحات بن سلمان. فهل يمضي ولي العهد في إتاحة المزيد من الحريات لصالح سكان المملكة من غير المسلمين؟

وطالبت حكومة الولايات المتحدة، منذ سنوات، السعودية بإنهاء الحظر المفروض على الكنائس، من دون نجاح يذكر.

قالت نينا شيه، وهي محامية أمريكية ومدافعة دولية عن حقوق من يدينون بالعقيدة المسيحية لـ"إنسايدر": "لقد ذهبت إلى هناك وتحدثت إلى كبار القادة حول فتح كنيسة، وردوا بأن: "السعودية مختلفة، وهي أرض الحرمين والأقدس في الإسلام، وبالتالي لا يمكن بناء كنيسة".

بينما علَّق ديفيد رونديل، رئيس البعثة الأمريكية في سفارة الولايات المتحدة في الرياض سابقاً: "تحدثنا عن هذه الأمر مع السعوديين في مناسبات عديدة". ولم تنقل عنه "إنسايدر" معلومات حول الاستجابة السعودية للمطالب الأمريكية.

ومنذ صعود محمد بن سلمان، تولت مجموعة من الإنجيليين ذوي الوزن الثقيل في الولايات المتحدة زمام الضغط. في تشرين الأول/أكتوبر 2018، وافق جويل روزنبرغ، أحد الكتّاب الإنجيليين البارزين في أمريكا، على دعوة من الأمير لمقابلته في الرياض. ومع روزنبرغ، جاء القس جوني مور، المستشار الديني للرئيس دونالد ترامب، وإنجيليون آخرون ممن تمتعوا بعلاقات قوية مع إدارة الرئيس ترامب وكبار مستشاريه.

بحسب إنسايدر، كانت هذه المرة الأولى التي تدخل مجموعة من الإنجيليين الأمريكيين إلى البلاط الملكي السعودي منذ 300 عام. وفي اجتماع غير رسمي استمر ساعتين، ناقش محمد بن سلمان "كل قضية مثيرة للجدل تقريباً"، كما كتب روزنبرغ لاحقاً على موقع شبكة "Fox News". وأقر محمد بن سلمان خلال اللقاء نفسه بأن النبي "عاش بسلام بين اليهود والرهبان المسيحيين"، حسبما نقل أحد الحضور.

وكان من المقرر أن يزور الوفد محمد بن سلمان مرة أخرى عام 2020، لكن الوباء وضع حدًا لهذه الخطط، حسبما قال ممثل عن روزنبرج لـ"إنسايدر"، مضيفًا أن رحلة 2021 قد تُلغَى لنفس السبب.

الأهم أن روزنبرغ قال إنه سأل بن سلمان: متى سيسمح ببناء كنيسة؟ فأجاب ولي العهد: "ليس الآن". وأخبر روزنبرغ قناة i24 News الإسرائيلية أن الأمير تخوَّف أن "بناء الكنيسة سيكون هدية لتنظيم القاعدة"، في إشارة إلى أن الجماعة الإرهابية كثيراً ما تستهدف المسيحيين والكنائس.

خادم الحرمين

في مخيلة السعوديين، فإن ولي العهد الأمير محمد ووالده الملك سلمان مكلَّفان أن يدافعا عن الإسلام. وإمكان إنشاء كنيسة على أرضهم يخالف قولاً منسوبًا إلى النبي محمد عليه السلام، يفيد بأن: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"، وإن جادل بعض رجال الدين بأن الحديث ينطبق فقط على مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة. ووفقًا لروزنبرغ، أخبر بن سلمان الإنجيليين المجتمعين معه في 2018 أنه "طلب من علمائه"، تعريف "جزيرة العرب" الواردة في الحديث المنسوب إلى النبي.

عاد روزنبرغ ومجموعته إلى السعودية عام 2019، ولمسوا وجود أدلة على أن التغيير يجري على قدم وساق. وتم إطلاع الوفد على الوجود التاريخي للكنائس في شبه الجزيرة. وقال مستشار ترامب السابق لـ"إنسايدر": "إنه أمر مهم للغاية إجراء محادثات مفتوحة حول الأدلة الأثرية للكنائس التي كانت موجودة في زمن النبي".

 رجال دين سعوديون تلقوا "طلباً" من ولي العهد بمراجعة حديث نبوي، استندوا إليه عقوداً لمنع إقامة كنائس في المملكة 

على الرغم من العقبات التي تمثلت في إلغاء الزيارة الأخيرة، فقد واصل الإنجيليون المقربون من ترامب الضغط على المسؤولين السعوديين، فيما استمر المسؤولون السعوديون في إبداء استعدادهم للاستجابة. في 28 أيلول/سبتمبر 2020، سافر روزنبرغ وسبعة إنجيليين آخرين شاركوا في زيارات 2018 و2019 إلى السعودية، لتناول العشاء في منزل السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة ريما بنت بندر.

كنيسة في نيوم

على الرغم من أن الجهود المبذولة لتأمين كنيسة في المملكة العربية السعودية تبدو غير مثمرة حتى الآن، لكن يقول الخبراء إنها مسألة وقت فحسب.

قال الأمير عبد الله بن خالد آل سعود، الأكاديمي السعودي ، لـ"إنسايدر": "بالتأكيد، أعتقد أن الأمر قادم، خاصة في الحي الدبلوماسي بالرياض أو نيوم".

وتُظهر الكتيبات الترويجية التي اطَّلعت عليها "إنسايدر" أن نيوم ستضم فئات متنوعة من السكان، ومزيجاً من عدة بلدان وأديان وخلفيات، مع وجود قانون تقدمي يجاري المعايير الدولية. وقال علي الشهابي، عضو المجلس الاستشاري لنيوم: "لقد تم التعرض لهذه القضية"، مضيفًا أن الكنيسة كانت "بالتأكيد على قائمة أهداف القيادة". وقال ديفيد رونديل لـ"إنسايدر": "إن نيوم هي موقع مناسب للكنيسة الأولى، بسبب الطبيعة الفريدة للنظام القانوني المتوقع سريانه في المدينة الاستثمارية العابرة للحدود. ومع ذلك، يعتقد البعض الآخر أن إقامة كنيسة في نيوم سيكون بلا معنى".

منهم المحلل السعودي علي الأحمد الذي قال لـ"إنسايدر": "ستكون حيلة علاقات عامة. أنت بحاجة إلى مكان يعيش فيه معظم المسيحيين في المدن الكبرى، جدة أو الرياض". وذكرت شيه، المفوضة الأمريكية السابقة للحرية الدينية، أن معظم المسيحيين الذين يعيشون في تلك المدن لن يجدوا فائدة تذكر لكنيسة تقع على بعد مئات الأميال، لكن "سيكون من المفيد أن يكون لديك رمز للتسامح". ولفت الشهابي إلى أن الحي الدبلوماسي في الرياض هو مكان آخر محتمل، قائلاً: "هذا يسمح بوجود مبرر وستكون تحت الغطاء الدبلوماسي، وذلك للاستهلاك العام".

أكاديميون ودبلوماسيون: قد تُبنى كنيسة في نيوم كـ"حيلة ترويجية" بلا فائدة حقيقية للمسيحيين في المملكة

بالنسبة للقادة الدينيين، مثل الأسقف الكاثوليكي بول هنتر الذي عيّنه البابا فرانسيس في أيار/مايو الماضي مسؤولًا رسوليًا للنيابة الشمالية للجزيرة العربية، من المهم أن يكون لرعاياه في السعودية كنيسة يمكنهم الوصول إليها. وقال لـ"إنسايدر": "أتمنى أن تكون مثل هذه الكنائس أو أماكن العبادة في مكان يعيش فيه العمال والموظفون الوافدون".

انتشرت الشائعات بأن القادة المسيحيين من مختلف الطوائف قد تفاوضوا مع السعوديين لبناء كنائس على مدى عقود، أي قبل فترة طويلة من صعود محمد بن سلمان.

في عام 2008، قال رئيس الأساقفة الكاثوليكي بولس منجد الهاشم لصحيفة الغارديان البريطانية إن "المناقشات جارية" حول بناء كنيسة. وعام 1973، أجاز البابا بولس السادس بناء أول مسجد ممول سعوديًا في روما، معتقدًا أن الرياض ستقبل بناء كنيسة على أراضيها". وقال رونديل: "لقد كانت قضية مهمة للغاية خلال إدارة بوش، لأن لديهم جمهوراً محليًا قويًا بين المحافظين الدينيين"، مضيفًا أن القضية مهمة أيضًا لإدارة ترامب، لكن ستكون أقل أهمية للرئيس جو بايدن.

على عكس سلفه، وعد بايدن بمحاسبة السعودية على أفعالها، وتعهد خلال حملته الانتخابية جعل المملكة "منبوذة"، والتقى البطريرك الماروني اللبناني بشارة بطرس الراعي، والأنبا القبطي مرقس، والكاردينال الكاثوليكي جان لوي بيير توران، ورئيس أساقفة كانتربري جاستين ويلبي.

وقال الأسقف بول هيندر، الذي زار السعودية سنوياً من 2004 إلى 2011، بصفته مبعوثًا كاثوليكيًا في المنطقة لـ"إنسايدر": "كان من المستحيل تقريباً الاتصال بالسلطات المدنية والدينية" في ذلك الوقت، لكن المملكة تظهِر الآن استعداداً للتغيير، برغم أن الواقع بالنسبة للمسيحيين لا يزال "بعيداً عن كونه "طبيعيًا".

قلق الحاكم

يتوقع أمراء سعوديون تحدث إليهم موقع "إنسايدر" في تقريره أن تلقى تحركات ولي العهد لتدشين كنيسة في المملكة – حتى وإن كانت في مدينة نيوم- معارضة حقيقية على المستوى الشعبي. وتوقع الأمير عبد الله بن خالد آل سعود، أن يتراجع المعارضون بسبب القبضة الأمنية في المملكة، يقول: "هل ستكون هناك مقاومة؟ أعتقد بالتأكيد أنه سيكون هناك". "لكن هل سيكون هناك رد فعل عنيف؟ أشك في ذلك بسبب كفاءة وقوة الأجهزة الأمنية في المملكة".

أحد المعارضين لبناء الكنائس بالسعودية هو رجل الدين السعودي الشيخ عاصم الحكيم، قال على قناته على موقع "يوتيوب"، "هل يوجد أي مساجد في الفاتيكان؟ لا. وبالمثل، لن نسمح بإنشاء كنائس".

الجولات المسيحية

في الوقت عينه، يزداد الإقبال على "الجولات المسيحية" إلى السعودية، منها جولات ريتشاردسون التي قام بها عام 2019. ومن المقرر أن تقوم شركة "Living Passages" وهي شركة سياحة مسيحية رائدة بتنظيم أربع رحلات عام 2021.

وقال ريان ماورو، أحد الذين يقودون الجولات المسيحية إلى السعودية: "قد يكون هذا أحد أفضل المواقع السياحية المسيحية في العالم، خاصة في الشمال الغربي حيث يحاولون تطوير مشروع نيوم".

يستنتج "إنسايدر" في تقريره أنه "من المؤكد أن هناك كنيسة قادمة إلى السعودية"، لكن الجدول الزمني غير واضح، حتى روزنبرغ، الذي أمضى ساعات في الضغط على محمد بن سلمان بشأن الحرية الدينية، متفائل، وكتب بعد زيارته للسعودية عام 2019: "خطة ولي العهد هي رؤية 2030، وليست رؤية 2020"، في إشارة إلى أن هناك وقتًا. وقال الأسقف هيندر: "سأكون سعيدًا في اليوم الذي سيكون لدى مئات الآلاف من الكاثوليك الذين يعيشون في السعودية كنائسهم وإمكان التجمع والصلاة بحرية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard