من يضعف أولاً؟... أوراق إيران وأمريكا الحالية بين قوة الردع والاتفاق النووي

السبت 9 يناير 202105:16 م

مع تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، تتجه الأنظار إلى ما يُعتبر من أهم الاختبارات أمامه، وهو التأكيد على قوة الردع الأمريكية في مواجهة إيران، وهي المعركة التي تباهى سلفه دونالد ترامب بأنه كسبها بقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، دون رد فعل يُذكر من إيران.

في المقابل، بدأت طهران في خطوات وُصفت بـ"الترهيبية" لإدارة بايدن المقبلة، وذلك باختطاف سفينة كورية وإجراء مناورات عسكرية ضخمة، والإعلان عن افتتاح قاعدة صواريخ تحت الأرض على ضفاف الخليج ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم.

برأي مراقبين، قد يكون ترامب كسب قوة الردع ضد إيران، لكنه فشل في البناء على النفوذ الأمريكي الذي تعاظم بالعقوبات الاقتصادية الشديدة لتحقيق تقدم دبلوماسي، في ظل افتقاره لاستراتيجية واضحة.

لا يوجد ما يؤكد بعد ما إذا كان بايدن سيسير على طريق ترامب ضد إيران أم سيعود إلى الدبلوماسية الأمريكية التي طبعت عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، والتي وُصفت بـ"الضعيفة" لدرجة أن طهران كانت تختطف الجنود الأمريكيين من مياه الخليج بشكل مهين.

ويُرجح محللون أمريكيون أن إيران سوف تزيد أوراق الضغط على بايدن، إيماناً منها بأن الأخير لن يُشعل حرباً على عكس ترامب الذي هدّد بذلك في حال تعرض أي أمريكي لأي خطر.

ثوابت خامنئي

في 8 كانون الثاني/يناير الحالي، أعلن المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي عن مجموعة من "الثوابت" التي ستصر عليها إيران في المفاوضات المقبلة مع إدارة بايدن، وهي "التزام طهران بدعم الأصدقاء في المنطقة وإزالة العقوبات عن ‎إيران".

ولفت، في أول خطاب له في 2021، إلى أن العودة للاتفاق النووي يجب أن تتزامن مع إزالة العقوبات، وإلا ستكون عودة تضر ربما بإيران.

وفي إشارة إلى البرنامج الصاروخي، أكد خامنئي على تعزيز القوة العسكرية للدفاع عن المدن والأراضي الإيرانية.

رسائل لترامب وبايدن

في الأسبوعين المتبقيين من وجود ترامب في السلطة، وجهت إيران رسائل قوية إلى الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص إلى كل من الرئيس الحالي والرئيس المنتخب، وذلك من خلال إطلاق مناورات ضخمة لمدة يومين، شاركت فيها طائرات من دون طيار تم إنتاجها محلياً.

وأعلنت طهران كذلك عن زيادة تخصيبها من اليورانيوم إلى 20٪، في رسالة تحدي لحملة عقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترامب، ولا تخشى أوامره بإرسال قاذفتين من طراز "B-52S" وغواصة "يو أس أس جورجيا" إلى الخليج.

ومن الواضح أن الرسالة الثانية كانت إلى بايدن، وهي إرسال إنذار لإدارته الجديدة باحترام الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه عام 2015، وتخلى ترامب عنه عام 2018، وإلا فإن إيران ستواصل تخصيبها وتطوير قدرتها النووية.

أعلن خامنئي عن مجموعة "ثوابت" ستصر عليها إيران في المفاوضات المقبلة مع إدارة بايدن فيما تتجه الأنظار إلى ما يُعتبر من أهم الاختبارات أمام الأخيرة وهو التأكيد على قوة الردع الأمريكية... ما هي السيناريوهات المطروحة بين طهران وواشنطن بشأن الاتفاق النووي؟  

وأنهى الجيش الإيراني، بقواته البرية والبحرية والجوية، تدريبات استمرت يومين حيث قامت مئات الطائرات من دون طيار بالطيران أكثر من ألفي كيلومتر وضرب أهداف باستخدام صواريخ جو - أرض وجو - جو، كذلك استخدام طائرات انتحارية.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قدّم البرلمان الإيراني مشروع قانون بمواد متعددة ترسم خارطة طريق للإدارة الأمريكية الجديدة. المادة الأولى من مشروع القانون تتعلق بإلزام الحكومة برفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20٪ في منشأة فوردو النووية، وهي منشأة مغلقة منذ 15 عاماً. وأعلنت طهران عن العودة إلى تشغيلها الأسبوع الماضي.

ويُلزم القانون الحكومة بتركيب ألف جهاز طرد مركزي من طراز "IR-2m" لتخصيب اليورانيوم، في منشأة نطنز النووية التي تقع تحت الأرض، مع تركيب ألف جهاز طرد مركزي من طراز "IR6" في محطة فوردو النووية، وبإعادة العمل بمفاعل أراك للماء الثقيل، كما كان عليه قبل الاتفاق النووي عام 2015.

وفي اليوم التالي لحديث خامنئي، هدّد عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني المتشدد أحمد أمير آبادي فراهاني بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حال لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن طهران حتى 21 من فبراير/ شباط المقبل.

مصير العقوبات

تسببت العقوبات الأمريكية، إلى جانب الفساد المستشري في إيران ووباء فيروس كورونا، في انهيار الاقتصاد الإيراني، وزيادة التضخم وتآكل القوة الشرائية للإيرانيين العاديين.

وأدت الإجراءات الأمريكية إلى عزل إيران فعلياً عن النظام المالي الدولي وضرب القطاعات الرئيسية، بما في ذلك الطاقة والتصنيع. ولا تزال صادرات النفط، وهي أهم مصدر للعملة الصعبة لإيران، معطلة إلى حد كبير بسبب العقوبات الأمريكية.

وتُظهر الميزانية الأخيرة التي اقترحها الرئيس الإيراني حسن روحاني أنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على النفط.

في تقرير نشره الباحثان الأمريكيان في مركز الدفاع عن الديمقراطية ريتشارد غولدبيرج ومارك دوبويتز في مجلة "فورين بوليسي"، حذرا بايدن أن إيران تُصعّد التوترات مع الغرب، من خلال التأكيد علناً ​​على إنتاج اليورانيوم والاستيلاء على ناقلة نفط كورية جنوبية في الخليج، كي تُفقده أهم أوراقه وهي تعطيل العقوبات.

وأشارا إلى أن هذا التصعيد مصمم لممارسة ضغط إضافي على بايدن للانضمام إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وهي خطوة من شأنها أن تخفف العقوبات المكثفة عن نظام يعاني من ضغوط اقتصادية هائلة.

وفي رأي الباحثين، إذا استسلم بايدن للابتزاز النووي الايراني وتخلى عن العقوبات، فهو بذلك يتنازل عن أهم أدوات ضغطه ضد طهران، ولن يحقق هدفه المعلن في التفاوض على اتفاقية أفضل وطويلة الأمد.

وأشار الباحثان إلى وجود عيوب في الاتفاق النووي وهي أنه حدد تواريخ انتهاء صلاحية للقيود الرئيسية على برنامجها النووي، واستبعد عمليات التفتيش المفاجئة، وسمح لإيران بالحفاظ على قدرات التخصيب النووي. ولم يتطرق إلى برنامج الصواريخ، وأعطى طهران الموارد المالية لزيادة عدوانها الإقليمي والإرهاب، وتجاهل انتهاكها الفاضح لحقوق الإنسان.

في إشارة إلى هذه العيوب، قال بايدن مؤخراً إنه يريد البناء على اتفاق 2015 باتفاقية جديدة لـ"تشديد وإطالة القيود النووية الإيرانية"،و"التعامل مع برنامج الصواريخ باتفاقية أخرى".

وخلال الحملة الرئاسية، وعد أيضاً بمواجهة سجل إيران في مجال حقوق الإنسان و"أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة"، فيما أكد أن "الطريقة الوحيدة للتفاوض على اتفاق جديد هي العودة أولاً إلى الإطار القديم".

وقال الباحثان: "أكد الرئيس السابق باراك أوباما أن ضغط العقوبات كان ضرورياً للتوصل إلى الاتفاق النووي، فكيف يمكن لبايدن أن يتفاوض على المزيد من القيود على إيران، من خلال تخفيف العقوبات الاقتصادية؟"، فيما رجّحا أن يعارض الكونغرس تخفيف العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني تماماً. 

كيف يتعامل بايدن مع إيران؟

في ذات السياق، يجادل هنري روم، وهو محلل أول في شؤون إيران وإسرائيل في مجموعة أوراسيا للمخاطر السياسية العالمية، بأن بايدن سوف يرث نفوذاً وضغطاً اقتصادياً كبيراً على إيران.

حدّد بايدن أهدافاً دبلوماسية ملموسة تتعلق بإيران، بما في ذلك إعادة التأكيد على أهمية الاتفاق النووي... ثلاثة سيناريوهات مطروحة بهذا الشأن، أولها تحرك أمريكي قبل الانتخابات الإيرانية المقبلة، ثانيها خلق طهران لوضع قابل للانفجار، ثالثها مواصلة طهران تعزيز قواتها وهجماتها

وفي رأي روم كانت مشكلة ترامب أنه لم يمتلك استراتيجية، إذ دعا إيران مراراً إلى التفاوض و"عقد الصفقة الكبيرة"، فيما كان وزير الخارجية مايك بومبيو يشير إلى تغيير النظام.

وعيّن ترامب جون بولتون، وهو مؤيد صريح لتغيير النظام، ليكون مستشاراً للأمن القومي. وعليه، لم يكن لدى طهران حافزاً كبيراً للتفاوض، ناهيك عن تقديم تنازلات لإدارة سعت في نهاية المطاف إلى استسلامها أو زوالها.

يشير روم إلى أن بايدن سوف يقلب هذا المنطق، إذ حدد الرئيس المنتخب أهدافاً دبلوماسية ملموسة تتعلق بإيران، بما في ذلك إعادة التأكيد على أهمية الاتفاقية النووية لعام 2015.

ويعتقد المحلل الأمريكي أن السيناريوهات ستكون كالآتي:

الأول، سوف يحث الرئيس الإيراني ومساعدوه بايدن على التحرك بسرعة قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/ يونيو المقبل. 

ويُعد روحاني معتدلاً نسبياً، وهو يقضي ولايته الأخيرة على غرار ترامب، ومن المرجح أن يبرز زعيم محافظ في الانتخابات، ما قد يخلق فرصة سانحة للتعامل مع روحاني وهو في طريقه للخروج من الحكم.

في المقابل، يرى روم أن الانتخابات الإيرانية الوشيكة لن تغير بشكل جذري النظرة الاستراتيجية لطهران أو انفتاحها على المفاوضات. ولن يكون خليفة روحاني بالضرورة أكثر عداءاً للدبلوماسية حتى لو كان أكثر معاداةً لأمريكا، ولا ينبغي لواشنطن أن تتوقع أن سياساتها يمكن أن تمليها نتيجة الانتخابات الإيرانية.

ثانياً، ستحاول طهران خلق وضع قابل للانفجار، بدءاً بالقانون الذي أصدره البرلمان، ومن المقرر إجراء الخطوة التالية الأكثر استفزازاً، وهي تخفيض كبير في وصول المفتشين الدوليين، في أواخر شباط/ فبراير المقبل.

يُرجّح روم أن "هذه المواعيد النهائية مصطنعة تماماً، إذ تخضع سياسة إيران النووية في نهاية المطاف لسيطرة خامنئي، أكثر من خضوعها للبرلمان أو الرئيس، ويمكن أن يتم التلاعب بالمواعيد النهائية اعتماداً على البيئة السياسية العامة".

ثالثاً، تواصل طهران تعزيز قواتها وهجماتها في المنطقة، وهو تذكير غير دقيق لبايدن بقدرتها على إحداث المشاكل. وأشارت واشنطن بقلق متزايد، الأسبوع الماضي، إلى أن القوات المدعومة من إيران كانت تخطط لمهاجمة جنود أمريكيين متمركزين في العراق، وذلك مع إحياء ذكرى اغتيال سليماني.

في رأي روم، يمكن أن تؤدي هذه الاستعراضات في النهاية إلى هزيمة ذاتية، لأنها تُقلّب المزيد من الدول ضد طهران. على سبيل المثال، قد تدفع الاستفزازات الإيرانية المتزايدة دول الخليج العربية إلى الاقتراب من إسرائيل، ما يعزز اتفاقيات تطبيع العلاقات بين هذه الدول وإسرائيل التي توسطت فيها إدارة ترامب العام الماضي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard