لماذا تعتبر الابتسامات نادرة جداً في تاريخ الفن العربي؟

الأحد 14 فبراير 202103:43 م
Read in English:

Why Are Smiles So Rare in the History of Arab Art?

الابتسامة هي أبسط طريقة لقول: مرحباً. إنها تحية ودلالة على السلوك المهذب، وغالباً ما تكون مصحوبة بالمجاملات. الابتسام هو نوع من التواصل يتجاوز اللغات والثقافات والخلفيات. كتب مؤلفون من جميع أنحاء العالم في مديح الابتسامة، في "عطيل"، كتب شكسبير: "المسروق الذي يبتسم، يسرق شيئاً من اللص"، وقال مارك توين: "لا تندم أبداً على أي شيء جعلك تبتسم". في الكتاب المقدس "النظرة المرحة تفرح القلب" (أمثال 15:30)، وفي الإسلام، تعتبر الابتسامة شكلاً من أشكال العبادة، وهي سنة النبي محمد الذي قال: "الابتسامة في وجه أخيك صدقة".

مارك توين: "لا تندم أبداً على أي شيء جعلك تبتسم"

في الثقافة الشعبية، يعتبر الابتسام شكلاً من أشكال المغازلة، وكُتب العديد من الأغاني والقصائد في مديح الابتسامة، حيث كتب الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي: "ابتسم مادامَ بينك والردى شبرٌ، فإنك بعدُ لنْ تتبسّما"، والمصري سيد قطب: "فإنك لم تخلق لغير التبسم"، ويختتم بالتعليمات الرفيعة: "فتبسم كيف شئت وانعم".

في السينما، تركزت العديد من الأفلام العربية حول الابتسامة، مثل "دمي ودموعي وابتسامتي"، "اضحك الصورة تطلع حلوة" و "العذاب فوق شفاه تبتسم".

لماذا إذن من النادر أن نرى الابتسامات في تاريخ الفن العربي؟

الابتسامات نادرة في تاريخ الفن. "في التاريخ الطويل للبورتريه، كانت الابتسامة المفتوحة إلى حد كبير، مرفوضة إلى حد كبير"، كتب نيكولاس جيفز في مقالته "الجد والهزل"، الذي يستكشف تاريخ الابتسامة، من لوحة الموناليزا لدافنشي إلى صور كارافاجيو وألكسندر غارنر لأبراهام لنكولن.

في الإسلام، تعتبر الابتسامة شكلاً من أشكال العبادة، وهي سنة النبي محمد الذي قال: "الابتسامة في وجه أخيك صدقة"

يصف جيفز الفم في تاريخ فن البورتريه بأنه موقع جدل محتدم و"صراع مستمر بين الجد والابتسام". تقدم جوليا فيوري وجهة نظر مثيرة للاهتمام حول هذا الموضوع في مقالتها "لماذا الابتسامات نادرة جداً في تاريخ الفن": "قد نعتقد في البداية أن الغربيين في القرون الماضية امتنعوا عن الابتسام في الصور، لتجنب التباهي بأسنانهم السيئة. في الواقع، كان عدم الاهتمام بصحة الأسنان شائعاً جداً لدرجة أنها لم تكن من العوامل التي تنتقص من الجاذبية".

ألهمني مقال جوليا فيوري الذي يتناول البحث حول ندرة الابتسامة في تاريخ الفن الغربي من خلال نيكولاس جيفز، ودفعني للبحث عن الأسباب المحتملة المتعلقة بالعالم العربي.

الضحك من غير سبب قلة أدب

هناك عدد من الأقوال العامية التي تظهر الضحك بشكل سلبي، وهناك مقولة شائعة باللغة العربية أن "الضحك من غير سبب قلة أدب". يتم توبيخ الأطفال بهذا الكلام عندما يضحكون. غالباً ما اعتبر الضحك والابتسام عدم احترام، خاصة تجاه كبار السن أو في الأماكن الرسمية. هناك أيضاً اعتقاد بأن الضحك يسبق الشر، وغالباً ما يتبع المتشائمون من الناس ضحكهم بدعاء ألا تكون ضحكاتهم فألاً سيئاً.

لا يوجد جدول زمني واضح للمدة التي ظلت فيها هذه المعتقدات صحيحة، ولكن يمكن أن تكون بمثابة تفسير للموقف تجاه الابتسام، ولماذا يختار الشخص عدم الابتسام في صورته.

الفتاة ذات الثوب الوردي، 1945 وزوجتي في الشال الأخضر لمحمود سعيد، 1924

في معظم لوحاته، يصور محمود سعيد (مصر، 1897-1964) أشخاصاً معبرين بعمق، لكنهم لا يبتسمون. لوحتا زوجتي في الشال الأخضر، 1924  والفتاة ذات الثوب الوردي، 1945، ليستا استثناء.

صورة لفتاة لجواد سليم، حوالي الخمسينيات والبستاني، 1950

وبالمثل، رسم جواد سليم (العراق، 1919-1961) العديد من الأشخاص الملفتين للنظر دون ابتسامات.

تُظهر لوحة بورتريه لفتاة، فتاة صغيرة تنظر أمامها بتمعّن، مع جو من الغموض والملل، بينما تُظهر لوحة البستاني، شخصية عاطفية منمنمة، بعيون عميقة ومعبرة للغاية.

الجلوس لالتقاط صورة شخصية

في الوقت الحاضر، يستغرق الأمر بضع ثوانٍ للابتسام والتقاط صورة شخصية، في حين أن الجلوس أمام فنان ليرسم صورة شخصية هي عملية طويلة وشاقة للطرفين. تختلف العملية بناءً على طبيعة الفن الذي يقدمه الرسام، ولكن في معظم الحالات، تتطلب ساعات من الجلوس في نفس الوضع نسبياً، ويكون من المستحيل الاحتفاظ بابتسامة طوال ذلك الوقت. في أغلب الأحيان، يختار الشخص وضعاً مريحاً في بيئة طبيعية، ليستطيع الحفاظ على الجلوس في نفس الوضع لساعات طويلة مع عدم التململ.

صورة من فيلم، صبري راغب يرسم إحسان عبدالقدوس (1983)، بورتريه إحسان عبدالقدوس (1986)

في هذا البرنامج الذي تم عرضه على التلفزيون المصري، يرسم صبري راغب (مصر، 1920-2000) صورة لإحسان عبد القدوس، الكاتب والروائي والصحفي والمحرر في جريدتي الأخبار والأهرام المصرية، عام 1983. طوال جلستهم، يمكنك رؤية إحسان عبد القدوس وهو يدخن ويتحرّك إلى حد ما، جالساً بشكل مريح في وضع طبيعي. يعود تاريخ اللوحة النهائية إلى عام 1986، ما يعني أن الفنان استغرق وقتاً طويلاً لإنهاء العمل.

حسين بيكار يرسم بورتريه 1983 و بدون عنوان 1973

في هذا الفيلم القصير الذي عرضه التلفزيون المصري، يرسم حسين بيكار (مصر، 1913-2002) صورة بالباستيل. طوال جلستهم، يبدو أن الجالس مضطرب ومرهق أثناء محاولته الجلوس بلا حراك، ومن المدهش أن بيكار تمكن من التقاط صورته. تضمنت ممارسة حسين بيكار تجربة مجموعة متنوعة من الأساليب، ورسم العديد من اللوحات، وكثير منها تصور وجوهاً جادة.

لوحة بدون ابتسامة، المزيد من فرص التعبير الإبداعي

عندما ترى صورة شخص يبتسم، تنجذب على الفور للابتسامة. يمكن أن تلتقط تعبيراً شريراً أو ابتسامة متكلفة أو سلوكاً رزيناً، ولكن هناك حدوداً لعمق الشخصية التي يمكن تصويرها مع جليس مبتسم. يمكن أن يوفر الوجه المستقيم أو التعبير الغامض جوّاً من الغموض، ويمكن أن يشير للعديد من الجوانب المختلفة للشخصية التي يمكن أن تكون مفتوحة للتفسير.

المقهى المغربي لعبد العزيز القرجي، 1964 وصورة عائلية، زبير تركي، 1962 

في هذه المشاهد الملونة من تونس، يقدم زبير تركي (تونس، 1924-2009) صورة عائلية قاتمة الوجه، تصور شخصيات كل فرد من أفراد الأسرة في أدنى التفاصيل، بينما يصور عبد العزيز القرجي (تونس، 1928-2008) تجمّعاً موسيقياً نابضاً بالحياة، حيث يبدو جميع الحاضرين مأخوذين وشاردين في عوالمهم الخاصة. للوهلة الأولى، قد يبدو أن أحدهم يبتسم لزاوية شاربه، لكنه مثل رفاقه، عيناه مثبتتان في نظرة خاطفة إلى الأمام.

كمالة ابراهيم اسحاق، تحضير البخور - حفل الزار 2015 (تفصيل) وبدون عنوان 2015.

في هذا التفصيل من لوحة كمالة إبراهيم إسحاق (السودان، مواليد 1939) إعداد البخور - حفل زار وهذا العمل بدون عنوان، وجوه النساء مشوّهة وأفواههن ملتوية، في مجموعة متنوعة من التعبيرات، لتعكس العديد من المشاعر والتجارب العقلية، في أسلوب من سمات ممارسة إسحاق.

مواضيع جادة وتعبيرات قاتمة

لطالما كانت مناطق العالم العربي مواقع للاضطرابات السياسية والحروب والصراعات والثورات، ما أدى إلى مواضيع جادة تصارع معها العديد من الفنانين من المنطقة. نتيجة لذلك، يتم تصوير العديد من الموضوعات بتعابير متأملة وكئيبة، لتعكس سياقاتهم ومحيطاتهم المختلفة.

لطالما كانت مناطق العالم العربي مواقع للاضطرابات السياسية والحروب والصراعات والثورات، وهو ما انعكس ذلك على الفن فأدى بالفنّانين إلى تصوير العديد من الموضوعات بتعابير متأملة وكئيبة، عكست سياقاتهم ومحيطاتهم المختلفة

في هذا التفصيل من لوحة كمالة إبراهيم إسحاق (السودان، مواليد 1939) إعداد البخور - حفل زار وهذا العمل بدون عنوان، وجوه النساء مشوّهة وأفواههن ملتوية، في مجموعة متنوعة من التعبيرات، لتعكس العديد من المشاعر والتجارب العقلية، في أسلوب من سمات ممارسة إسحاق. مواضيع جادة وتعبيرات قاتمة لطالما كانت مناطق العالم العربي مواقع للاضطرابات السياسية والحروب والصراعات والثورات، ما أدى إلى مواضيع جادة تصارع معها العديد من الفنانين من المنطقة. نتيجة لذلك، يتم تصوير العديد من الموضوعات بتعابير متأملة وكئيبة، لتعكس سياقاتهم ومحيطاتهم المختلفة.

أحلام المعتقلة، إنجي أفلاطون، 1961 (ضمن مجموعة مؤسسة بارجيل للفنون) وفي سجن النساء، 1960

تصور إنجي أفلاطون (مصر، 1924-1989) في هذه اللوحات من سلسلة سجنها، الظروف البائسة التي عاشتها في السجن. غالباً ما تصور لوحات أفلاطون موضوعات وقصص نضال سياسية في المجتمع المصري، ونتيجة لذلك تبدو معظم موضوعاتها مثقلة بالأعباء ولا تبتسم.

لؤي كيالي المتسول المستريح، 1974 ماذا بعد، 1965

وبالمثل، استلهم لؤي كيالي (سوريا، 1934-1978) الجوانب الاجتماعية والسياسية المحيطة به. رسم العديد من الشخصيات الانفرادية، مثل هذا المتسول الذي يبدو منهكاً، نائماً ومجعّد الجبين. في تكوين سابق، صور مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين بعنوان "ماذا بعد"، يبدو هؤلاء الأشخاص بائسين، معذبين، حفاة ومشتتين.

جدية الاعتبار

على عكس أكاديميات الفن في الغرب، تم إنشاء أكاديميات الفنون الجميلة في العالم العربي، فقط بحلول منتصف القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين. افتتح الأمير يوسف كمال، الراعي للفنون وعضو العائلة المالكة المصرية، مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة عام 1908، وخلال ذلك الوقت ظل الرسم في المنطقة ضمن النمط العثماني التقليدي.

كانت مدرسة "الفنون في تونس" أول مدرسة فنية افتتحت في شمال إفريقيا في عام 1923، بينما في أوائل القرن التاسع عشر، كان الفنانون في العراق والأردن وفلسطين يدرسون ذاتياً إلى حد كبير، بسبب ظروف احتلالهم. نالت معظم دول العالم العربي استقلالها من الحكم الاستعماري الفرنسي والبريطاني في منتصف القرن العشرين، ما مهّد الطريق لتطور حركات الفنون العربية الحديثة. مع تطور هذه الحركات، كان الفنانون يرسمون مواضيع جادة.

 أستاذي الأول جورج علييف، 1960،وبدون عنوان، 1967

قام مهنا الدرة (الأردن، 1938-2021) بتجربة العديد من الأساليب الفنية خلال أعماله، ورسم أعمالاً تعكس مزاجه. تمتلئ صوره بالعاطفة، ويبدو أن معظم موضوعاته عميقة التفكير ولا تبتسم.

أوغيت الخوري كالان، بورتريه ذاتي، 1967 وسلوى روضة شقير، بورتريه ذاتي، 1943

تمثل هاتان الصورتان الشخصيتان التي رسمتهما السيدتان اللبنانيتان الرائدتان سلوى روضة شقير (لبنان، 1916-2017) و أوغيت الخوري كالان (لبنان، 1931-2019) النظرات الجادة لهاتين الفنانتين. على مدار تاريخ الفن، نجح عدد قليل من الفنانات واكتسبن شهرة خلال حياتهن، مقارنة بنظرائهن من الرجال. يمكن النظر إلى الوجوه الجادة لشقير وكالان على أنها انعكاس لعزمها وتصميمها.

على عكس أكاديميات الفن في الغرب، تم إنشاء أكاديميات الفنون الجميلة في العالم العربي، فقط بحلول منتصف القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين

ظهور التصوير وظهور الابتسامة

مع ظهور التصوير الفوتوغرافي في منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت الابتسامة أسهل لإدراجها في البورتريه، وفي الواقع، كتبت جوليا فيوري أنها "أصبحت جزءاً أساسياً من الصورة". لكن في العالم العربي، استغرق الأمر بعض الوقت حتى تصبح الابتسامة سمة مفضلة في الصور.

يتظاهر الناس بتعبيرات جادة ليبدوا محترمين. في المسلسل التاريخي الخيالي "اهو ده اللي صار" يذهب العديد من الشخصيات، في منتصف القرن التاسع عشر بالإسكندرية، للتصوير في الاستوديو المحلي، بوجوه مستقيمة، موضحين أنه لا ينبغي لهم الابتسام في صورهم، ليعتقد الناس الذين يعثرون على صورهم بعد موتهم، أنهم كانوا شخصيات جادة ومهمة (على عكس تافهة وغير مهمة).

مجموعة ياسر علوان، عكاسة: مركز التصوير، AD-MC-002_ref85 1926) ، ref99 ، و ref118 (غير مؤرخ)

في هذه الصور من مجموعة ياسر علوان، في مركز عكاسة للتصوير بجامعة نيويورك، تظهر جميع الشخصيات غير مبتسمة، ترتدي ملابس أنيقة، وتنظر بعيداً، بالطريقة المعتادة للتصوير الفوتوغرافي في ذلك الوقت.

لكن لاحقاً، تغير هذا الموقف تدريجياً، تحول تم تصويره في فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة"، حيث يأخذ أحمد زكي سيد، وظيفته كمصوّر، على محمل الجد. كان الناس من جميع الخلفيات والطبقات يحصلون على صورهم في الاستوديو الخاص به. لقد شعر بإحساس كبير بالمسؤولية لجعلهم دائماً يبدون في أفضل حالاتهم، وكان يطلب منهم الابتسام للحصول على صورة جيدة. مع تحول الموقف تجاه التصوير الفوتوغرافي، بدأت الابتسامة تظهر في البورتريهات أيضاً، وإن لم يكن كثيراً.

محمود سعيد، زوجة السيد أحمد مظلوم، 1936 ولؤي كيالي، عائشة كيالي، 1952والمرأة ذات الشعر المجعّد الذهبي، 1933

زبير تركي، مضيفة، 1995، صبري راغب، لويس عوض، 1985،وجواد سليم، بدون عنوان (أولاد مع بطيخ)

نفس الفنانين الذين رسموا الأشخاص في أغلب لوحاتهم غير مبتسمين، رسموا أيضاً مجموعة من الابتسامات البراقة. من صور محمود سعيد للمرأة المصرية، إلى صورة مبتسمة نادرة للؤي كيالي، وأولاد جواد سليم المبتسمين بالبطيخ، ومضيفة زبير تركي الكريمة، وابتسامة لويس عوض المهذبة بريشة صبرى راغب.

من المثير للاهتمام أن نرى أنه على مدار تاريخ الفن، كانت الابتسامة سمة نادرة في فن البورتريه، بغضّ النظر عن الخلفيات الاجتماعية والثقافية للأشخاص

من المثير للاهتمام أن نرى أنه على مدار تاريخ الفن، كانت الابتسامة سمة نادرة في فن البورتريه، بغضّ النظر عن الخلفيات الاجتماعية والثقافية. ربما يقدم هذا تفسيراً للسبب الذي يجعل أحياناً دخول بعض الناس إلى المتاحف أو المعارض مثيراً للرهبة. ومع ذلك، فإن نظرة فاحصة تكشف عن العديد من الضحكات والابتسامات التي تضيء تاريخ الفن العربي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard