اللقاح في فلسطين عالق بين فساد السلطتين والاحتلال الإسرائيلي

الجمعة 19 فبراير 202106:00 م
Read in English:

Covid Vaccination in Palestine: Stuck Between a Rock and a Hard Place

بعد مرحلة انتشار الوباء، نعيش حالياً مرحلة التلقيح وهي مرحلة اختبار آخر للدول الفاشلة أو المتعثرة كحال تجربة الحكم الذاتي في فلسطين والانقسام الدموي في اليمن.

"درج" و"رصيف22" قررا إنجاز عمل صحفي مشترك يتناول ظاهرة استعصاء اللقاح في كل من فلسطين واليمن في ضوء ما تعانيه كل منهما من انقسام في الإدارة ومن تعثر وفساد في أجهزتهما السياسية والصحية.

هنا الجزء الأول من هذا العمل ويتناول الحالة الفلسطينية، في ظل فساد السلطتين والاحتلال الإسرائيلي.


فيما انتهت إسرائيل بتلقيح أكثر من ربع مواطنيها ضدّ فايروس "كورونا" (وقد تلقّوا الجرعة الثانية من لقاح فايزر)، وبسرعة قياسيّة، نرى كيف أنّها تطبّق مسؤوليّتها كدولة احتلال على الأرض من طريق إدخال اللقاحات إلى الضفّة الغربيّة بالقطّارة من جهة، وعدم الموافقة على وصولها إلى غزّة من جهة أخرى، ذلك حتّى اللحظة التي أُعلن فيها أن وزير الجيش الإسرائيلي بني غانتس، يوم الأحد 14 شباط/ فبراير، وافق على طلب مسؤولين في السلطة نقل اللقاح إلى غزة. وبالفعل، وصل الأربعاء 17 شباط/ فبراير العدد "المضحك" من اللقاحات وهي 1000 جرعة لتطعيم الطواقم الطبيّة من لقاح سبوتنيك الروسي إلى غزة، والذي تبرّعت به روسيا للسلطة الفلسطينيّة.

تصل هذه الشحنة بعد تصريحات من دولة الاحتلال قالت فيها بوضوح إنّها ستُدخل اللقاح خوفاً من تصعيد أمنيّ من غزّة. على الجانب الآخر، أعلن القيادي محمد دحلان يوم الخميس 18 شباط/ فبراير عبر صفحته في فيسبوك بأنّ 20 ألف جرعة من اللقاح الروسي في طريقها إلى غزّة كمنحة من دولة الإمارات. وقد وصلت الشحنة، حسبما وصل معدّو التقرير، إلى مصر، قبل إدخالها إلى القطاع. من جهتها، أعلنت السلطة الفلسطينيّة في الضفّة عن بدء التطعيم، لكن من دون خطّة واضحة، وسط خوف شعبيّ من سيطرة المحسوبيّات والوساطات على المشهد.

حتى اللحظة، سجّلت فلسطين ما يزيد عن 188 ألف حالة مصابة بفايروس "كورونا" وأكثر من 2000 حالة وفاة، ربعها في غزّة وحدها. ترتفع الأعداد في لحظة فلسطينيّة حاسمة؛ فمن ناحية يواجه فيها الفلسطينيّون أسئلةً جمّة حول دخول اللقاح إليهم وضمان جودته ونزاهة مسؤوليهم، ويستعدّون للانتخابات القريبة من ناحية أخرى. انتخابات تجيء وسط حالة تردّ سياسيّ عميقة وانقسام لا يبدو أنّه سينتهي في المدى القريب. فحتّى الحوار الذي أجري بين الفصائل الفلسطينيّة في القاهرة يوم التاسع من شباط/فبراير، أثار تندّر الفلسطينيين وتفكّكههم، كون الفصائل اتفقت فيه على إجراء الانتخابات وتأجيل الملفات الكبيرة كالانقسام. فكيف تؤثّر هذه التطوّرات السياسيّة الداخليّة وممارسات الاحتلال- الذي يشهد هو أيضاً عواصف سياسيّة تحضيراً لانتخابات مصيريّة قريبة- في المجتمع الفلسطينيّ وأفراده الذين يقاتلون فايروس "كورونا" بأجسادهم؟

حتى اللحظة، سجّلت فلسطين ما يزيد عن 188 ألف حالة مصابة بفايروس "كورونا" وأكثر من 2000 حالة وفاة، ربعها في غزّة.

التلقيح في غزّة والضفّة... إلى أين؟

على رغم أن السلطة الفلسطينية بدأت بالفعل بتسلّم اللقاح من الجانب الإسرائيلي وباشرت بتطعيم الطواقم الصحية وغيرها، إلّا أن حصة غزة من ذلك اللقاح ظلّت مجهولة المصير، حتى هذا الأسبوع الذي أُدخلت فيها 1000 جرعة من السلطة بموافقة إسرائيل، والذي أرسلت فيه الشحنة الإماراتيّة. يأتي ذلك بعد مرور فترة من الزمن لم تصدر فيها تصريحات أو بيانات عن مسؤولين في الحكومة الفلسطينية في الضفة. في المقابل، عبّرت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجهة النظر الإسرائيليّة الرسمية بخصوص حصة القطاع من اللقاح. وأفادت القناة العبرية السابعة في 1 شباط- وهو اليوم الذي وصلت فيه اللقاحات إلى الضفة- بأنّ إسرائيل لن تسمح بنقل اللقاحات إلى غزة، مع إشارتها إلى أن كميات أخرى ستصل إلى الضفة تباعاً، مع عدم احتساب حصة للقطاع المحاصر ضمنها. ووفق معطيات وزارة الصحة، فإن قطاع غزة يحتاج لتطعيم نحو مليون شخص باللقاح، إذا ما تم استثناء من هم دون الثامنة عشرة والحوامل، باعتبار أن هاتين الفئتين ليستا ضمن الفئة المستهدفة في التطعيم. وبحسب الوزارة، فإنّ هناك فئات تحتاج إلى تطعيم بشكل مُلح، ويبلغ عدد أفرادها من 150 إلى 200 ألف شخص، وهم العاملون في القطاع الصحي، ومرضى الأورام والفشل الكلوي والأمراض المزمنة وكبار السن.

أمّا في الضفّة الغربيّة، ووفق تصريح رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية، فإن عملية التطعيم العام ستبدأ في فلسطين مع حلول منتصف شباط 2021، وأوضح أن عملية التطعيم ستبدأ مع وصول اللقاحات من مصادر متعددة، وستبدأ بالأشخاص الأَولى بالرعاية، وهم كبار السن وذوو الأمراض المزمنة. ذلك وسط اتهامات شعبيّة للجهات الرسميّة بعدم العمل بشفافية وعدل، إثر تداول صور تلقيح مسؤولين وأشخاص من خارج الكوادر الطبية.

وكانت وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت نهاية كانون الثاني/ يناير، تلقيها الدفعة الأولى من لقاح "موديرنا" الأميركي وتضم 2000 جرعة، من دون ذكر مصدرها، وقالت إنها ستتلقى 50 ألف جرعة أخرى، من دون تحديد نوعيتها أو توقيت وصولها، كما أعلنت تسلمها 10 آلاف جرعة من لقاح "سبوتنيك" الروسي، وقالت إنها سترسل حصة إلى غزة منها، لكن ذلك لم يحصل حتى الآن. مع العلم بأنّ هذه الكميّات من اللقاح ليست الكميّات المطلوبة التي تحتاجها الضفّة.


ثقة شعبيّة مهزوزة

إنّ عدم ثقة المواطنين بوصول اللقاح إليهم، سواء في غزّة أو في الضفّة، تنبع من أسباب عدّة. منها عدم الثقة في الجهات المسؤولة كما ذكرنا آنفاً، وأخرى ترتبط بالاحتلال وبإدخاله لقاحات غير مطابقة للمعايير الصحيّة. فخلال جولة في شوارع مدينة غزة لاستطلاع آراء المواطنين حول اللقاح المضاد لفايروس "كورونا"، ومدى تقبلهم الحصول على جرعة، أبدى البعض موافقته على الحصول على الجرعة فور توفرها في قطاع غزة. إلا أنّ الغالبية أبدت عدم تقبلها فكرة التطعيم. وهناك من ليس مقتنعاً حتى اللحظة بوجود الفايروس، وهو على قناعة تامة بأنه مسألة سياسيّة بامتياز. فيما بدا آخرون على قناعة بأن الجرعة لن تحميهم من خطر الإصابة بالفايروس.

لم تتوقف أسباب رافضي التطعيمات عند ما سبق، إذ شكك بعضهم- في حال قبول إسرائيل دخول اللقاح إلى غزة- في أن تكون اللقاحات سارية المفعول ولم تفسد قبل تسليمها لأهالي القطاع. فيما أكد بعض من استطلعنا آراءهم أن إسرائيل التي قيّدت وصول المعدات والأدوات الطبية إلى غزة لن تسمح بدخول اللقاح إلا مقابل ثمن سياسي.

أمّا في الضفّة، فتبدو مخاوف الناس نابعة أيضاً من ضمان نجاعة اللقاح ومطابقته الشروط والمعايير الصحيّة. فيتساءلون إن كانت هذه اللقاحات هي ذاتها المستخدمة في المجتمعات الأوروبية، أم أنَّ لنا نحن كدول عالمٍ ثالثٍ لقاحات أخرى تجريبية على سبيل المثال؟

ويقول سعد داوود من قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة الفلسطينية لمعدّي التقرير: "قمنا بتطعيم الطواقم الطبية في المستشفيات الأهلية والخاصة. كما نؤكد أن نصيب غزة سيكون مثل نصيب الضفة الغربية، وما يصلنا من لقاحات سيصلهم. قمنا بشراء اللقاح الروسي أخيراً وستتم عمليات التطعيم في 45 مركزاً". يؤكد داوود أنَّهم لا يشكِّكون في فعالية اللقاح. ويستبعد فكرة أن تكون اللقاحات الموجَّهة إلى دول العالم الثالث مختلفةً في تركيبتها عن تلك التي تؤخذ في دول أوروبا.

لكن من جهة أخرى، ثمّة قيادات تشكّك في فعاليّة اللقاح. ولا يمكن لهذا التشكيك ألا ينعكس على الرأي العام. يقول وصفي قبها، وزير الأسرى السابق والقيادي في حركة "حماس" لمعدّي التقرير: "إنّ تحذيرات الأطباء العالميين بخصوص اللقاحات تستحق أن تؤخذ في الاعتبار. إذ يرفض بعضهم اللقاح غير المفحوص، فكيف نقبل به كفلسطينيين من دون التأكد منه؟".

كيف تؤثّر التطوّرات السياسيّة الفلسطينيّة الداخليّة وممارسات الاحتلال- الذي يشهد هو أيضاً عواصف سياسيّة تحضيراً لانتخابات مصيريّة قريبة- في المجتمع الفلسطينيّ وأفراده الذين يقاتلون "كورونا" بأجسادهم؟

"ليس لديّ أمل كبير بوصول اللقاح"

لعلّ التجارب الواقعيّة التي مرّ بها الفلسطينيّون، لا سيّما في قطاع غزّة الذي يعاني صحيّاً جرّاء الحصار وضعف الجهاز الطبّي، كفيلةٌ بأن تجعل التجربة تطغى على الوعود السياسيّة أو الحلول التي تلوح في الأفق. قمنا في هذا التقرير بتوثيق بعض القصص من قطاع غزّة، منها قصّة فايزة عوض (62 سنة). وهي مصابة بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم والفشل الكلوي. وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2020 واجهتها آلام في البطن وسخونة شديدة إضافة إلى فقدان الشهية وضيق في التنفس. بعد الفحص تأكدت إصابتها. نُقلت إلى المستشفى الأوروبي، من دون مرافقة أحد. تدهورت حالتها الصحية حتى بدأت تفقد الوعي بسبب انخفاض شديد في نسبة الأوكسيجين بالدم، الأمر الذي اضطر ابنتها غير المصابة، إلى دخول المستشفى ومرافقتها.

عانت فايزة من تدهور حاد في صحتها النفسية والجسدية، وأفقدها الفايروس القدرة على الحركة. "وصلت إلى مرحلة الهلوسة وفقدان الوعي. كانت هناك وفيات يوميّة من المرضى الذين كانوا معي بسبب عدم قدرة أجسادهم على الصمود ومقاومة الفايروس"، تقول فايزة، التي استطاعت تجاوز مرحلة الخطورة بعد دعمها بالأوكسيجين الصناعي. إلا أنها ما زالت تعاني آلاماً في الصدر والرئتين. وكان الأطبّاء قد أخبروها باستمرار تأثر جسدها من الفايروس في الأشهر الستّة المقبلة، بسبب ضعف جهاز المناعة لديها. تقول فايزة: "لدي شعور بأنّ اللقاح لن يصلنا بسبب ضعف إمكانات بلدنا اقتصادياً وسياسياً. أتمنى أن يصل حتى أحصل على جرعة لكن ليس لدي أمل كبير بوصوله".

أما الصحافي رجائي الشطلي (43 سنة)، فقد شعر في كانون الأول 2020 بالإعياء. توقّع أن يكون أصيب بإنفلونزا أو ربما بفايروس "كورونا". استشار طبيباً وبدأ بتناول أدوية مثل المضاد الحيوي وفيتامين C والزنك. مرّ أسبوع على تلقّيه العلاج، لكنّ صحته تدهورت بشكلٍ كبير. يقول: "دفعني ذلك لإجراء مسحة طبية، حيث ظهرت النتيجة إيجابية. إلا أن تدهور صحتي بشكلٍ أكبر، وبخاصة ضيق التنفس، دفعني للذهاب إلى مستشفى الشفاء في غزة". تم استقبال الشطلي في المستشفى وتبيّن انخفاض نسبة الأوكسيجين في الدم إلى 75 في المئة، تلقّى العلاج مدّة أسبوعين إلى أن تحسّنت صحّته. يقول الشلطي: "اللقاح مهم لنا جميعاً، فهو يحمينا ويحمي أجسادنا من الفايروس. وأستغرب تخوف البعض من الآثار الجانبية للقاح، فنسبة الأشخاص الذين ظهرت عليهم آثار جانبية عالمياً ضئيلة مقارنة بعدد الذين تلقوا اللقاح في العالم".

"اللي مش مصدّق يروح يزور المستشفى الأوروبي"

أصيبت ريهام أحمد (29 سنة) بفايروس "كورونا"، إثر انتقال العدوى إليها من زوجها الذي يعاني من أمراض مزمنة، والذي تدهورت صحته مع الإصابة. نقل سعيد (32 سنة) إلى المستشفى الأوروبي المخصص لاستقبال الحالات المزمنة، تقول ريهام: "على رغم اتخاذنا الاحتياطات كافة، إلا أننا أصبنا بالوباء". عانت من بعض السخونة وآلام المفاصل، ثمّ نُقلت لمرافقة زوجها خلال فترة العلاج في المستشفى الأوروبي. فيما تعرض سعيد لانخفاض في نسبة الأوكسيجين بالدم إلى أقل من 60 في المئة، فاضطر الأطباء إلى تزويده بالأوكسيجين صناعيّاً لأيام حتى تحسنت صحته.

خلال فترة إقامتهما في المستشفى، والتي امتدّت 21 يوماً، تعرّفا إلى عشرات المصابين بالفايروس. معظم هؤلاء واجهوا حالة إعياء شديد، وكان المستشفى معدّاً لاستقبال قرابة 300 حالة كحد أقصى من الحالات الخطرة. تقول ريهام: "اللي مش مصدق بوجود فايروس كورونا وخطورته على الأجساد، يروح يزور المستشفى الأوروبي ويشوف بعينه حالة المرضى، ودرجة خطورة حالاتهم خاصة المصابين بأمراض مزمنة". وفي الحديث عن اللقاح أوضحت ريهام متابعتها وزوجها لأخبار اللقاح قبل إصابتهما، وكانا على استعداد للحصول على التطعيم في حال توفره. إلا أن تأخير وصول اللقاح عرضهما للإصابة في مرحلة مبكرة. "خلال فترة الإصابة، كنّا معرضين للموت في أي لحظة، لولا لطف الله بنا لكنت فقدته. أتمنى توفر اللقاح وحصول الجميع عليه حتى نتخلص من الفايروس"، تقول ريهام.

لعلّ التجارب الواقعيّة التي مرّ بها الفلسطينيّون، لا سيّما في قطاع غزّة الذي يعاني صحيّاً جرّاء الحصار وضعف الجهاز الطبّي، كفيلةٌ بأن تجعل التجربة تطغى على الوعود السياسيّة أو الحلول التي تلوح في الأفق

من المسؤول عن تأمين اللقاح للفلسطينيين؟

بحسب اتفاقية أوسلو المبرمة بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وإسرائيل، فإن السلطة هي التي تشرف على الصحة العامة، من منطلق حصولها على الحق في تقرير المصير. وهذا يعني أن السلطة يجب أن تتولى منفردة مهمة توفير اللقاح. لكن الواقع الميداني يشير إلى معطيات مختلفة، فسيطرة إسرائيل على معظم المنافذ وتحكّمها بصادرات الفلسطينيين ووارداتهم، يصعّب تنفيذ الأمر، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، فإنّ السلطة الفلسطينية، وعبر لسان بعض المسؤولين فيها، تؤكد أن اتفاقية أوسلو تتضمن بنوداً تشير إلى ضرورة تحقيق "تبادل إسرائيل والجانب الفلسطيني المعلومات بشأن الأوبئة والتعاون في مكافحتها، وتبادل الملفات والوثائق الطبية معاً". تتمسك السلطة بالقانون الدولي وما صدر عن الجهات الحقوقية الدولية بهذا الصدد، إذ دعت إسرائيل إلى ضرورة توفير اللقاح في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكالة الغوث الدولية "أونروا" لم تعلن حتى هذه اللحظة، عن جهود لتوفير اللقاح للاجئين الفلسطينيين سواء في مخيمات قطاع غزة أو الضفة الغربية أو الشتات. كونها تتولى المسؤولية الطبية للاجئين وتقع عليها مسؤولية رعايتهم صحياً. الناطق باسم "أونروا" في قطاع غزة عدنان أبو حسنة، قال لمعدّي التقرير: "إن الوكالة الدولية لن يكون لها دور في توفير اللقاح لأي لاجئ فلسطيني، ودورها سيتحدد فقط في أمر المساعدة في تنفيذ عملية تطعيم المواطنين حال وصول اللقاح إلى قطاع غزة أو أي مكان آخر تعمل فيه".

 كيف لحقّ الإنسان في الحصول على لقاح يحميه من الفايروسات والأوبئة أن يُحفظ، سواءً في الضفّة أم في غزّة، في ظلّ الاحتلال والتشرذم والانقسام والفساد؟

"حماس": دور المراقب

على رغم أنّ الحديث يدور عن موافقة من الجيش الإسرائيلي لإدخال شحنات اللقاح إلى غزّة من جهة، وحول موقف السلطة وتحرّكها بشأن المطالبة بنقل اللقاحات من جهة أخرى، فإنّ حركة "حماس" ترى أنّها هي التي تحرص على إيصال اللقاح إلى القطاع. فقد قال مصدر رفيع في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" لمعدّي التقرير، إن "اللقاح من بين الأشياء التي تحرص حركته على إيصالها للمواطنين في قطاع غزة بصورة سلسة". مشيراً إلى أن "حماس أجرت خلال الأسابيع الماضية تواصلاً مع أطراف دولية وإقليمية لطلب كميات من اللقاح.

وفي السياق، أشار المصدر، الذي فضّل عدم التصريح باسمه كونه غير مخول بالتصريح للإعلام في هذا الملف، إلى أن حركته "عملت في البداية على بناء غرف المحجورين وضغطت على إسرائيل لتوفير أجهزة ومسحات فحص. واجتهدت كذلك في البحث عن جهات عربية ودولية لديها القدرة على مدّ قطاع غزة بالمساعدات".

ورفض المصدر الحديث عما إذا ما كانت هناك مفاوضات غير مباشرة تجري مع إسرائيل بشأن إدخال اللقاح إلى القطاع، واكتفى بالقول: "من حق سكان القطاع الحصول على اللقاح كغيرهم من سكان العالم، وحماس لن تصمت في وجه أي إجراء إسرائيلي يمكن أن يعيق دخول اللقاح"، مؤكداً أن حركته، "وفي عدة مناسبات، هددت إسرائيل باستعمال القوة لأجل تحصيل حقوق السكان، لا سيما إذا ما تعلق الأمر بمستلزمات مواجهة كورونا". وهي إشارة إلى قدرة "حماس" على إحداث ردود فعل تجاه القرارات الإسرائيليّة وحسب، وليس على المبادرة وجلب اللقاح.

بحسب اتفاقية أوسلو، فإن السلطة الفلسطينيّة هي التي تشرف على الصحة العامة، من منطلق حصولها على الحق في تقرير المصير. وهذا يعني أنها يجب أن تتولى منفردة مهمة توفير اللقاح. لكن الواقع في ظل الاحتلال يشير إلى معطيات مختلفة

وهل يصدق وزير الجيش الإسرائيلي؟

على الرغم من موافقة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش الإسرائيلي بني غانتس على طلب مسؤولين في السلطة نقل اللقاح إلى غزة، نظراً إلى "ارتفاع أعداد المصابين في غزّة وخوفاً من تصاعد أمنيّ محتمل"، بحسب الموقع العبري. إلا أنّ ممارسات إسرائيل حتّى الآن تجاه القطاع المحاصر تجعل إدخال شحنات مستقبليّة من اللقاح مصحوبةً بالشكّ والعراقيل. يقول مصطفى إبراهيم؛ الباحث القانوني ومنسق وحدة المناصرة في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزّة، لمعدّي التقرير: "على رغم توقيع الفلسطينيين اتفاقية أوسلو مع الجانب الإسرائيلي، إلا أن إسرائيل ما زالت تمارس قوتها على الأرض كقوة احتلال، ووفقاً للقانون الدولي فهي عليها واجب توفير جميع المستلزمات الضرورية للسكان"، مضيفاً: "وفق ما نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة، فإن إسرائيل مجبرة على توفير اللقاح في غزّة والضفّة. والادعاءات الإسرائيلية الماضية التي تقول إنها غير ملزمة بتوفير اللقاح، هي مجافية للحقيقة". ويشدد إبراهيم، على أن "سعي إسرائيل للابتزاز أو استغلال موضوع اللقاح لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، يعتبر مناف لجميع المواثيق الدولية"، لافتاً إلى أنه كغيره من الحقوقيين تابع ورصد محاولات إسرائيل ابتزاز المواطنين، وإصدار تصريحات عن المسؤولين لديها تشير إلى أنها لن تزود أهالي قطاع غزة اللقاح. ويتوقع أن "تضطر إسرائيل تحت الضغط الدولي والحقوقي، إلى إيصال اللقاح لأهالي غزة".

سياسة الابتزاز الإسرائيليّة: لقاح مقابل جنود

وبخصوص ما ذاع في بعض وسائل الإعلام إسرائيلية حول ربط الجيش الإسرائيلي موضوع إدخال اللقاح إلى غزة بتسريح الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حركة "حماس"، قال المصدر الرفيع في "حماس": "إسرائيل تعلم جيداً أن هذا الكلام غير واقعي وأن حركة حماس لا تقبل به أبداً. كما أنها ترفض فتح ملف الجنود في أي سياق غير سياق صفقة التبادل"، لافتاً إلى أن "اللقاح هو حق مكفول بالمواثيق كافة، ولا يحق لإسرائيل مساومتنا عليه لأجل مكاسب سياسية، أو استعماله كأداة لإرضاء الشارع الإسرائيلي، وللتغطية على فشل الحكومة في استرجاع الجنود الأسرى".

أمّا وصفي قبها، القيادي في حركة "حماس"، فيقول لمعدّي التقرير: "حاول الاحتلال ابتزاز غزة من خلال مطالبتها بالكشف عن مصير الجنود الذين اختفوا خلال عملية العصف المأكول عام 2014، مقابل الموافقة على إدخال هذه اللقاحات. وهو أمر ساديّ غير أخلاقيّ. متوقَّع من الاحتلال أن يبتز الشعب الفلسطيني في قضايا إنسانية يقف اليوم العالم أجمع لمحاربتها. إضافة إلى دور السلطة الفلسطينية التي تُعتبر جزءاً من حصار غزة وحرمانها من اللقاح. فكما سيصل اللقاح إلى حكومة رام الله يجب أن يصل إلى غزة، وأن يكون بضمانة "منظمة الصحة العالمية" وضمانة فلسطينية. فيُعطى الفلسطيني ما يُعطى للمواطن الأميركي، أو البريطاني، أو الفرنسي.

"إسرائيل تعلم جيداً أن هذا الكلام غير واقعي وأن حركة حماس لا تقبل به أبداً. كما أنها ترفض فتح ملف الجنود في أي سياق غير سياق صفقة التبادل"

سيناريوات محتملة أمام حماس

يطرح السؤال حول السيناريوات التي قد تلجأ إليها حركة "حماس" في حال لم تُدخل إسرائيل اللقاحات اللازمة إلى القطاع. يقول الكاتب السياسيّ شرحبيل الغريب: "هناك سيناريوان أمام حماس، الأول هو أن تذهب ناحية التصعيد العسكري، وهو ما تتخوف منه إسرائيل. وهنا يمكن لحماس استغلال الحدث والمطالبة باللقاح عبر الوسطاء العرب. أما المسار الثاني، فهو انتزاع الحقوق الفلسطينية عبر القوة الحقوقيّة والقانونيّة. بإمكان الحركة أن تروّج للعالم مبدأ اعتبار إسرائيل قوة احتلال وتقع عليها مسؤولية توفير اللقاح، حتى يتمتع الغزّيّون بحقوقهم المكفولة في جميع المواثيق والقوانين الدولية".

وفي سياق تدخّل الوسطاء، فقد فوجئ الفلسطينيون، في التاسع من حزيران/ يونيو 2020، بوصول طائرة إماراتية إلى مطار بن غوريون الإسرائيلي قيل إنها محملة بمساعدات طبية للسلطة الفلسطينية وقطاع غزة، تم التنسيق لوصولها مع الإسرائيليين. لكن السلطة رفضت استلامها بسبب عدم التنسيق معها مسبقاً. بعدها بأيام وصلت طائرة أخرى بالطريقة ذاتها، لكن السلطة رفضت استلامها للمرة الثانية. في ما بعد قررت الإمارات أن تصل قافلة مساعدات طبية من طريق معبر رفح البري إلى قطاع غزة فقط، وقامت باستلامها وزارة الصحة في غزة ووفود من حركة حماس، ووفد من "تيار الإصلاح الديموقراطي" لحركة "فتح"، التابع للقيادي محمد دحلان المقيم منذ سنوات في الإمارات. وفي هذا الإطار، صرح مصدر مقرب من القيادي الفلسطيني المقيم في الإمارات محمد دحلان، رفض الكشف عن اسمه، عن مساعي الإمارات إلى إرسال قافلة مساعدات ثالثة.

خوف من الواسطة والمحسوبيّة في توزيع اللقاح

أمّا في الضفّة، فلا يبدو بأنّ القضيّة انتهت عند توفير اللقاح. إذ تواجه السلطة نقداً كبيراً تجاه العدالة في توزيعه والإعلان عن خطّة حكوميّة شفافة. تعتبر مسألة العدالة والشفافية في توزيع اللقاح مشكلة عالميّة تواجه عديد من الشعوب التي بدأت دولها بالتطعيم. وكانت دعوة لجنة الصحة العامة في البرلمان الأوروبي دعت إلى اتباع نهج واضح المعالم لتوزيع اللقاح في الاتحاد الأوروبي لتجنب المعلومات المضللة المرتبطة بالفايروس.

وفي فلسطين، ضجّت منصات التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، بصورٍ لطواقم صحافية ومسؤولين في مؤسسات عدة يتلقون اللقاح. الأمر الذي اعتبرته مؤسسات معنية ونشطاء تجاوزاً لما أعلنته وزارة الصحة، إذ قالت على لسان مسؤولين فيها، إنّ الدفعة الأولى التي وصلت السلطة الفلسطينيّة من اللقاح تعتبر إسعافية، ولن يتم استعمالها إلّا لتطعيم الطواقم الطبية.

وفي ضوء ذلك، كرر الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، مطالبةً سابقة له، بضرورة نشر خطة توزيع اللقاح، وتحديد المعايير بشكل عادل ومنصف. بحيث تمنح الأولوية لمن هم بأمس الحاجة إليه. وقال الائتلاف عبر صفحته على "فايسبوك": "هذا الأمر سيعزز من ثقة المواطنين بالإجراءات والمعايير المتبعة من الجهات الرسمية"، محذراً من خطورة خضوع توزيع اللقاح للواسطة والمحسوبية. وقبل وصول اللقاحات، دعا الائتلاف أكثر من مرة إلى تشكيل لجنة حكومية بالشراكة مع القطاع الخاص والأهلي لوضع خطة ومعايير عادلة لتوزيع اللقاحات. وقام أيضاً بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، دعاه فيها إلى تعزيز الآليات التي تدعم مبادئ الشفافية.

إنّ عدم ثقة المواطنين بوصول اللقاح إليهم، سواء في غزّة أو في الضفّة، تنبع من أسباب عدّة. منها عدم الثقة في الجهات المسؤولة، وأخرى ترتبط بالاحتلال وبإدخاله لقاحات غير مطابقة للمعايير الصحيّة

خطّة حكوميّة غائبة وتصريحات متضاربة

وتقول مديرة وحدة المناصرة والمساءلة المجتمعية في الائتلاف هامة زيدان لمعدّي التقرير: "منذ بدء جائحة كورونا تدخل الائتلاف بتوصيات عدة لتعزيز النزاهة في عملية إدارة الأزمة. بعد الاطلاع على تجارب بعض الدول، كان واضحاً أن العملية تحتاج لعدة شهور، وعلى ذلك خاطبنا الحكومة لوضع خطة واضحة ودعونا لضرورة تشكيل فريق من الحكومة والخبراء والمؤسسات المحليّة والعالميّة لإدارة شأن اللقاح".

وتوضح زيدان أن الائتلاف طالب بإعداد قائمة بيانات صحية وسجل طبي للمواطنين، يتم من خلالها تحديد أصحاب الأمراض المزمنة وذوي الاحتياجات الأهم للحصول على اللقاح في حال توفيره، وذلك اقتداءً بتجارب الكثير من الدول في هذا المجال، إذ إن وجود هذا السجل يختصر الكثير من الوقت. وتضيف زيدان: "حتّى اليوم لم نجد استجابة حكومية حقيقية لنشر خطة إدارة شأن اللقاح أو إعداد السجل الطبي الذي تمت المطالبة به". وتشير زيدان إلى وجود تضارب في الروايات والتصريحات الصادرة من الجهات الحكومية مختلفة، أدى إلى وجود حالة من عدم الفهم للصورة العامّة. فبات غير واضح لدى المواطنين عدد اللقاحات التي ستصل أو مصادرها أو آليات توزيعها.

تجارب سابقة فاسدة

وفي تصريحات صحافية سابقة، قال عزمي الشعبي مستشار مجلس ائتلاف "أمان": "إن تجربتنا الفلسطينية في توزيع الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة تقوم على الواسطة. وهذا ما يجعل "أمان" تتخوف من المحسوبية والفساد في توزيع اللقاحات". وأضاف أنّه "يجب أن تكون هناك قوائم محددة ومرتبة تعطى فيها الأولوية لمن هم أكثر حاجة لهذا اللقاح، إذ باستطاعتنا وضع نظام بسيط يستوعب المعطيات الخاصّة بالتلقيح. وبالإمكان أن يساعد جهاز الإحصاء الفلسطيني على إنشاء هذا النظام".

ويقول مصطفى إبراهيم منسق "وحدة المناصرة في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزّة" لمعدّي التقرير: "الفلسطينيّون لا يثقون دائماً بمن يحكمهم ويعتقدون بوجود الفساد. ومسؤولية شراء اللقاح وتوفيره وتوزيعه هي مسؤولية حكومية خالصة". وينوه إلى أن "هناك أولويات في التوزيع والتطعيم تتطلب وجود جهات رقابية مباشرة مثل منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني، تبدأ عملها بمجرد تسلّم اللقاح. لكنّ ذلك لم يحصل ولم تمارس الجهات دورها بشكل كامل".

وبحسب القوانين الصحية الدولية فمن حق كل إنسان في الدولة التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية من دون أي نوع من التمييز. وتكفل المواثيق الدولية، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حق الإنسان في الحصول على لقاح يحميه من الفايروسات والأوبئة، وذلك انطلاقاً من الحق بالصحة. لكن كيف لهذا الحقّ أن يُحفظ، سواءً في الضفّة أم في غزّة، في ظلّ الاحتلال والتشرذم والانقسام والفساد؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard