بعد ثلاث سنوات… ما حدث في "الريتز كارلتون" يتكشّف

الخميس 19 نوفمبر 202005:29 م

عقب مرور ثلاث سنوات على ما وصف بأنه "حملة ضد الفساد"، تحدث عدد من محتجزي فندق "ريتز كارلتون" بالسعودية عما تعرضوا له من "تعذيب وترهيب وابتزاز"، من قبل مقربين من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2017، اعتُقل 400 من أقوى الشخصيات في السعودية، بما في ذلك أمراء وكبار رجال الأعمال والوزراء، في فندق ريتز كارلتون، في ما أصبح أكبر عملية تطهير وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ المملكة الحديث.

هزت الاعتقالات أسس المجتمع السعودي، وتحولت معها شخصيات مؤسسية لم يكن ممكناً المساس بها إلى أهداف للاعتقال. كما تم التخلص من رموز، والاستيلاء على أصول، وانقلاب الإمبراطوريات التجارية، عقب تمزق الاتفاق التقليدي بين الدولة والنخبة المؤثرة بين عشية وضحاها.

بعد مرور هذه الفترة، ذكرت شخصيات بارزة ممن قُبض عليهم في الحملة لصحيفة "الغارديان" البريطانية عن تفاصيل ما قالوا إنهم تعرضوا له خلال الاحتجاز.

صوّر المعتقلون السابقون، وكثير منهم جردوا من ثرواتهم، "مشهد التعذيب والإكراه"، مبرزين أن مستشاري الديوان الملكي قادوا محاولات فوضوية لفهم الاستثمارات وراء ثروة أكثر العائلات نفوذاً في المملكة، ثم الاستيلاء على ما أمكنهم تحديده منها.

لفتت الصحيفة إلى أن روايات ما حدث في فندق الريتز جرى تقديمها عبر وسيط، بعدما سردها بعض كبار رجال الأعمال السعوديين، الذين اعتقلوا في الحملة وزعموا أنهم تعرضوا "للضرب والترهيب" من قبل ضباط الأمن، تحت إشراف وزيرين مقربين من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

"ليلة الضرب"... بعض كبار رجال الأعمال الذين احتجزوا في "ريتز كارلتون" يروون ما تعرضوا له من "تعذيب وترهيب" للتخلي عن ثرواتهم، علاوةً على التهديد بفضح "معلومات خاصة مثل العلاقات خارج إطار الزواج"

كيف بدأت الاعتقالات؟

بحسب الرواية التي قدمتها مصادر "الغارديان"، يرجح أن اعتقالات "ريتز كارلتون" بدأت بمكالمة هاتفية تخللها استدعاء الأهداف للقاء ولي العهد الأمير محمد، أو حتى الملك سلمان نفسه. في حالة أخرى، قال رجلا أعمال بارزان إنهما طُلبا لأجل اجتماع في منزل وقيل لهما أن ينتظرا انضمام مستشار من الديوان الملكي إليهما. بدلاً من ذلك، ظهر مسؤولو أمن الدولة ونقلوهما إلى السجن "فئة الخمس نجوم"، حيث كان الحراس وكبار المساعدين بالانتظار.

مصدر مطلع على ما حدث، روى للصحيفة: "في الليلة الأولى، كان الجميع معصوبي العيون وتعرض الجميع تقريباً لما تسميه المخابرات المصرية ‘ليلة الضرب‘"، مضيفاً: "سُئل الناس عما إذا كانوا يعرفون سبب وجودهم هناك. لم يكن أي منهم يعرف. ضُربت غالبيتهم، بعضهم بشكل مبرح. كان هناك أشخاص مقيدين إلى الجدران في أوضاع مجهدة. استمر ذلك ساعات وكان كل من يشارك في التعذيب من السعوديين".

"كان غرض ذلك تليينهم. ثم في اليوم التالي، وصل المحققون"، أضاف المصدر نفسه.

بعد ذلك، فُصل المعتقلون ووزعوا على غرف الفندق الذي كان قبل أسابيع عدة مقراً لإطلاق خطة الأمير محمد الطموحة "رؤية 2030"، والتي يقال إن هدفها الإصلاح الشامل للمجتمع السعودي.

"في الليلة الأولى، كان الجميع معصوبي العيون… سُئل الناس عما إذا كانوا يعرفون سبب وجودهم هناك. لم يكن أي منهم يعرف. ضُربوا، بعضهم بشكل مبرح، وآخرون قُيّدوا إلى الجدران في أوضاع مجهدة واستمرّ ذلك ساعات. كل من شاركوا في التعذيب كانوا سعوديين"

في ما خص المحققين، قال مصدر: "هناك اعتقاد خاطئ بأنهم اكتشفوا كل شيء (عن ثروات المعتقلين) مع صفحات من البيانات والمعلومات. لم يفعلوا. في الواقع، كانوا يعرفون القليل جداً"، موضحاً أنهم استطاعوا الوصول إلى الأصول داخل السعودية، بينما عجزوا عن اكتشاف الخارجية.

تهديد بفضح "معلومات خاصة"

في غضون ذلك، تحدث بعض المعتقلين عن تعرضهم للتهديد بفضح معلومات خاصة، بما في ذلك العلاقات خارج نطاق الزواج، أو التعاملات التجارية التي لم تكن لتنال الموافقة حتى في ظل النظام القديم.

تشدد "الغارديان" على أنه لم يُسرّب أي شيء، وإن أقرت أن التفاصيل القليلة التي ظهرت قد أعطت أهمية للاستدعاءات، مشيرةً إلى تلقي إبراهيم وردة، الأستاذ المساعد في التمويل الدولي في كلية فليتشر للقانون بجامعة تافتس، في الولايات المتحدة، منذ منتصف عام 2017 طلبات من طلاب سابقين يسألون عن السعوديين البارزين الذين تناول أعمالهم في دورة دراسية، وتوالت الاستفسارات بشأن من تورطوا في الخدع المالية. استنتج وردة أن هؤلاء المستفسرين كانوا "يعدون تقارير للشركات التي تعمل لمصلحة السعوديين في الوطن".

فاجأ عدم فهم الهياكل الاستثمارية بعض رجال الأعمال الذين جرى استجوابهم. أوضح المصدر المطلع أنهم "كانوا يخمنون صافي ثروة الناس"، متابعاً "لقد كان تحقيقاً ارتجالياً. في مرحلة ما، سمحوا للأشخاص بالوصول إلى رسائل البريد الإلكتروني والهواتف الخاصة بهم وطلبوا منهم الاتصال بمديري العلاقات (المصرفية) في جنيف وطلب مبالغ كبيرة من المال. تم إخبار المتصلين بأنه لا يوجد رصيد في الحسابات. اعتقد المحققون أن جميع الأصول كانت نقدية".

"كان تحقيقاً ارتجالياً"... مصادر توضح أن الأشخاص الذي حققوا مع معتقلي "ريتز كارلتون" لم يكونوا على وعي بهياكل الاستثمار و"كانوا يخمنون صافي ثروة الناس" وظنوا أن "جميع الأصول نقدية" وتعرفوا في النهاية على "القليل جداً" من ثروات المحتجزين

عن ذلك، قال مصدر مصرفي كبير، رفض الكشف عن اسمه  لـ"الغارديان" إن المديرين التنفيذيين في القطاع المصرفي السويسري بدأوا تحقيقاً عقب المعاملات غير النظامية في وقت هذه الحملة.

وأضاف: "يبدو أن الكثير من عمليات النقل هذه جرت تحت الإكراه. تم إيقاف البعض لأن الطلبات لم تكن روتينية. لكن البعض مرّ".

في غضون ذلك، عبّر العديد من المحتجزين لمساعديهم عن حيرتهم لاستمرار احتجازهم في الفندق الشهير. كان بعض الموقوفين من المقربين للنظام الملكي السعودي على مدى أجيال، واستفاد من إمكانية الوصول إلى الملوك والأمراء.

ونبّه المصدر المطلع: "في كثير من الأحيان لم يكن لدى المحققين أية فكرة عما كانوا يبحثون عنه، فتحول الأمر إلى ابتزاز صريح في بعض الأحيان، لأن ثمة معتقلين رفضوا التوقيع على أي شيء. لم تكن هناك إجراءات قانونية واجبة. لا يوجد شيء من هذا القبيل في نظام العدالة السعودي بصفقة ادعاء، لكن هذا ما كانوا يحاولون فرضه".

بعد مرور هذه السنوات، لا يزال الأمير محمد يصر على أن كل من جردوا من ثروتهم كانوا مدانين بالفساد، فيما يقول المسؤولون السعوديون إن ما يصل إلى 107 مليارات دولار تم استردادها من 87 شخصاً وإعادتها إلى الخزانة السعودية. لكن المصادر التي تحدثت إلى "الغارديان" تصر على أن الرقم الذي جرى الاستيلاء عليه بلغ نحو 28 مليار دولار، وتلفت إلى أن هذا "التطهير" جاء على حساب خرق الثقة بين النظام الملكي ومجتمع الأعمال السعودي.

وأشار وردة: "كان الأمر يتعلق بترسيخ حكمه بشكل واضح وبسيط. جاء ذلك قبل فظاعة (مقتل الصحافي المعارض جمال) خاشقجي، وحقيقة أنه أفلت من العقاب أتاح له القيام بالأمر الآخر. نفس الحراس المتورطين في الريتز متورطون في القتل. لن يكون التاريخ لطيفاً مع محمد بن سلمان في أي منهما".

وختم: "عادةً تكون مبادرات مكافحة الفساد ذات دوافع سياسية... كانت هذه حالة واضحة لتقاطع المال والسياسة في العالم الإسلامي".

يأتي الكشف عن تفاصيل ما جرى في "ريتز كارلتون" قبيل قمة مجموعة العشرين المقرر أن تستضيفها الرياض افتراضياً في نهاية هذا الأسبوع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard