"إمارة الخوف"... هكذا يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة

الاثنين 2 مارس 202012:51 م

لا يمكن العيش في مجتمع قطاع غزة دون أن تجبر نفسك على الخوف. هو إلزامي كالهواء والماء، بغرض عدم التعرض لأي أذى مادي أو معنوي.

الحال يسري على الموظف العمومي وموظف القطاع الخاص وحتى الشباب الجامعيين والمراهقين وغيرهم من أبناء الأسر الفقيرة التي تحصل على مساعدات بشكل دوري من مؤسسات خيرية أو رسمية.

وقبل كل هذا، هناك الخوف الدائم من اندلاع حرب إسرائيلية.

الخوف من إسرائيل

ترفض السيدة إيمان مناعمة (70 عاماً)، انتقاد الاحتلال الإسرائيلي أمام بعض كاميرات الصحافيين الذين يرغبون في إجراء مقابلات معها عن حياة أيام زمان ومخيمات غزة والاحتلال الإسرائيلي. تريد أن تتعالج في المستشفيات الإسرائيلية وفي الضفة الغربية، وتخاف من خسارة ذلك.

إحدى صديقاتها، في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة، تلقّت رفضاً أمنياً منعها من عبور إسرائيل للوصول إلى أحد مستشفيات رام الله، لأنها كانت تتحدث للإعلام ضد الجيش الإسرائيلي، وقد حذّرتها من أن تستجيب للصحافيين.

لا يتوقف خوف الغزيين على رفض إسرائيل منحهم تصريحات للدخول إلى أراضيها، فالخوف الأول يبقى من شنّها حرباً عليهم، وهو خوف لا يمكن نسيانه إذ تذكّرهم به أصوات طائراتها الاستطلاعية التي تحلّق في أجواء القطاع المحاصر.

وعدا إسرائيل، هناك مخاوف أخرى حاضرة في قلوب الغزيين وتتعلق بالقلق الدائم على خسارة مصادر أرزاقهم والمساعدات التي يتلقونها، إلى جانب قمع حرياتهم.

الخوف على الرواتب

بدأت موجة الخوف في قطاع غزة مع أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2007، خصوصاً مع تصاعد الانتهاكات المرتكَبة وقمع الحريات من الأجهزة الأمنية التي سيطرت عليها حركة حماس، لدواعي سياسية ولفرض سلطتها. ودخل الخوف نفوس الموظفين العموميين التابعين للسلطة الفلسطينية الذين يلزمون الصلاة في المساجد التي تقع معظمها تحت سيطرة حركة حماس.

قُطعت رواتب عدد من موظفي غزة التابعين للسلطة بحكم اختلاطهم مع عناصر حركة حماس في المساجد التي تقع نسبة كبيرة منها تحت سيطرتها، فتشكلت أول شرارة خوف حقيقية عند نحو 65 ألف موظف غزي تابعين للسلطة، يُعتبَرون المحرك الأساسي للعجلة الاقتصادية المحلية في غزة.

منهم مَن استطاع إقناع بعض أصحاب النفوذ في الضفة الغربية بعدم انتمائه لحركة حماس فأعيد راتبه إليه وآخرون انخرطوا مع حركة حماس وتم تعيينهم من قبل حكومتها. لكن ما حصل خلق حالة من خوف الموظفين على رواتبهم.

أصبحت ظاهرة الخوف من قطع الرواتب أمراً واقعاً. يُقطع الراتب في حال معارضة الموظف لمؤسسات الرئاسة الفلسطينية أو تأييده للتيار الإصلاحي الديمقراطي التابع لمحمد دحلان، خصم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ويُعرّض الموظف التابع لحكومة غزة التي تسيطر عليها حركة حماس نفسه لعقوبة أو لفت نظر إذ انتقد الحركة، وهو ما حصل مع البعض منهم، وذلك في ظل عدم تلقيهم رواتبهم الكاملة على مدار السنوات الخمس الأخيرة.

جمال النجار (43 عاماً) هو أحد الذين قطعت السلطة رواتبهم، في شباط/ فبراير 2019، وتبيّن أن السبب هو تلقيه مساعدة من جمعية خيرية يدعمها دحلان. هو يعيش في حالة فقر شديد، كما يقول، ولديه ابن من ذوي الإعاقة الحركية، ويدفع عبر راتبه قروضاً مصرفية حصل عليها قبل سنوات لبناء منزله المتواضع في مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، ولا يبقى من راتبه سوى 100 دولار.

وسبق أن قطعت السلطة الفلسطينية راتب شقيق النجار زياد (38 عاماً)، بعد أحداث الانقسام الفلسطيني، وأعيد راتبه له بعد عام من ذلك، لكن مطلع العام المنصرم قُطع مجدداً نتيجة شكوك في أنه يؤيد دحلان، ويشارك في فعاليات تُقام تحت اسم التيار الديمقراطي الإصلاحي في حركة فتح.

يقول جمال النجار: "الأحزاب في غزة جعلتنا نفرّق بين بعضنا البعض خوفاً من أن يقدَّم تقرير كيدي ضد الشخص أو أن يُصنّف في جماعات الخصوم السياسية"، ويضيف: "أنا أكره السياسيين. لم أرفض المساعدات الإنسانية لأنني محتاج بالفعل وأعيش فقراً حاداً الآن، لكن في الواقع الحالي حتى المساعدة الإنسانية تم تسييسها للأسف، وكثيرون مثل حالتي وقعوا ضحية خلافات سياسية".

وذكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في شباط/ فبراير 2019 أن السلطة الفلسطينية قطعت رواتب أكثر من 5 آلاف موظف مدني وعسكري في غزة بذريعة مناصرتهم وانتمائهم للتيار الإصلاحي في حركة فتح وحركة حماس والجهاد الإسلامي، ليُضافوا إلى عشرات الآلاف الآخرين الذين قُطعت رواتبهم بعد أحداث الانقسام، عام 2007، وخلال السنوات التي تلتها.

وفي بداية تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، انتقد أحد عناصر شرطة غزة حركة حماس بسبب عدم جديتها في حماية حقوق الموظفين في غزة ودخولهم في السنة الخامسة على التوالي بدون تقاضي رواتبهم بالكامل، وتحدث لرصيف22 طالباً عدم ذكر هويته عن أنهم يرزحون تحت عبء ديون وقروض، ولكن في المقابل يُطلب منهم القيام بأعمالهم الوظيفية بانتظام.

في صباح اليوم التالي، تلقى لفت نظر، وعرض على لجنة تحقيق بحجة التقصير الوظيفي وأجبر على تقديم تعهد بعدم كتابة منشورات وإلا عرّضَ نفسه للمساءلة القانونية.

يقول: "نعم نحن نعيش في مستنقع خوف، القوي هو مَن يخيف في غزة، لا أخفي انتمائي إلى حماس المقاومة وليس حماس الحكومة، أشعر بحسرة أنني مضطر للعيش رقيباً على نفسي وكلامي حتى لا أعرّض وظيفتي للخطر".

الخوف من قطع المساعدات

في الشارع الغزي، لا يخفي أحد خوفه. بائع سكاكر يبلغ من العمر 36 عاماً، ويعمل في شارع عمر المختار، أشهر شوارع قطاع غزة، تحدث لرصيف22 ولكنه طلب عدم إظهار اسم عائلته على الإعلام، والسبب الخوف من خسارة "شيك الشؤون الاجتماعية" وهو عبارة عن مبلغ مالي مخصص من وزارة التنمية الاجتماعية للأسر الفقيرة في القطاع.

يَعتبر البائع الذي قررنا عدم إظهار اسمه بالمرة أن ظهور اسمه على الإعلام سيكشف أن لديه مصدر عمل ويمكن لأحد موظفي وزارة التنمية الاجتماعية معرفة ذلك، ما يؤدي إلى قطع الشيك عنه.

هو ليس الوحيد في تلك الحالة. بالقرب منه، في ساحة الجندي المجهول، وسط قطاع غزة، بائع مشروبات ساخنة لا يريد هو الآخر إظهار اسمه الحقيقي، لنفس السبب. طلب أن يعرّف التقرير عنه بالـ"المواطن المقهور".

يقول المواطن المقهور لرصيف22: "في الساحة نجد المتسولين والموظفين والطلاب والشباب العاطلين عن العمل والشابات اللواتي لا يمتلكن تكلفة التنقل وغيرهم. الكل خائف على قطع مصدر رزقه. الموظف يخاف من قطع راتب السلطة، وموظف حماس أيضاً يخاف على منصبه، وأنا أخاف من قطع شيك الشؤون الاجتماعية وغيري من قطع المساعدات عنهم والطالب يخاف من قطع رزق والده. لا يعيش الشجاع في هذا البلد. مَن يريد أن يعيش شجاعاً عليه أن يهاجر".

"نعيش في مستنقع خوف. القوي هو مَن يخيف في غزة. لا أخفي انتمائي إلى حماس المقاومة وليس حماس الحكومة. أشعر بحسرة أنني مضطر للعيش رقيباً على نفسي وكلامي حتى لا أعرّض وظيفتي للخطر"

يعتاش ربع مليون غزي على برامج التحويلات النقدية الدورية من وزارة التنمية الاجتماعية، حسب وكيل الوزارة في غزة يوسف إبراهيم. وتمنح الوزارة مبلغاً مالياً لكل أسرة، كل ثلاثة أشهر.

إلى جانب ذلك، هناك برامج أخرى مثل برنامج المساعدات المالية غير الدورية، وبرنامج الأمن الغذائي وبرنامج الأسر المحرومة. ويصل عدد المستفيدين من برامج الوزارة الإغاثية إلى أكثر من نصف مليون غزي.

ويعتمد أكثر من مليون غزي على مساعدات الجمعيات الخيرية، وهم نصف عدد سكان القطاع البالغ أكثر من مليوني مواطن.

ثقافة الخوف

يعتبر الاستشاري في الطب النفسي والعصبي، الدكتور فضل عاشور، أن حال الخوف التي ترافق الغزيين تحتوي على تناقض. يقول إنهم خائفون من تغيير الوضع القائم ومن بقائه أيضاً، وإنه في ظل سيطرة حماس على السلطة في غزة، يعرف الكل أن تغيير الوضع القائم لا يمكن أن يتم إلا عبر عملية قهرية ثمنها الدم، وهنا مكمن خوف الغزي من التغيير، ويلخص ذلك بأن غزة أصبحت "إمارة الخوف".

لكن السبب الأساسي في سيادة حالة الخوف هو قيام الأحزاب الفلسطينية بتأسيس قواعد اجتماعية مصلحية ومالية مع الناس، ما يعني أن مصادر أرزاق أسر كثيرة مرتبطة باستمرار نشاط الأحزاب السياسية الموجودة، ولذلك هناك خوف من خسارة هذه الأرزاق، حتى لو سحقت الأحزاب آراء الغزيين.

يقول عاشور إنه يلاحظ ذلك من خلال معاينة الكثير من الحالات النفسية إلى جانب مشاهداته للحالة العامة للناس، ويؤكد أن أخطر أنواع الخوف هو الخوف من الحرمان من مصدر الرزق.

ويرى عاشور أن الخوف صار ظاهرة متوارثة بين أبناء الشعب الفلسطيني منذ النكبة، عام 1948، إذ يعيشون حالة قلق مستمر وعدم اطمئنان للقادم، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وتوارثت جميع الأجيال التي أعقبت النكبة "الشعور بالخوف"، باستثناء مرحلة وجيزة سادها الأمل، عقب توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

يقول استشاري في الطل النفسي إن أهالي غزة "خائفون من تغيير الوضع القائم ومن بقائه أيضاً"، ويخلص إلى أن "غزة أصبحت "إمارة الخوف"، بينما يقول "المواطن المقهور": "لا يعيش الشجاع في هذا البلد. مَن يريد أن يعيش شجاعاً عليه أن يهاجر"

ويقول: "الخوف داخل المجتمع من نفس بعض كتل المجتمع هو أمر لم يكن موجوداً في السابق. لا نختلف عن الكثير من المجتمعات العربية، لكن الخوف في قطاع غزة يُعتبر الأعلى بين كل المجتمعات في العالم. فحتى هناك تخوّف من كل شيء إيجابي يحصل مع المواطن في غزة، لأن العقل الغزي يفكر بأن أي تغيير يحمل مخاطر. ومجتمع غزة الآن يتجه إلى القلق أكثر ونتج عن ذلك عدوانية وتطرف".

إزاء هذا الواقع، هناك خياران أمام الناس، برأي عاشور: "إما قتال اليأس أو الاستسلام". ويذكر أنه في عام 2006 كانت ميول الناس للأيديولوجيا الدينية، لكن في الوقت الحالي اختلف الأمر خصوصاً عند الشباب الذين يتمردون عليها.

ويشير إلى أنه في مجتمع غزة توجد جميع أنواع الأمراض النفسية وأكثرها القلق الذي يُعتبر قلقاً عاماً، وهناك أشخاص أقبلوا على إدمان على المخدرات كوسيلة للخروج من القلق.

الكوميديا السوداء عند الشباب

كثيرون من شباب غزة بدأوا يعبّرون عن آرائهم عبر متنفسهم الوحيد: وسائل التواصل الاجتماعي، بطرق التفافية على الواقع الغزي وسياسة الحاكم. ترافق تلك المنشورات مصطلحات إيحائية بطرق ساخرة، يستخدمونها لعدم التعرّض للأذى والاستدعاءات.

حسن جمال، باحث وناشط في المجتمع المدني، واجه استدعاءات أمنية في ظل قيادته حملات ضد تزييف الاحتلال الإسرائيلي للرواية الفلسطينية الدولية وضد بعض الانتهاكات الداخلية لحقوق الإنسان في غزة، ويعتبر أن الواقع فرض على الشباب الخوف من التعبير بحرية، ودفعهم إلى الخوف من المستقبل مبهم الملامح في ظل ملامستهم العدمية بين حياتهم.

يصف جمال العيش في قطاع غزة في العقد الأخير كنوع من الابتلاء الذي لا يتمناه أحد، ويقول: "الواقع القاتم والأفق المظلم يعززان الخوف في نفس الشاب ويخلقان ما يمكن تسميته متوالية الخوف، وهي كوكتيل مخاوف نتج عن واقع سياسي واجتماعي غير طبيعي: الخوف من عدم القدرة على الدراسة الجامعية أو الحصول على عمل أو الهجرة أو انتقاد السلطة الحاكمة التي يمكن أن تحرمك من السفر أو التوظيف".

يؤمن جمال بالكوميديا السوداء كشكل راقٍ من أشكال النقد، ويرى أنها أقل تكلفة من النقد المباشر، وتستخدم المواربة لوجود مخاوف متفاوتة من احتمال بطش النظام الحاكم في غزة، كما يرى.

يستخدم اسم دولة موزمبيق في منشوراته التي ينتقد فيها سلطات الأمر الواقع، ويعتبرها "كيس ملاكمة" يفرغ عليه ضرباته النقدية. لكن رغم ذلك تعرض عدة مرات للاعتقال السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard