المغربية مريم التيجي لرصيف22: "حلمت بالجهاد الأفغاني، واليوم أشعر بالحرية خارج النسق"

السبت 13 فبراير 202102:13 م

نادراً ما تُرْوَى قصة الحركة الإسلامية المغربية على لسان امرأة. لكن الروائية والأديبة مريم التيجي (1969) خرقت هذا العرف، فهي الشاهدة على محطات حاسمة لتنظيمات متشددة، وأخرى أضحت اليوم "إصلاحية"، تراوحت أحلامها ما بين "الجهاد الأفغاني" وما بين دولة "الخلافة" و"الثورة الإسلامية".

تاريخ المرأة مع الحركة الإسلامية يصلح أن يكون مُلخصاً لهذا المسار المضطرب للإسلاميين المغاربة، منذ الثمانينيات التي تشكل فيها وعي المرأة، قبل أن تقدم على مراجعات فكرية، أحدثت قطيعة معرفية بينها وبين التنظيمات المتشددة ونظرتها إلى مكانة النساء في المجتمع.

من زمن الخضوع إلى المراجعات الفكرية وتأليف كتب لتشريح الظاهرة الإسلامية، تحكي مريم التيجي تفاصيل قصة تصفها، في حديث مع رصيف22، بالزمن الذي كانت فيه "الحماسة" محركاً لاستقطاب آلاف الشباب إلى حضن الحركات الإسلامية، وأحياناً بمباركة السلطة. "كان الجو العام حماسياً، وكانت المهرجانات الخطابية التي ساندت الجهاد في أفغانستان تُنظّم في دار الثقافة وفي المسرح بالرباط، حتى الدولة حينها كانت تشجع على الذهاب إلى أفغانستان"، تسترسل مريم في حديثها.


حلم الجهاد الأفغاني

في هذه الظروف المشحونة بعاطفة التضحية والقتال باسم الله، تشكّل في ذهنها حلم "الجهاد الأفغاني"، الذي كان قاسماً مشتركاً بين كل الفتيات الملتحقات بالتنظيم السري "التَبَيُّن"، بالرغم من صغر سنهن. توضح مريم: "كنا يافعات ومندفعات، وكلما سمعنا أن أحدهم ذهب ليجاهد في أفغانستان، كنا نفرح ونتمنى لو كنا معه أو كنا مكانه، لأننا تربينا على أن أقصى ما يمكن أن يصله المؤمن ليعبّر عن إيمانه الخالص هو أن يجاهد في سبيل الله، وارتبط عندنا الإيمان بالتضحية".

تتحدث الروائية والأديبة مريم التيجي عن محطات حاسمة للحركات الإسلامية المغربية كانت شاهدة عليها بنفسها.

تعود البدايات الأولى لمريم التيجي في الحركة الإسلامية، إلى الثمانينيات من القرن الماضي، التي شهدت قمعاً واسعاً للحريات من طرف السلطة. كان تشبُّعُها بهذا الفكر المتطرف داخل الجلسات التربوية لجماعة "التَبَيُّن" بين "الأخوات الملتزمات"، وهي طفلة محجبة، لا يتجاوز سنها 13 سنة، التحقت، رفقة فتيات أخريات، بالحركة الإسلامية المتطرفة التي كانت تصف نفسها بالفرقة "الناجية".

تحت إشراف "الأخت المربية"، عكفت على حفظ القرآن وتدارس كتاب "رياض الصالحين" وفتاوى ابن تيمية. مجتمع مصغَّر جديد يدفع إلى شعور بالتميز عن باقي المجتمع، ويدعو إلى "أسلمة" الخطاب والزي وحتى المشاعر. فلا يجوز الحديث إلا عن أعراس إسلامية وعقيقة إسلامية، مع تحريم الاختلاط والموسيقى والرقص والغناء وحتى الذهاب إلى البحر، لأنها سلاح "أعداء" الإسلام.

تروي لنا مريم كيف دخلت عالم التدين واحتكّت بأشخاص سلفيين، لتتبنى قيماً مناقضة لما نشأت عليه داخل أسرتها "المتحررة". ففي الوقت الذي كان والدها يحمّلها مسؤولية تدبير النفقات الدراسية الخاصة بها وبأخواتها الست، كان عالمها "الإسلامي" الجديد يدعوها إلى الطاعة العمياء والانضباط، وإذا صدر أمر قيل إنه شرعي وفقهي، لا يجوز فتح نقاش حوله ويجب الخضوع له.

بالرغم من جوّ الإذعان السائد، كانت تصل لمريم أصداء فكر أكثر تطرفاً، لتطالب رفقة أخواتها في التنظيم مربيتهم بعدم الاكتفاء بحفظ القرآن وعدم الاعتماد على تفسير ابن كثير، ودافعن عن فكرة الانفتاح على كتب من قبيل "في ظلال القرآن" لسيد قطب.

تقول مريم: "تمرّدنا على طريقة تفسير القرآن، وتمرّدنا لكي ندخل مواد جديدة في الجلسة، وفي وقت متأخر لاحقاً تمكنا من إدراج دروس من الجهاد الأفغاني"، مسترسلة: "أعددت يوماً درساً أشبه ما يكون بالخطة العسكرية، لأن أرواحنا وعقولنا كانت في أفغانستان، وكنا نقرأ ما كانت تنقله المجلة الإيرانية 'العالم' من تفاصيل ميدانية عن الجهاد الأفغاني".


الإسلام أو الطوفان

في عام 1974، كتب عبد السلام ياسين رسالة "الإسلام أو الطوفان" التي وجهها إلى الملك الراحل الحسن الثاني. وأحدثت الكثير من الجدل، ودفعت إلى فرض الإقامة الجبرية على الرجل الذي أصبح أبرز وجوه الحركة الإسلامية في المغرب، وزعيماً روحياً لجماعة "العدل والإحسان"، الحركة الإسلامية الأكبر التي تحلم بالخلافة في المغرب.

بعد انسحاب مريم من جماعة "التبيّن" السرية، ووعيها بحكاية تنظيم "الشبيبة الإسلامية" وقائدها عبد الكريم مطيع الذي يتهم باغتيال المناضل والقيادي اليساري عمر بنجلون، لم تجد بديلاً غير جماعة "العدل والإحسان" التي بدأت في التردد على جلساتها. "هناك حيث وجدت نشوة الصخب"، بتعبيرها.

تعود البدايات الأولى لمريم التيجي في الحركة الإسلامية إلى الثمانينيات من القرن الماضي، التي شهدت قمعاً واسعاً للحريات من طرف السلطة. كان تشبُّعُها بهذا الفكر داخل الجلسات التربوية لجماعة "التَبَيُّن" بين الأخوات الملتزمات وهي طفلة محجبة لا يتجاوز سنها 13 سنة

تقول مريم: "أحببت 'العدل والإحسان' لأن بداخلها ذلك الصخب الذي يُعلن عن مناهضة النظام السياسي، ووصف الملك الحسن الثاني بالطاغوت في الشارع العام. أحببت كذلك علنية عمل الجماعة، والطريقة التي تعقد بها الجلسات التربوية والشهرية والتجمعات في الأحياء".

لكن لم يستمر انضمام الشابة "الملتزمة" داخل العدل والإحسان كثيراً، بعد اتهامها بأنها جاسوسة لصالح جماعة التبيّن "المسلّحة"، كما كان يقال عنها. هذه التجربة العاثرة لم تُثنِها عن البحث عن ملجأ جديد تمثّل هذه المرة في "الجماعة الإسلامية" بقيادة عبد الإله بنكيران، وكان حينها يحمل صورة المعارض للنظام، ما ألهم الشابة: "وجدت نفس الصخب الذي كنت أبحث عنه، وبعد مرور شهرين أو ثلاثة أشهر، بدأت أدعى لحضور لقاءات دورية في بيت عبد الإله بنكيران، التي كان يؤطرها هو وعبد الله باها".

تضيف: "كنت حينها مراهقة في بيت الزعيم، كان الأمر مثار حماس وتميز كبيرين، حينها بدأت رحلة البحث عن النفس من داخل الجماعة الإسلامية، التي غيرت اسمها إلى 'الإصلاح والتجديد'، لما بدأ النقاش الداخلي للقطع مع أدبيات الإخوان المسلمين في مصر".

الفاصل بين مرحلة الجماعة الإسلامية وحركة الإصلاح والتجديد في الحياة "الإيمانية" لمريم هو، على حد تعبيرها، أنه "لم تبق هناك حاجة لتقديم الجماعة الإسلامية لتنظيمها على أنه الحقيقة المطلقة وطريق الله والجنة والخير المطلق".

تمرّدنا على طريقة تفسير القرآن، وتمرّدنا لكي ندخل مواد جديدة في الجلسة، وفي وقت متأخر لاحقاً تمكنا من إدراج دروس من الجهاد الأفغاني. أعددت يوماً درساً أشبه ما يكون بالخطة العسكرية، لأن أرواحنا وعقولنا كانت في أفغانستان


نساء في الظل

قبل حصولها على شهادة البكالوريا سنة 1986، حظيت مريم بلقاءات منتظمة مع القيادة الوطنية. اقتربت من فلك الرجال، حيث يدور النقاش حول القضايا الكبرى المتعلقة حينها بـالعمل الدعوي والفقه الحركي. تأثرت بكتابات قيادات حركة الإصلاح والتجديد، بمن فيهم حينها، سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية الحالي، وعبد الله باها وأحمد العبادي ومحمد يتيم وآخرين، بالإضافات إلى كتابات التونسي عبد الفتاح مورو، ومحاضرات السوداني حسن الترابي.

في ظل هذا الحضور الذكوري الطاغي، كانت النساء غائبات كلياً. تقول مريم: "كنا ندرس كتب رجال حول الرسول، حينها تشكل عندنا الوعي بأن المثل هو الرسول وبعده الصحابة، وكلهم رجال، فتشكل عقلنا على أن المرجع في الدين هو الرجل. وكان مستبعداً أن نطرح السؤال عن غياب الإسهامات النسائية"، وتستطرد المتحدثة: "حين كانت تظهر لنا امرأة كنا نبحث عنها وتثير إعجابنا، فحين عرفنا لبابة الفضل السودانية، كنا نحتفل ونحتفي بها".

بالنسبة لمريم، لم يكن شكل التنظيمات الإسلامية يسمح ببروز قيادات نسائية، حتى على مستوى الكتابة، ففي الوقت الذي كانت قيادة حركة "الإصلاح والتجديد" لا تزال تقليدية، باستثناء أشخاص محددين، مثل عبد الله باها وبنكيران، تزعّم تيار "التجديد" داخل الحركة عددٌ من الشباب الطلبة، وبدأوا يفتحون نقاشاً جريئاً، باعتبار أن "العمل الطلابي مهيكل مثل الحركة، ولكنه كان فضاء أكثر انفتاحاً، بحكم الإضرابات عن الطعام والوقفات الاحتجاجية والمواجهات مع قوى الأمن، لكن الهاجس الشرعي بقي مهيمناً بخصوص مسألة الاختلاط المحرّم، فكانت ترفع في وجوهنا أحاديث نبوية من قبيل: لا يخلو رجل بامرأة، وهو ما لم تستطع القيادات تجاوزه حتى مع مرور الوقت". ولا تتردد الإسلامية السابقة في القول إن "العقل المتدين لديه مشكلة مع المرأة"، في أحد حواراتها الصحفية.


خيانة ومراجعات

بعد مسؤوليات في نقابات الطلاب والتنظيمات النسائية الموازية، وجدت الشابة نفسها في منتصف التسعينيات، أمام تصلب الحركة واستفراد قياداتها بالقرار. لم يكن اندماج حركة "الإصلاح والتجديد" مع تنظيم "رابطة المستقبل الإسلامي" سنة 1996، ما سمي حينها "الوحدة" بين التنظيمين، قراراً مقبولاً بالنسبة لجزء من الحركة، لأن "الطريقة التي جاء بها الإعلان كانت بمثابة صدمة كبيرة وخيانة لنا وانقلاب على المبادئ التي اجتمعنا عليها، وهي الديمقراطية والشفافية والحرية"، تقول التيجي.

كنا ندرس كتب رجال حول الرسول، حينها تشكل عندنا الوعي بأن المثل هو الرسول وبعده الصحابة، وكلهم رجال، فتشكل عقلنا على أن المرجع في الدين هو الرجل. وكان مستبعداً أن نطرح السؤال عن غياب الإسهامات النسائية، وحين كانت تظهر لنا امرأة كنا نبحث عنها وتثير إعجابنا

تتذكر أنه "تم إعلان الوحدة بين التنظيمين يوم 26 آب/أغسطس 1996، وهو تاريخ عطلة، توقفت فيه الأنشطة، وعاد كل الطلبة إلى مدنهم، فاتخذ هذا القرار الهامّ الذي أقصيت عنه بقية هياكل التنظيم، ولم يحدث أي نقاش داخلي بخصوصه، إلى أن تلقينا صدور الخبر في الجريدة كغيرنا من الرأي العام".

الشعور العارم بالحنق حينها دفع مريم وشباباً آخرين للانسحاب كـ "تعبير عن الغضب".


"نسوية إسلامية" هي الحل؟

جرت الكثير من المياه تحت الجسر منذ انسحاب مريم التيجي من الحركة الإسلامية التي التحق قياديوها وأتباعها "بحزب العدالة والتنمية"، والذي لمع نجمه وأضحى جزءاً من اللعبة السياسية في المغرب، وعلى رأس الحكومة منذ 2011. درست الفلسفة وألّفت قصصاً، وقررت أن تروي ما جرى بالتفاصيل في كتاب "رحلتي داخل الحركات الإسلامية"، الذي أصدرت منه جزءاً وستنشر أجزاء أخرى منه لاحقاً.

بالرغم من فكّ الارتباط التنظيمي مع الحركات الإسلامية، فهي تعتقد أن مستقبلاً أكثر ديمقراطية للأحزاب الإسلامية وفكراً أكثر تفتحاً داخلها، يمر عبر نساء هذه التنظيمات، اللواتي يملكن قدرة أكبر على نقد الصف الإسلامي وفكره المتشبث بقراءة أصولية للدين.

تقول في حديثها إن ما قرأته في جريدة "الصحيفة" المغربية بداية 2000، عن تصريح لقيادي يساري يتحدث عن الثورة الإصلاحية التي ستكون بقيادة نساء الحركة الإسلامية، بدا لها غريباً حينها، قبل أن تستطرد: "كنت أشكك في كلامه، وبعد مرور 20 سنة، فهمت ما يقصده، فأنا ابنة الحركة الإسلامية، وقادرة على القيام بمراجعات وأخذ مواقف متقدمة جداً على بعض الصديقات الحداثيات اللواتي تربين داخل أحزاب يسارية، لأن الذي لم ينشأ وسط التنظيم الإسلامي تبقى علاقته بما هو ديني علاقة عاطفية". هكذا لا تتردد المرأة اليوم في إبداء نقد لاذع لبعض المحطات في تاريخ الإسلاميين المغاربة، وتدعوهم إلى كشف تفاصيلها من أجل التاريخ.

اليوم كما تقول هي مؤمنة أنه "لا يمكن أن تكون حرّاً إلا خارج النسق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard