"تلاشت أزماتي النفسية وأصبحنا مجتمعاً موازياً"... حكايات "الغيمرز" في مصر

الثلاثاء 17 نوفمبر 202003:51 م

"أنا قديم شوية في الفيديو غيمز من أيام الأتاري"، يقول محمود صحفي (32 عاماً) من محافظة قنا بصعيد مصر، لرصيف22 إنّ شغفه بألعاب الفيديو بدأ منذ طفولته، حيث كانت لعبة "الأتاري" وسيلة الترفيه الوحيدة له كطفل في ظل انعدام الإمكانيات، حيث لا توجد مكتبات أو أندية اجتماعية، لذا فكانت ألعاب الشارع والألعاب الإلكترونية، هي وسيلة الترفيه الوحيدة في قريته.

طفرة ألعاب "الأتاري"

يروي محمود لرصيف22 قصته مع ألعاب الفيديو، قائلاً: "ألعاب جهاز الأتاري كانت حينها طفرة، خصوصاً أنَّ الجهاز كان في المنزل، وهو جهاز واحد فقط لجميع أبناء القرية يلعبون به".

هذه كانت بداية محمود، وكثيراً من أبناء جيله الذين عشقوا ألعاب الفيديو، وبعدها توارد الأمر، فدخل في مرحلة "أحدث"، وهي ألعاب الكمبيوتر، وانتهاءً بـ"البلاي ستيشن"، مواكباً كل تحديث للعبة.

نفسياً، كان محمود يعتبر الوضع مُتنفّساً وحيداً له كطفل قروي، لا يملك إمكانيات الترفيه عن نفسه، وأما الآن، فأصبحت ألعاب الفيديو متاحة على كافة الموبايلات، و معظم الناس أصبح لديها "بلاي ستيشن"، ومن لا يملكه، بات يلجأ إلى المقاهي الإلكترونية.

بالنسبة لمحمود، لم يعد "البلاي ستيشن" مجرد رفاهية فقط، فقد أصبح حالياً "ملجئاً اجتماعياً"، خاصة أن "الغيمرز" أصبحوا عبارة عن مجموعات، تتجمّع مع بعضها البعض في فترات معينة لقضاء أوقاتاً ممتعة.

يقول محمود: "بنشتغل الساعتين بتوع اللعب بأننا نفصل فيهم عن ضغوط الروتين اليومي، ثم تحوّل الموضوع إلى شبه عادة تُكسب أصدقاءً ومعارفَ جدد، لدرجة أن "الغيمز" أصبحت مجتمعاً موازياً بمفرده".

"نحن غيمرز ولسنا مدمنين"

ليس كل اللاعبين سواء بالنسبة لأحمد قمر (32 عاماً)، يعمل في مجال السياحة، يسكن في القاهرة، يرى أن هناك فرق بين المحترفين أو "الغيمرز" واللاعب العادي، فـ"الغيمر" هو من يلعب لفترة طويلة، ويتابع لعبة معينة أو أنواع ألعاب معينة، سواء من ألعاب "البلاي ستيشن" أو "الشوتينغ جيمز" أو ألعاب على الموبايل، وهو الشخص المهتم باللعب بشكل مميز، ومستمر، معتبراً أن مُسمى "مُدمن" أو إدمان الألعاب يمكن أن يُقال عن الشخص الذي تقف حياته عند الألعاب واللعب، كالأشخاص الذين يركزون في الألعاب فقط دون الالتفات لدراستهم أو أعمالهم، ومواجهة تحدياتهم اليومية.

"الألعاب تخفّف حدّة روتين العمل".

ويوضح قمر رؤيته للعبة كمحترف أو "غيمر": "الألعاب تؤثر بالفعل على الحالة المزاجية، والجانب النفسي لمن يلعب، وأن "جيم" واحد من البلاي ستيشن يمكنه أن يؤثر على الضغط النفسي، ويمحيه العديد من آثاره السلبية، فبالنسبة لـفهمي فإن من يلعب "جيم" سريع من لعبته المفضلة قبل أن يبدأ بالعمل يمكّنه من أداء عمله بشكل أكثر فعالية وقدرة على العطاء، وكذلك في منتصف يوم العمل، يخفف حدة الروتين، الألعاب يمكنها أن تحلّ محلّ المسكّنات اللازمة لاستمرارية الحياة دون الشعور بملل الروتين".

"وقفة العيد" أفضل المناسبات

يشرح أحمد صبري (31 عاماً)، يعمل في مجال الدعاية والتسويق، يسكن في منطقة مصر الجديدة، الأجواء الاجتماعية المرتبطة بألعاب "البلاي ستيشن"، قائلاً: "إما الذهاب إلى إحدى صالات البلاي ستيشن، وفي هذه الحالة تكون مدة اللعب أقصى شيء ثلاث ساعات، أو تقوم مجموعة من هواة اللعب بتأجير جهاز بلاي ستيشن، ويقومون بتشغيله في منزل أحدهم، وإما أن يكون أحد الأصدقاء لديه جهاز بلاي ستيشن خاص به ملكه، فيقوم بتجميع أصدقائه في منزله ليلعب الجميع معاً".

وأهم المناسبات التي يتجمع فيها لاعبو "البلاي ستيشن" هو توقيت "وقفة العيد"، التي تسبق رسمياً العيد بيوم، ففي هذا اليوم يتجمع عدد كبير من الأصدقاء للعب في هذه الليلة، المعروفة بالسهر والتجمع عند معظم المصريين، ويختار كل شخص أن يقضي هذه الليلة كما يحلو له، ولكن بالنسبة لأحمد ورفاقه فإن التجمع بهدف "إضفاء روح اللعب، والمرح من أهم سمات ليلة الوقفة".

من المساء حتى صباح اليوم التالي، لعب أحمد دون توقف لدرجة أنه نسي عمله، وأخبروه فيما بعد أنهم فصلوه، لكنه لم يندم، بحث عن عمل آخر، والتحق به، واستمر في اللعب بشغف

ورغم أنه للعبة فوائد كثيرة من أهمها التغلب على الضغوط النفسية، وتمضية وقت جيد رفقة الأصدقاء، كما يقول أحمد، إلا أنه على الجانب العاطفي كانت لدى أحمد مشاكل كثيرة، منها أن رفيقته كانت تشعر دوماً أنها تتقاسم حبه مع "البلاي ستيشن".

يتذكر أحمد موقفاً له، فيقول إنّ علاقتهما انتهت مع موقف معين، وهو أنه كان لديهما موعد في يوم ما، واضطر أحمد لتأجيله بعدما أخبره صديق له بتنظيمه جلسة للعب من المساء حتى صباح اليوم التالي، فقرر أحمد الذهاب للعب عوضاً عن لقاء حبيبته، التي أخبرته بإنهاء علاقتها معه لهذا السبب.

"انطردت من عملي ولم أندم"

"مرة اترفدت من شغل بسبب ماتش بلاي ستيشن"، يقول أمير الألفي، يسكن في منطقة المعادي في القاهرة (38 عاماً)، ويعمل في مكتب للمحاماة، مصنفاً نفسه لاعباً محترفاً أو "حرّيف" في ألعاب الفيديو، ويؤكد أنه لا يخجل من كونه مدمناً على الألعاب، فهي تمثل له ملاذاً جميلاً يهرب إليه من الضغوط الحياتية، ويقول عن نفسه أنه عندما قرَّر ذات يوم أن يلعب "جيم"، تلاشت أزماته النفسية.

ويقول الألفي لرصيف22 إن الأمر وصل معه لحد كبير من الاهتمام باللعبة، ففي إحدى المرات التي كان يلعب فيها "جيم" كبير مع مجموعة من الأصدقاء، من المساء حتى صباح اليوم التالي، لعب دون توقف لدرجة أنه نسي أن لديه عمل يجب أن يذهب إليه، وتواصل معه مسؤولو العمل، ولكنه لم يتمكن من أن يجيب على هاتفه قبل أن ينهي لعبه، فيقول إنه في اليوم التالي أخبره مسؤولو العمل عن إقالته، ولكنه يرى أن هذا الأمر لم يؤثر فيه بشكل كبير، وكذلك لم يؤثر على حبه وشغفه للعبة، فقد عاد بعدها للعب بنفس الحماس، كما تمكن من إيجاد عمل آخر له.

ألعاب الفيديو والصحة النفسية

المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية، تطرق إلى الصلة المباشرة بين ألعاب الفيديو والصحة النفسية، فأكد أن ألعاب الفيديو تعتبر نشاطًا شائعًا لقضاء أوقات الفراغ مع أكثر من ملياري مستخدم حول العالم، وفق أحدث إحصائية لــ (Newzoo) عن عام 2017.

وأكدت مقالة حديثة لـ (Newzoo) ، ارتفاع عائدات الألعاب العالمية بمقدار 15 مليار دولار إضافي هذا العام مع ارتفاع نسبة المشاركة، مشيرة في التحديث ربع السنوي الجديد إلى تقرير سوق الألعاب العالمي، ظهرت توقعات بأن ينمو سوق الألعاب بنسبة 19.6٪ إلى 174.9 مليار دولار هذا العام، موضحة أن هذا الرقم أعلى بـ 15.6 مليار دولار من التوقعات السابقة، وبهذا تظهر رؤية تأثير المشاركة المتزايدة على الإنفاق على الألعاب بشكل أكثر وضوحًا، مع توقعات بأن يستمر السوق التكنولوجي في النمو، ليصبح العائد حوالي 217.9 مليار دولار في عام 2023.

بالنسبة لمحمود، لم يعد "البلايستيشن" مجرد رفاهية فقط، فقد أصبح حالياً "ملجئاً اجتماعياً"، خاصة أن "الغيمرز" أصبحوا عبارة عن مجموعات، تتجمّع مع بعضها البعض

ولفت المركز إلى وجود العديد من المخاطر المحتملة لألعاب الفيديو بشكل مفرط، فقد تم إجراء استبيانات حول الشخصية والصحة النفسية وكذلك عادات ألعاب الفيديو على 2734 فردًا (2377 ذكرًا ، 357 أنثى) وكشفت النتائج عن وجود علاقة سلبية متوسطة الحجم بين ألعاب الفيديو الإشكالية والأداء النفسي فيما يتعلق بالأعراض النفسية والعاطفية والتكيف واحترام الذات.

علاوة على ذلك ، كانت أسباب اللاعبين للعب وأنواع ألعابهم المفضلة مرتبطة بشكل مختلف بالأداء النفسي مع أبرز النتائج للاعبين الذين لديهم "دوافع إلهاء"، وكذلك لاعبي ألعاب الحركة.

"تقاليد الترفيه تغيّرت"

خبير الطب النفسي، دكتور أحمد عبدالله، أشار في تصريح لرصيف22 إلى أن اللجوء إلى ألعاب الفيديو أمر طبيعي، وبات سمة أساسية من سمات العصر الحالي، يقول لرصيف22: "بالنظر إلى جميع المجتمعات سواء المنفتحة أو المحافظة المغلقة، فوسائل الترفيه باتت محصورة في النطاق التكنولوجي، وبات الجميع يلجأ إليها لإضاعة أوقاتهم في أمر مُسلٍ لهم، وكمتنفس من ضغوط الحياة النفسية الصعبة".

ويرى عبد الله أنه لم تعد هناك تقاليد أخرى للترفيه سوى الألعاب الإلكترونية في مصر، لذا لجأ إليها غالبية الشباب.

ويطرح عبدالله مقارنة بين تقاليد الترفيه في فترة سابقة، والوضع الحالي، فيقول: "قديماً كانت هناك وسائل مختلفة للترفيه، فعلي سبيل المثال كانت المحافظات تحوي ما تسمى بالقاعة، وهي مكان كبير يُفتح للتجمع وتبادل الأحاديث والتسالي، وكانت هناك تجمعات المديح والموالد والرقص إضافة إلى التمشية، والمقاهي والتي لاتزال مستمرة حتى الآن، ولكن الجميع اليوم مختبئاً في جحره، فالبديل الوحيد هو الموبايل جيمز، أو جلسات البلاي ستيشن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard