شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ارقص/ي فرحاً وحزناً... كيف نرقص بدون خوف أو خجل؟

ارقص/ي فرحاً وحزناً... كيف نرقص بدون خوف أو خجل؟

حياة

الخميس 14 مايو 202006:47 م

من بين أغرب الأشياء التي يقوم بها الأفراد، هو التجمع والانصهار في مجموعات كبيرة وتحريك أذرعهم وأرجلهم بطرق معقدة، على وقع الأصوات الإيقاعية للطبول، القيثارات، الهتاف والصراخ، فيندمج الفرد في لحظات الرقص هذه لدرجة "الانفصال عن الذات" و"انخطاف الروح"، بحيث أنه ينسى من هو ومن أين أتى، أصله، فصله، مهنته وسماته الشخصية، فيخلع عنه رداء التحفّظ والخجل ويطلق العنان لروحه وفكره وجسده.

ولكن في المقابل، نلاحظ أن هناك أشخاصاً يمنعون أنفسهم عن الرقص وهز الوسط وشد الخصر، بسبب خوفهم العميق من فكرة الاستسلام لمشاعرهم أمام الآخرين، وبخاصة أمام الغرباء، فيكتفون بالجلوس ومراقبة الغير، أو يقفون بخجل الى جانب حلبة الرقص، حيث يصفقون ويدندنون، إلا أن "الرعب" يسيطر عليهم طوال الوقت، خشية أن يطلب منهم أحد الانضمام للرقص، وهكذا يتسلحون مسبقاً بسلسلة من الأعذار، التي تبدأ بالتعب ولا تنتهي بأوجاع المفاصل وآلام الرأس والبطن...

بالطبع، ليس الهدف من هذا المقال هو حثّكم على تعلم الرقص "على أصوله" كالمحترفين، بل تذكيركم بأن الرقص "العفوي" والمتفلّت من القواعد هو شيء نريده فعلاً، وذلك لإطلاق العنان لأجسادنا الحرة، وتحرير روحنا وأفكارنا بشكل يسمح لنا بالحدّ من موجات الكآبة والإجهاد والتوتر، بخاصة في ظل هذه الظروف الحياتية الصعبة التي نمر بها جميعاً.

فلسفة الرقص

في كتابه Thus Spoke Zarathustra(هكذا تكلم زرادشت)، لخّص الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أفكاره الفلسفية، واصفاً هذا العمل بانه "دهليز فلسفته".

تقوم فلسفة نيتشه على تغليب الجسد ليكون مركزاً في تفاعل الإنسان مع وجوده، كما أنه تناول مفهوم الرقص ليعبر عن "الإنسان القوي" وعن "معرفة الوجود المرحة".

ونظراً لكون زرادشت هو "الإنسان الأعلى" فقد نادى من أعالي الجبال: "إن الجسد السليم يتكلم بكل إخلاص وبكل صفاء، فهو كالدعامة المربعة من الرأس حتى القدم، وليس بيانه إلا إفصاحاً عن معنى الأرض. ما الجسد إلا مجموعة آلات مؤتلفة للعقل. ما يجب أن أومن به يجب أن يكون راقصاً".

وبالتالي فإن الرقص بالنسبة إليه هو أساس الإنسان وتحدٍ لرتابة إيقاع الوجود، كما أنه منذر بالخطر، لكون الأقدام الرشيقة التي ترقص هي الأقدام التي تجرّ الجيش وتقرع طبول الحرب.

لنعدّ كل يوم يمر بنا من دون أن نرقص فيه ولو مرة واحدة يوماً مفقوداً

في تحليلات نيتشه في مجالات الفنون والموسيقى الكلاسيكية والرقص، هناك ارتباط واضح بالجسدانية وبالإرادة، معتبراً أن الذوق والألوان والمسائل الفنية جزء من إرادة الإنسان الحي، وهي التي تميّز الإنسان الأعلى عن الإنسان الأدنى.

وبحسب نيتشه، فإنه من خلال التعبير الجسدي الراقص تتجلى الأنانية الواضحة بوصفها "الفضيلة": "ما الجسم المرن الذي ينطوي على قوة الإقناع إلا كالراقص الذي يرمز بحركاته عن مسرّة نفسه، وهل المرح الأناني في مثل هذه الأرواح والأجساد إلا الفضيلة بعينها".

باختصار ما يريده نيتشه من الإنسان هو التالي: "من الرجل والمرأة أن يكونا أهلاً للكفاح، وأن تكون المرأة أهلاً للولادة، وأن يكونا أهلاً للرقص"، مضيفاً: "لنعدّ كل يوم يمر بنا من دون أن نرقص فيه ولو مرة واحدة يوماً مفقوداً، ولنعتبر كل حقيقة لا تستدعي ولو قهقهة ضحك بياناً باطلاً".

نشوة الرقص

تنظر معظم الثقافات إلى الرقص على أنه شكل من أشكال التمارين الجسدية التي تساهم في تحسين حالتنا النفسية، بمعنى آخر، إن الرقص يشمل العديد من الفوائد النفسية والجسدية، بخاصة في حال كنّا نرقص مع الآخرين، لكون ذلك يسمح لنا بتجاوز تفردنا والاندماج في وحدة أكبر وأكثر ترحيباً.

كان اليونانيون القدماء، بمعظمهم، متعبدين للفكر العقلاني، وبالنسبة إليهم كان الإله أبولو يجسّد التفكير والصواب والحكمة، ومع ذلك فَهِم الإغريق أن الحياة المكرّسة فقط لصفاء العقل يمكن أن تسبب للمرء "الجفاف" والوحدة، وبالتالي حاولوا تبديد قلقهم مع إقامة مهرجانات بشكل منتظم، تكريماً لاله مختلف تماماً وهو ديونيسوس الذي أحب السهر والموسيقى والرقص، فكان ملهم طقوس الابتهاج والنشوة.

من خلال "نشوة الرقص" نتذكر ماذا يعني الانتماء، وكيف نكون جزءاً من شيء أكبر من أنفسنا، كما نتعلم كيفية التخلي عن ذاتنا وأنانيتنا لكي نتحد مع الإنسانية

والواقع، إن الشعب الإغريقي أدرك تماماً أنه كلما كنا أكثر عقلانية، كلما كان من المهم في بعض الأحيان أن ندفع أنفسنا نحو الإيقاعات الصادرة عن الطبول وغيرها من الآلات الموسيقية.

واللافت أنه خلال مهرجانات ديونيسيوس، التي تقام في أثينا في شهر مارس من كل عام، حتى أكثر أفراد المجتمع تحفظاً، ينضمون الى الرقص العفوي الذي يستمر حتى طلوع الفجر.

وبهدف وصف هذا النوع من الرقص العفوي والحرّ، فإنه في الغالب يتم استخدام مصطلح "نشوة"، إذ إن كلمة Ecstatic مشتقة من كلمتين لاتينيتين: ex (بمعنى منفصل) وstasis (بمعنى الوقوف) ما يشير إلى الحالة التي نكون فيها منفصلين رمزياً عن أنفسنا، ومجردين من الطبقات الكثيفة التي تعيقنا في العادة، فنعود إلى طبيعتنا البشرية المشتركة.

وبالتالي، من خلال "نشوة الرقص" نتذكر ماذا يعني الانتماء، وكيف نكون جزءاً من شيء أكبر من أنفسنا، كما نتعلم كيفية التخلي عن ذاتنا وأنانيتنا لكي نتحد مع الإنسانية.

كسر حاجز الخوف

مرّ الرقص بالعديد من المحطات عبر التاريخ، فبعدما نشأ في أحضان المعابد وكان مرتبطاً بالتواصل الروحي مع الله، أصبح وسيلة أساسية للتعبير عن حالات الحزن والفرح وغيرها من المشاعر التي يعجز اللسان أحياناً عن وصفها بالكلمات.

وفي عصر الحداثة، تم تخصيص أرضية خاصة للرقص: الديسكو والملاهي الليلية، وهي اتجاهات علّمتنا كيف نكونcool ونتماشى مع صيحات الموضة ونميل إلى أنواع معيّنة من الموسيقى، ولكنها في المقابل عززت التوجه نحو الوحدة والعزلة بدلاً من تفكيكها.

في الواقع، بات الإنسان الحديث يقضي الكثير من وقته في الخوف من نظرات الآخرين وألسنتهم التي لا ترحم، فيحجم عن القيام بمجموعة من الأنشطة بالرغم من رغبته الداخلية، أما الحل فيكون عن طريق التحرر من جميع القيود والموروثات الاجتماعية، وتقبل فكرة أننا بشر غير معصومين عن الخطأ، وهذه "البلاهة"، على حدّ قول البعض، هي سمة من طبيعتنا التي توحدنا على الفور مع أي شخص آخر يعيش على هذا الكوكب.

وبالتالي نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لاستعادة دور الرقص وفوائده التي لا تحصى، إلا أن العدو الأكبر في هذه المعركة يبقى الخوف من نظرة الآخرين ومن رأيهم بشأننا، إذ تولد لدينا أحياناً الخشية من أن نرقص أمام أحد، وأن نبدو في نظره كالحمقى.

والنقطة هنا هي أن نتقبل بحسن نية الفكرة التي تقول بأن الرقص ضمن مجموعة ما هي إلا فرصة لنخرج بها عن طورنا، ونبدو على طبيعتنا من دون أقنعة، بصحبة الأفراد الآخرين الذين بدورهم يقومون بهز أجسادهم من دون خجل أو خوف.

في حديثه مع موقع رصيف22، تحدث الأخصائي في علم النفس هاني رستم، عن مفهوم "الرقص العفوي"، مشيراً إلى أن العفوية في التعبير الجسدي هي ميزة نراها بشكل خاص لدى الأطفال الذين يتحركون ويعبرون من خلال جسدهم بشكل فطري.

وأوضح رستم أنه مع مرور الوقت والتقدم في العمر، يدخل "صوت المجتمع" الذي يملي علينا تصرفاتنا ويحدد لنا ما هو المسموح والممنوع: "بيصير صوت المجتمع يقلنا أنو البنت لازم تمشي بطريقة معيّنة، ولازم تقعد وما تفتح رجليها والشب ما لازم يحط رجل فوق رجل... وغيرها من Stereotypes (الصور النمطية) يلي بينحطوا فيها الأشخاص وبتقيدلن العفوية تبع جسمن".

من هنا اعتبر هاني أن إملاءات المجتمع تؤثر سلباً على ليونة الجسد وتخلق نوعاً من الصرامة والقسوة: "هيدي الصور النمطية بتخلق Rigidity (قسوة) بجسم الأشخاص قد ما يكونوا physically fit (لياقة بدنية) لأنو مرتبطة مع الأفكار المسبقة الموجودة براسن عن شو يعني يكونوا عم يتحركوا".

وفي سياق متصل، نوّه رستم بأننا نعيش في حالة من الازدواجية في مجتمعاتنا العربية، فمن ناحية هناك قيود مفروضة على تحركات جسدنا في ظل وجود الكثير من التابوهات، بالأخص لناحية التمييز الجندري: "بالنسبة للبعض، الرقص العفوي بيشكل تابو عند الشباب، لأنو مفروض الرجل يكون محارب وتكون حركاتو مدروسة ومش عفوية"، ولكن من ناحية أخرى أوضح هاني أنه لطالما تم ربط الرقص الشرقي بفن الإغراء والإغواء، بالإضافة إلى ربطه بفكرة التزاوج وإعجاب الطرف الآخر.

هذا وشدد هاني رستم على أن الرقص العفوي ما هو إلا وسيلة مهمة للتحرر وذلك لكونه يحرر الجسم بعيداً عن المنطق الفكري، الأمر الذي يريح النفس من الضغوطات: "وقت الجسم يتحرك مع الموسيقى، بيصر في حالة من الshutdown (التعطيل) للدماغ ومنروح للجسم البدائي يلي عندو ذاكرة وبيعرف شو بدو، وهون فينا نستخدم Dance Therapy (العلاج بالرقص) مع الأشخاص يلي بعانو منTrauma (صدمات نفسية)"، وأضاف قائلاً: "الرقص بيخلينا نرّجع الليونة لجسمنا من دون ما نخلّي المحاكمة العقلية هي يلي تتحكم فيه... العفوية كلمة مفتاحية بكيف نحنا منتحرك، الشي يلي بيسلبنا ياه المجتمع وبرجعلنا ياه الرقص".

احتضان المشاعر

"عندما أرقص لا أستطيع الحكم، لا أستطيع أن أكره، لا أستطيع أن أفصل نفسي عن الحياة، لا يسعني إلا أن أشعر بالسعادة والشعور بالامتلاء"، (هانز بوس).

يوفر لنا الرقص فرصة أساسية للتصرف بشكل عفوي وحر على مرأى من الآخرين، وهكذا يمكننا أن نتخلص من خجلنا ونحتضن مشاعرنا وأحاسيسنا، وبعد ساعة واحدة من القفز المحموم لن نكون قادرين على مضايقة الآخرين وإقناعهم بتفوقنا ومحاسبتهم على أخطائهم، ولن نقلق بشأن نظرة الآخرين تجاهنا، أو نأسف على بعض الأمور التي قلناها، وسوف تذكرنا هذه الآلام البسيطة في أطراف جسدنا بحقائق تضمن صحة عقلنا.

"عندما أرقص لا أستطيع الحكم، لا أستطيع أن أكره، لا أستطيع أن أفصل نفسي عن الحياة، لا يسعني إلا أن أشعر بالسعادة والشعور بالامتلاء"

وبالتالي كلما أتيحت لنا الفرصة لدعوة الآخرين من حولنا، بخاصة الأشخاص الجادين الذين نخجل منهم أو نسعى إلى إثارة إعجابهم، يجب علينا أن نتذكر الإله ديونيسوس، ونتجرأ على دعوتهم للرقص على أنغام الموسيقى التي نحب، فنفقد السيطرة على أنفسنا ونجعل أذرعنا تتمدد وأرجلنا تخبط على وقع الأنغام، ونفرغ رؤوسنا من المخاوف، فننسى وظائفنا، همومنا ومشاكلنا، ونحاول أن نندمج مع الكون ونتناغم مع الطبيعة.

واللافت أنه في غمرة الرقص قد نلاحظ وجود أشخاص خجولين، يقومون بدفع أذرعهم في الهواء ولوي أجسادهم بهدوء، ولكن بعد بضع أغان، سيبدأ شيء مذهل في الحدوث: سنشعر بأننا جزء من شيء أهم بكثير من أنفسنا، وبأننا أفراد من مجتمع داعم، تتوقف فيه أخطائنا وشكوكنا الفردية عن التأثير علينا بشدة ومعاقبتنا.

في الختام يمكن القول إن كل شي في الدنيا لديه إيقاع، فلنرقص حتى تهتزّ شجرة الحياة وتتساقط الثمار، إذ انه من خلال الرقص العفوي نتعلم أن نظهر ضعفنا أمام الآخرين من أجل أن نصادق أنفسنا ونصبح أكثر رأفة في تعاملنا مع الغير، ويبقى المهم أن نستعيد مفهوم "نشوة الرقص" المجنون والحر، الذي يتجاوز جميع القواعد والشروط من أجل أن نشعر حقاً بإنسانيتنا.

Website by WhiteBeard