فزّاعة الخوف الملتبسة... ما الذي يراه عالم الأنثروبولوجيا في المنزل

الجمعة 19 فبراير 202111:58 ص

وجد الأنثروبولوجي الفرنسي ميشيل آجيه (68 عاماً) نفسه في عام 2020، حبيس شقته في باريس. الباحث الذي قضى سنوات بين أفريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، يتساءل الآن كيف يمكنه أن يمارس مهنته، فمساحة "الاكتشاف" أو "المراقبة" محصورة بين المنزل والشاشة والشارع حوله.

يجيب آجيه عن هذا السؤال في كتابه الأخير "أن نحيا مع الفزّاعات. العالم، الجسد، الخوف"، والذي يقول في مقدمته إنه لا يكتب يوميات حميمية ولا شهادة على عالم يتغير، بل يحاول تحليل الشرط المعاصر وما يشهده من تغيرات أثناء حصولها. يتبنى آجيه موقف المراقب الذي "يشاهد" العالم وتغيراته، وكيف يقع هذا التغير عليه، لكنه، مثل الكثيرين في "المنزل"، اختبر "الخوف" من الوباء، لا الوباء نفسه، إذ خضع لسياسات الانعزال والانغلاق دون أن يكون على تماس مع المرض أو مع أساليب مكافحته المباشرة.

وجد الأنثروبولوجي ميشيل آجيه (68 عاماً) نفسه في عام 2020، حبيس شقته في باريس وهو الباحث الذي قضى سنوات بين أفريقيا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، يتساءل الآن كيف يمكنه أن يمارس مهنته بعد أن أصبحت مساحة "الاكتشاف" الآمنة محصورة بين المنزل والشاشة والشارع

هذا المراقب من منزله يواجه الخوف، ليس فقط بوصفه شعوراً ذاتياً، بل ممارسة سياسية وأداة للتعبير والتخييل، وهذا ما يتجلى بـ "صورة" فزّاعة تسخر من الخوف وتحاول بهزلها إخفاءه، والذي في حالة آجيه، كانت إعلاناً لشركة ثياب، يقول نصّ الإعلان عنها: "لا للخوف، ثيابنا صالحة لكل زمن". و"المضحك" أن الفزاعة نفسها تشير للخطر "الوباء" دون أن تلعب دوراً في محاربته، هي علامة على الخطر وأسلوب متخيّل للإشارة إلى احتمال وقوعها.

يشير آجيه لفهم الفزّاعة إلى ما يسميه الخوف الكوزموبوليتاني، ذاك الذي يهدد الجميع على حدّ سواء، كونه يعتري الفرد والجماعة في ممارساتهم اليومية، ويهدد احتمالات استمرارهم في الحياة وإنتاج أشباه لهم. هذا الخوف نتاج خطر يهدد الشرط الإنساني، ويدفع "الجميع" للحفاظ على حدود "أناهم"، فالكل عدو للكل، الأهم أنه لا يظهر فقط زمن الأوبئة كما الآن. هو حاضر دوماً، وكأننا نحيا أمام سياسات تحاول تأجيل "النهاية"، التي بدأت منذ إلقاء أول قنبلة ذرية، أي هناك خطر سيؤدي لفناء الجميع، ولابدّ من العمل للوقوف بوجهه حين سيحصل.

هذا الخوف الكوزموسي، يظهر إثره نموذجان من الأجساد حالياً، الأول هو الذي يواجه "الكارثة"، ويتمثل بالجسد الطبي، المعزول للأقصى، وحدوده الطبيعية تتوافق مع السياسية، ويظهر مرئياً في صورة الطبيب بزيه وقفازيه وقناعه الذين يمنعونه من مسّ الآخر أو التشابه معه، فحدود جسد الطبيب واضحة، تتنقل معه لتعزله عن "الجميع"، مرضى وأصحاء.

النموذج الآخر هو الأجساد المهددة، الخفية، الموجودة في المنزل والتي نراها مرئية فقط في أماكن التكدّس، واضعةً الكمامة ومحافظة على مسافة متر ونصف بينها وبين الآخر/ العدو. هذه الأجساد بسبب "التباعد الاجتماعي" فقدت خصائصها السياسية، وانتقلت العواصم إثر ذلك من مراكز المدن إلى المطارات، فالتجمع محصور في الحواف والحدود، الأماكن التي يختلف فيها الجسد الوطني عن "الأجنبي"، ويخضع كلاهما لفحوص ومعايير طبية لتحديد إصابتهم.

يفعّل الخوف، المترافق مع نزعة وطنية شديدة، الفزّاعات، تلك الأشكال التي تحضر في المخيّلة، تدّعي ردّ مصدر الخوف وفي ذات الوقت تخيفنا نحن، لكن المثير للاهتمام فيها، أنها كرنفالية، أي تمتلك خصائص الهزل والضحك، هي تجليات للرعب من موت يهددنا جميعاً دون أن نستطيع الوقوف بوجهه.

يستعيد آجيه، حين الحديث عن الفزّاعات، مفاهيم ميخائيل باختين حول رابليه والعصر الوسيط، فالأخير وجد في العملاقين غارغانتوا وبانتاغرويل مثالين على الفزّاعات الغروتيسك، ذات الأجساد المضحكة والمخيفة، والتي تظهر بسبب خوف كوني، يتجلى أولاً في الرعب من العقاب الرباني، وثانياً في الأوبئة التي كانت منتشرة في تلك الفترة.

الاختلاف عن العصور الوسطى الآن هو غياب الكرنفال، فالفضاء العام مغلق بأوامر سيادية، والمخيّلة والواقع في تداخل دائم، المضحك والمخيف، المقنّع والحقيقي ملتبسان، فأين هي فزاعة الخوف الآن التي يهزأ فيها المتخيّل رعباً من خطر يهدد الواقع، بل هل هي فعلاً فزّاعة، أم أن هناك صورة يفعلها الخوف، تمتد خارج الثقافة الشعبية وتظهر ضمن الجدي والرسمي، نراها من منازلنا ولا حاجة لنا للبحث عنها في الحواف أو الشوارع، صورة متقنة ونظيفة تختلف عن العملاقين سابقي الذكر؟

الرجل بلا قناع

القناع (الآن) علامة على الانصياع للاستثناء، ومازالت أهميّته أو جدواه محط جدل، ما دفع البعض إلى الدعوة إلى مقاضاة من يقول إن القناع بلا فائدة، بتهمة الترويج لنظرية المؤامرة. هذه العلامة حوّلت من بلا قناع إلى مصدر للخطر حين نراه خارجاً، هو يعرّض نفسه والجميع لاحتمالات العدوى، لكن ألا يظهر الهزل هنا في هذه الصورة؟

إن افترضنا أن من لا يؤمن بجدوى القناع من أتباع نظرية المؤامرة، فمن يضعه يؤمن بالعكس، والأهم أن أتباع نظرية المؤامرة دائماً محط الضحك من ترامب وأتباعه إلى المؤمنين بالأرض المسطحة. المفارقة أننا نرى في إحدى المجلات البحثية، ضمن العدد الحالي المعنون بـ "القوة في زمن الوباء"، نصين للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغيمبين، الذي تحول بعد الجائحة إلى الفيلسوف الذي تحققت بشارته بهيمنة الاستثناء كالمحرك الرئيسي للسيادة السياسية.

يشير الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغيمبين في كتاب له منشور هذا العام بعنوان "المملكة والحديقة"، إلى أن القديس أوغسطين تعمد إساءة قراءة أحد النصوص الدينية اللاتينية، ليثبت نظريته عن مملكة الرب والخطيئة الأصلية، متهماً الإنسان بأنه مذنب دوماً، منذ خلقه

المثير للاهتمام أن أغيمبين لا يضع قناعاً في الصورة التي أنجزها Pat Fjeld، بل يظهر الوحيد المرتاح في الجلوس على طاولة الحوار. يلمس وجهه، ويضع يداً على الطاولة التي من المفترض أنها مرتع للجراثيم أو ربما هي شديدة التعقيم. يمكن القول إن هذه الصورة سخرية من الكمامة بوصفها "غيميك"، أو من أغيمبين نفسه، ألا يخاف من العدوى، أم أن خطر الاستثناء قادر على طمس أعين المؤمنين به و "أعدائه" على حد سواء؟

يشير أغيمبين في كتاب له منشور هذا العام بعنوان "المملكة والحديقة"، إلى أن القديس أوغسطين تعمد إساءة قراءة أحد النصوص الدينية اللاتينية، ليثبت نظريته عن مملكة الرب والخطيئة الأصلية، متهماً الإنسان بأنه مذنب دوماً، منذ خلقه.

في سياق آخر، يذكر الثعالبي في "فقه اللغة"، أن "كل حديقة ذات سور، وإلا هي بستان"، هذا التسوير الذي تخضع له "الحديقة" يحمي من في داخلها، ويمنع من هم في الخارج، ما يعني أن ملذات داخل السور وأسراره، سياسية، كونها ممنوعة عن الخارج، وهنا أعود بسخرية وسماجة لأغيمبين، هل يقف ضمن حديقة مسوّرة تحميه من الفيروس، أم أن هناك خطأ متعمداً يمارسه أغيمبين، يتركه أشبه بمُبشر بلا كمامة بانتظار حتفه خارج "حديقة اللاستثناء"؟

مثيرة للفزع صورة أغيمبين ببساطة، لأنه يمكن أن يظهر كمؤمن بنظرية المؤامرة، وبأن كل ما يحدث ليس إلا كذبة هدفها الهيمنة، صحيح هو يقدم حجج تقول إن الإجراءات الآن تصلح لحرب خارجية لا لمحاربة فيروس، لكن أليس مضحكاً أنه مستعد للمخاطرة بذاته لأجل نظريته؟

أليس مفزعاً أن نرى رجلاً بلا قناع وألا يكون من أنصار المؤامرة؟

المخيلة الهزلية هنا حولت أشد النماذج جدّية إلى مؤمن بالمؤامرة، جعلته كشخص يمكن أن يظهر كأحمق بالنسبة للكثيرين، بالرغم من أهميته وجدية عمله البحثي الذي يشير إليه آجيه نفسه في الكتاب السابق.

انتقام "الأرض" النوستالجي

أبرز آثار الخوف الكوزموبوليتاني علينا كانت سرعة تلاشي الزمن السابق، إذ لم يعد "ما قبل" الوباء واضحاً في الذاكرة، ومع فشل الإجراءات الصحية، وجد البعض، كما في البرازيل، أن ما يحدث غضب رباني، ومن سيموت فسيموت. الأرض غايا تعيد التوازن لذاتها، فلا تقع المسؤولية على أحد، والحل هو بالصلاة ودفع الشيطان بعيداً بالنية الصالحة.

المضحك والمأساوي هنا أننا أمام إنكار للكارثة، وإخلاء لمسؤولية الأفراد والحكومة، إي أن المسؤول عما حصل هو الأرض، ذاك الكيان الواعي والطبيعي الذي يلقننا درساً، أو الرب الغاضب الذي يريد الانتقام من الخطّائين.

المرعب هو حين نرى رئيس البرازيل، يعانق ويصافح ويدعو الله الشفاء، هي ليست صورة متخيّلة، بل واقعاً حقيقياً، نرى نسخته المتخيّلة في صورة نشرتها صحيفة الاكسبريس الفرنسيّة لـ Alexandra Espanaيظهر فيها رئيس البرازيل بولسونارو، عملاقاً ينظر إلى السماء، مبتسماً بلا كمامة، على يمينه الشعب البرازيلي بلا كمامة يلوّح بالأعلام، وعلى يساره أشخاص مجهولون يضعون الكمامات ويتعجبون مما يرونه، والفاصل بينهما، أي بين الجمعين، تمثال يسوع المخلص، الذي ينظر إلى البرازيليين ويعطي ظهره للغرباء.

 قضى 236 ألف في البرازيل بسبب كورونا، وكان تفسير رئيس البرازيل الوحيد لهذه الفاجهة أن الله غاضب والأرض مضطربة، ولا بدّ من الصلاة إلى جانبه، كي نعود إلى زمن "الما قبل"، الزمن الجميل والصحّي الذي نتوق له

أما بولسونارو، فأكبر الجميع، يصل رأسه حد الغيوم، يرى ما في الأعلى وما في الأسفل. الهزل هنا، أن عملاقاً أحمقاً وبكلّ جدية ودون أي غروتيسكية، يهدد حياة الآلاف، إذ قضى 236 ألف في البرازيل التي يرى رئيسها أن الله غاضب والأرض مضطربة، ولا بدّ من الصلاة إلى جانبه، كي نعود إلى زمن "الما قبل"، الزمن الجميل والصحّي الذي نتوق له.

سخرية المناعة القمعية

تنتشر أقاويل ساخرة بين بعض السوريين مفادها بأنهم لن يصابوا بكورونا، أو أن الأعراض أقل ظهوراً عليهم، والسبب هو اللقاحات الإجبارية التي تُؤخذ في الصغر في سوريا، ويضيف البعض أنه "بسبب كثرة الخرا الذي أكلناه، أصبح لدينا مناعة، ضد كل شيء"، بالطبع لا يوجد أي دليل طبي على هذا الكلام، وسوريا متأثرة بالفيروس كباقي البلدان. لكن المخيف في الموضوع، أن الصور التي تسربت من سوريا عن مراكز الحجر الصحي تبدو و كأنها معتقلات أو سجون، تلك التي لا يمكن الجدل في سمعتها في الحالة السورية، الأهم أن الكثيرون رفضوا الذهاب إليها بسبب رداءة الشروط الصحيّة فيها.

المفزع ضحكاً في هذه الحالة هو حين نسمع بشار الأسد يقول: "قمنا بشكل سريع وفوري بسلسلة مدروسة من الإجراءات لحماية المواطنين، بما في ذلك فرض الحظر الجزئي في عموم البلاد".

"عاجل: تسجيل انتشار سريع لفيروس الحبّ مع اقتراب موعد عيد الحب"

كلمة حماية المواطنين أشبه بنكتة في سوريا، حمايتهم ممن، ومن أي خطر بصورة دقيقة؟

ربما هنا أبالغ، ولا يوجد فزّاعة تتمثل بـ "السيد الرئيس"، لكن لننظر إلى إعلان شركة الاتصالات MTN في سوريا : "عاجل، تسجيل انتشار سريع لفيروس الحبّ مع اقتراب موعد عيد الحب"، الهزل في التعامل مع الفايروس واستخدام لفظة "الحب" التي تفترض على الأقل لمسة من نوع ما مخيف، خصوصاً أن المخاطرة هنا في سبيل "الحب"، تحمل في طياتها احتمالات العدوى بمرض لا دواء له، ضمن بلد يرفض فيه المصابون الذهاب إلى مراكز الحجر الصحي، بل يستنجدون بأن ينقذوا من هذه المراكز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard