الضوضاء، الزحام والتنوع البصري... لماذا العمل في المقهى يجعلنا أكثر إبداعاً؟

الجمعة 29 يناير 202105:07 م

شلّت جائحة كورونا الحياة بشكل كبير وأثّرت سلباً على العجلة الاقتصادية، فبالإضافة للشركات والمحلات التجارية، اضطرّ العديد من المقاهي والحانات للإغلاق بسبب عدم القدرة على تكبّد الخسائر، بخاصة وأن القدرة الشرائية قد انخفضت بشكل ملحوظ في ظل ارتفاع نسبة البطالة، غير أن إغلاق المقاهي الصغيرة المنتشرة في شوارع المدن لا يعني فقط أن مئات الموظفين والموظفات خسروا وظائفهم وباتوا من دون مدخول شهري، ولكن يمثل ذلك خسارة جماعية للإبداع.

فما هي العلاقة الخفية بين العمل في المقهى والإبداع؟

مصدر إلهام

انكبّ العلماء على دراسة كيفية تنمية التفكير الإبداعي من خلال عادات بسيطة، مثل التمارين الرياضية، النوم والقراءة، لكن اتضح لهم أن هناك محفزاً آخر يكمن في التفاعلات غير المخطط لها مع الأصدقاء والمعارف وحتى الغرباء، بما معناه أنه ومع قيام المقاهي بإغلاق أبوابها، تتلاشى فرص الخروج بأفكار خلّاقة.

بالطبع، ليست كل اللقاءات التي تحدث بالصدفة تؤدي إلى أفكار رائعة، ومع ذلك أوضح موقع The conversation أنه وبينما ننتقل من مكان إلى آخر، فإن كل لقاء اجتماعي قصير، يزرع بذرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى فكرة جديدة أو مصدر إلهام، في حين أن المكوث في المنزل ضمن الجدران الأربعة قد يفوّت العديد من الأفكار الجديدة والمثمرة.

ليس الكافيين بل الناس

غالباً ما يُنظر إلى العظماء وكأن إبداعاتهم هي نتيجة عزلتهم عن العالم الخارجي، لكن هذا الأمر ليس دقيقاً، إذ إن أفكار أكثر الشعراء وعلماء الرياضيات وعلماء اللاهوت انعزالاً، هي وليدة محادثات أجروها مع أقرانهم، أو كانت جزءاً من ردود أفعال على العالم من حولهم.

بابلو بيكاسو، سيمون دو بوفوار، جان بول سارتر، وغيرهم من الرسامين والمغنيين والفلاسفة والكتّاب، قدموا أفضل أعمالهم بينما كانوا يتواجدون في المقاهي، الأمر الذي جعل المؤلف ستيفن جونسون، يعتبر في كتابه Where Good Ideas Come From أن "الحيلة للحصول على أفكار جيدة هي عدم الجلوس في عزلة ومحاولة التفكير بأفكار كبيرة"، بدلاً من ذلك، يوصي جونسون بأن "نذهب في نزهة على الأقدام"، "نحتضن الصدفة" و"نتردد إلى المقاهي".

كل لقاء اجتماعي قصير، يزرع بذرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى فكرة جديدة أو مصدر إلهام، في حين أن المكوث في المنزل ضمن الجدران الأربعة قد يفوّت العديد من الأفكار الجديدة والمثمرة

وعلى غرار ما يحدث اليوم، بحيث يستخدم بعض الكتّاب المقهى كمكتب ثان لهم، فإن المقاهي في القرن الثامن عشر هي التي حفّزت عصر التنوير، إذ إن الناس أدركوا بشكل بديهي أنهم "أكثر إنتاجية أو أكثر إبداعاً عند العمل في المقاهي"، بحسب ما ذكره ديفيد بوركوس، مؤلف كتاب The Myths of Creativity.

هذا وتظهر الأبحاث أن الكافيين ليس مصدر الإبداع، بل الناس الذين هم في المقهى، إذ إن مجرد التواجد حول أشخاص يعملون يمكن أن يحفزنا على فعل الشيء نفسه.

وبالتالي، يمكن القول إن الإبداع هو سمة اجتماعية، وهي نظرية دعمتها دراسة أجريت في العام 2016، بحيث طلب الباحثون من المشتركين الجلوس إلى جانب بعضهم البعض أمام الكمبيوتر، للقيام بمهمة على نفس الشاشة، وقد أظهرت الدراسة أن "مجرد أداء مهمة بجوار شخص يبذل الكثير من الجهد في مهمة ما، سيجعلنا نفعل الشيء نفسه".

تعليقاً على هذه النتائج، قال سونكي لي، الأستاذ المساعد في النظرية والاستراتيجية التنظيمية في كلية Tepper للأعمال، في جامعة كارنيجي ميلون في بنسلفانيا: "الأمر أشبه بالذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية لممارسة الرياضة"، وأضاف: "إحدى أهم الأمور في المقاهي هو التأثير الاجتماعي: تذهبون إلى هناك، ترون أشخاصاً يعملون ويضعكم هذا في حالة مزاجية، حيث تبدؤون العمل أيضاً. مجرد مراقبتهم يمكن أن يحفزكم على العمل بجدية أكبر".

المقاهي صممت لزيادة الإبداع

هناك العديد من الطرق التي تحفز بها المقاهي إبداعنا بطريقة لا تفعلها المكاتب والمنازل، إذ أظهرت الأبحاث أن المحفزات في هذه الأماكن تجعلها بيئات فعالة للعمل، بحيث يمكن أن يمنحنا الجمع بين الضوضاء، الحشود والتنوع البصري، المقدار المناسب من الإلهاء لمساعدتنا على أن نكون أكثر إبداعاً.

الضوضاء في الخلفية: يلتقط البعض سماعات الأذن بمجرد أن يجلس للعمل في مكان عام، لكن العلماء أدركوا منذ سنوات أن ضوضاء الخلفية يمكن أن تحفز التفكير الإبداعي.

في هذا الصدد، أظهرت دراسة نشرت في العام 2012 في مجلةConsumer Research أن المستوى المنخفض إلى المتوسط من الضوضاء، في مكان ما مثل الكافيتيريا، يمكن أن يعزز الإنتاجية.

تكمن الفكرة في أنه إذا تم تشتيت الانتباه قليلاً عن المهمة التي نقوم بها بسبب المحفزات المحيطة، فهذا من شأنه تعزيز القدرة على التفكير المجرد، الأمر الذي قد يولد أفكاراً أكثر إبداعاً.

وتحدثت دراسة أخرى في العام 2019 عمّا يسمى "الرنين العشوائي" والقدر المناسب من الضوضاء الذي يفيد حواسنا، ففي حين أن مستوى تقبّل الضوضاء يختلف من شخص لآخر، إلا أن المحفزات الصوتية في الخلفية تساعد في تحسين عملية اتخاذ القرارات.

وقد أطلق البعض على هذه الظاهرة اسم "تأثير المقهى"، معتبراً أن الموسيقى الهادئة، المحادثة الخفيفة وصوت آلة القهوة، ليسوا مصدر إزعاج، بل يمكن أن يساعدوا على ابتكار أعظم ما لدى المرء من أفكار.

التنوع البصري: من الأشياء التي يمكن أن تجعل العمل من المنزل والمكتب أمراً مرهقاً هو البيئة البصرية، بحيث إننا غالباً ما نجلس على نفس الكرسي وننظر إلى الجدران نفسها.

والواقع، إن التحفيز البصري له تأثير على عملية التفكير الإبداعي لدى الأشخاص.

في بحثه، وجد سونكي لي أن التنوع البصري يساعد في حلّ مشكلة تتطلب التفكير خارج الصندوق، وبينما حاول الباحث إضافة أضواء النيون إلى جدران مكتبه في المنزل أثناء الوباء، سرعان ما وجد أن المفروشات أصبحت بسرعة مألوفة ومملة، في حين أن زيارة المقاهي المختلفة في كل مرة يجعل الأمور أكثر تنوعاً.

الموسيقى الهادئة، المحادثة الخفيفة وصوت آلة القهوة، ليسوا مصدر إزعاج، بل يمكن أن يساعدوا على ابتكار أعظم ما لدى المرء من أفكار

إذن المقاهي مصممة بطريقة تحثّ عقول الأفراد وتساعدهم على الخروج بأفضل أفكارهم، وفق ما قاله كوريدون سميث، أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة بوفالو في نيويورك: "حتى لو كنتم/نّ تعتقدون/ن أنكم/نّ تعملون/ن بمعزل عن الآخرين، فلا تزال هناك أشياء تدور حولكم/نّ"، وتابع بالقول: "يأتي الناس ويذهبون. يتغير ضوء النهار. تختلف روائح القهوة والطعام. على الرغم من أننا لا نميل للانتباه إلى هذه المحفّزات الدقيقة، ومن المحتمل ألا نختار صراحةً العمل في هذا المكان بسببها، فإن هذه الأنشطة من حولنا تحثّ عقولنا على العمل بشكل مختلف قليلاً عن المنزل".

هذا وكان الفيلسوف ميشيل دي سيرتو قد اعتبر أن المساحات التي نشغلها هي خلفية تحدث عليها "مجموعة الاحتمالات" و"الارتجال" في الحياة اليومية، أما اليوم، وبعدما انتقلت الحياة الاجتماعية بشكل كبير إلى العالم الرقمي، بخاصة مع تفشي فيروس كورونا وإجراءات الحجر المنزلي، أصبحت فرص اللقاءات في المقاهي محدودة، وبالرغم من أن بعض الزبائن استمروا في ارتياد المقهى المفضل لديهم للحصول على جرعة من الكافيين، ولو كان ذلك عبر خدمة الـdrive thru (الطلب من السيارة)، إلا إن الجاذبية الحقيقية للمقاهي تكمن في روحها المليئة بالنشاط والمستقاة من نبض روادها وإبداعاتهم التي لا تنضب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard