الكمامة تسد الأفواه والآراء على حد سواء

الخميس 11 فبراير 202112:17 م

صرّح أغلب قادة الدول في العالم أننا في "حرب" مع جائحة كورونا. هذا القرار السيادي ترافق في العديد من البلدان مع إعلان حالة الطوارئ، وفُرضت قيود وإجراءات استثنائية، يصفها الأنثروبولوجي الفرنسي ميشيل آجيه، بأنها حولت "الخوف الطبيعي" إلى "فزع أخلاقي"، يهدد الجسد الاجتماعي بأكمله.

هذه الإجراءات خلقت تطابقاً بين "الجسد الطبيعي" و"الجسد السياسي"، وأصبحت الحدود بين الأفراد مرئية، تتجلّى في الكمامة، العلامة التي هددت العلاقات الاجتماعية، وجعلت الخوف الطبيعي من الموت أداة سياسية بيد السلطة التي تفرض الكمامة وتحاسب من لا يرتديها، ليس فقط لحماية "المواطنين"، بل أيضاً للهيمنة على حركتهم، مخيلتهم وتفكيرهم النقدي، والأهم، أصواتهم.

الاستباحة الاستثنائية لحرية التعبير بحجة الحرب على فيروس كوفيد-19 يتناولها تقرير هيومان رايتس واتش، الصادر مؤخراً. إذ قامت 84 حكومة حول العالم، بـاستغلال الوباء لكمّ الأفواه وانتهاك حرية التعبير والتجمع، وذلك لإسكات أي صوت يعترض على سياسة الدولة

الاستباحة الاستثنائية لحرية التعبير بحجة الحرب على الفيروس الخفي، كوفيد-19، يتناولها تقرير هيومان رايتس واتش، الصادر مؤخراً. إذ قامت 84 حكومة حول العالم، بـاستغلال الوباء والإجراءات الاستثنائية من أجل مكافحته، لكمّ الأفواه وانتهاك حرية التعبير والتجمع، وذلك لإسكات أي صوت يعترض على سياسة الدولة بشكل عام، لا فقط تلك الخاصة بالتعامل مع الفيروس.

تختلف الإجراءات القمعية حسب البلد، لكنها تستهدف الحقوق الأساسية: "التجمّع، التعبير عن الرأي، تبادل المعلومات..." التي أبيحت مصادرتها بحجّة "الحرب على الوباء"، وتنوّعت الانتهاكات بين الغرامات المجحفة بحق المخالفين، وصولاً إلى العنف المباشر والاحتجاز والحبس، وكأن الإجراءات الاستثنائية فرصة سانحة لترسيخ السلطة، خصوصاً في ظل غياب رؤية واضحة حول كيفية التخلص من هذه الجائحة.

يشير التقرير إلى عدد من الأنماط التي تم عبرها قمع الحريات، والتي يمكن تصنيفها إلى عنف يمارس على الكلام وآخر على الجسد، وفي كليهما، تعلّق "حرية التعبير" على حساب مناعة الدولة، أو حياة المواطنين، وغيرها من التهم التي لا تمتلك تعريفات واضحة، إذ يشير التقرير إلى أن 44 دولة فقط أعلنت حالة الطوارئ من أصل 83 انتهكت حرية التعبير أو التجمّع، بل وصل الأمر إلى تهديد الأصحّاء أنفسهم، والمنصاعين لقوانين الاستثناء، إذ نقرأ في التقرير "أن القيود غير المتناسبة على حرية التعبير (تؤدي) إلى صعوبة مواجهة المعلومات المُضلِّلة حول فيروس كورونا، بما فيها نظريات المؤامرة حول العلاجات الخاطئة والخطيرة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وخارجها".

44 دولة فقط أعلنت حالة الطوارئ من أصل 83 انتهكت حرية التعبير أو حرية التجمع

أولى الإشكاليات القانونية التي تفعّلها قوانين الطوارئ والاستثناء ترتبط بحق التجمّع والتجمهر، ففي ظلّ الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وحظر التجول، استُهدفت التجمّعات بوصفها مساحات محتملة لنشر العدوى والوباء، وتمّت مواجهة الكثير منها بالعنف من أجل فضّها.

لكن الإشكالية تكمن بأن قوانين الطوارئ تعطّل الحق السابق بحجّة السلامة العامة، لإسكات المحتجين على السلطة القائمة، إذ ووجهت المظاهرات التي دعا إليها المعارض أليكسي نافالني في روسيا، بالعنف، واعتقل عدد من المتظاهرين السلميين بالرغم من محاولة المحتجّين الالتزام بقواعد السلامة العامة، وهذا ما حدث أيضاً في تركيا والصين، وكأن الفضاء العام يتعرّض للمصادرة من قبل أجهزة الدولة السيادية، ما يترك للسلطة "حرفياً" حرية التحكم بحركة الأفراد وأسلوب تجمّعهم و تكديسهم.

استهدفت العديد من السلطات أيضاً الناشطين والصحفيين الذين ينتقدون إجراءات الحكومة الاستثنائية، كما حصل في الجزائر، إذ أغلق عدد من المواقع الإخبارية بحجّة نشر الأخبار الزائفة، وذلك عقب إقرار الرئيس المنتخب جديداً، عبد المجيد تبون، عدد من التعديلات على قانون العقوبات التي تجرّم نشر "الأخبار الزائفة" بوصفها توهن نفسية الأمة، في محاولة لكم أفواه كل من يحاول انتقاد الإجراءات الاستثنائية.

وامتد الأمر في دول أخرى إلى اعتقال من يحاول فضح التقصير في القطاع الطبي، إذ لم يستهدف فقط الصحفيين والمراقبين بل أيضاً الأطباء أنفسهم، الخط الأول في محاربة الوباء، كما في مصر التي اعتقل فيها عدد من العاملين في القطاع الطبي، بسبب نشرهم لشهاداتهم الشخصية حول تردي إجراءات العناية بالمرضى وغياب المستلزمات الطبية والوقائية.

الأخطر على حياة الأفراد ضمن هذه الانتهاكات، هو تلك التي تستهدف الصحة العامة، سواء عبر حجب المعلومات، نشر معلومات زائفة من قبل الدولة ومواجهة منتقديها أو مكذبيها بالعنف، خصوصاً أن الرعب الفردي من الوباء يهدد عجلة الإنتاج التي يجب ألا تتوقف، لتتحول الصحة العامة بيد السلطة إلى خطاب سياسي موجّه في سبيل الاستمرار بالعمل، وهذا ما نراه في كازاخستان، إذ لم يتم إعلام المواطنين بدقة عن أعداد المصابين وأماكن انتشار الوباء، ما وضع الكثيرين أمام خطر العدوى التي قد تهدد حياتهم، بل وصل الأمر في تركمانستان إلى حد إنكار وجود أي إصابة في البلاد، بالرغم من أن التقارير المستقلة تشير إلى عكس ذلك.

نحن أمام مشكلة سياسية-قانونية فيما يخصّ التعامل مع الوباء. تعطيل الحقوق الفردية على حساب وقاية الجماعة يراهن على الخوف، ويجعل من الدولة القيّوم الوحيد على حيوات الأفراد وصحتهم

هامش

نحن أمام مشكلة سياسية-قانونية فيما يخصّ التعامل مع الوباء، تعطيل الحقوق الفردية على حساب وقاية الجماعة يراهن على الخوف، ويجعل من الدولة القيّوم الوحيد على حيوات الأفراد وصحتهم، وبهذا يمكن تهديد "الفرد" بسببها على حساب "الجميع". هذه المفارقة قسمت الأفراد إلى "معافى" و"مريض"، ما يخلق نوعاً من العداوة التي تستفيد منها السلطات لترسيخ سيادتها كالمخلص الوحيد الذي لا يجب انتقاده، كون أي كلام ضده يعني تهديداً لحياة الـ "جميع".

الأهم، التشديد على الإجراءات الاستثنائية وتعليق الحقوق يرتبط بمدى فعالية هذه الإجراءات في مكافحة الفيروس، أو إنهاء "الحرب" ضده، لكن في حال الفشل في الوقوف بوجهه أو التقصير، يمكن تفعيل الطوارئ والقيود على الحقوق، بشرط تضمين "بنود تضمن الطبيعة المؤقتة للقيود الاستثنائية، كما هو الحال مع أي حدود تؤثر على الحقوق، مثل هذه القيود يجب أن تكون غير تمييزية.

على الحكومات أن تسجل لدى الأمم المتحدة هذه الأفعال المتعلقة بعدم التقيد بالحقوق. وبالنسبة للدول الأطراف في الآليات الإقليمية الأوروبية أو الأمريكية، على الحكومات تسجيل هذه القيود لدى (مجلس أوروبا) أو (منظمة الدول الأمريكية)، التي قد تقيّم هيئاتها ذات الصلة شرعية الاستثناءات وتراقب القيود".

وصل الأمر في تركمانستان إلى حد إنكار وجود أي إصابة في البلاد

لكن حسب التقرير: "44 دولة فقط أعلنت حالة الطوارئ من أصل 83 انتهكت حرية التعبير أو حرية التجمع. ومع ذلك، لم تسجل أي منها قيوداً تتعلق بحرية التعبير والكلام، وسجلت ثماني دول فقط قيوداً متعلقة بحرية التجمع. عدم تسجيل القيود يُسهّل تهرّب الحكومات من الرقابة الدولية التي قد تحدّ من إساءة استخدام السلطات الاستثنائية. الدول الأطراف في العهد الدولي، والتي تعلن حالات الطوارئ دون تسجيل قيود استثنائية، تظل مع ذلك ملزمة بالقانون الدولي الذي يحكمها".

أهمية هذه القيود على الإجراءات الاستثنائية تكمن في أنها تترك مجالاً للمحاسبة في حال التجاوز، خصوصاً أن الشرطة هي المسؤولة عن تنفيذ إجراءات التباعد ووضع الكمامة، ما يفتح المجال أمام العنف الاعتباطي والمرتجل، الذي قد لا يُحاسب قانونياً من يرتكبه، بحجة تنفيذ الأوامر وتطبيق الإجراءات الاستثنائية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard