"الفلوس... من فضل الله"... الصوفية السياسية للسيسي

الثلاثاء 9 فبراير 202111:33 ص

"الفلوس بتيجي من مصر بلدنا... كلّه من فضل الله" (الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي -  السبت، 6 شباط/ فبراير 2021).

يؤسس السيسي، في رده السابق عن مصادر أموال الدولة المنفَقة على تنفيذ المشاريع التي تقوم بها، لأفكار يمكن أن تعصف بمفهوم الدولة نفسه:

الأولى، أن الرئيس فوق المحاسبة أو المُساءلة، إذ لا يردّ الرجل على أسئلة مشروعة يطرحها الناس مثل أين تذهب أموالنا؟ وكيف يتم تحديد أولويات الصرف؟ الرجل دائماً يتهرّب من الإجابة عن الأسئلة التي توجَّه له أو لحكومته عن كيفية توجيه الأموال ومن أين تأتي تلك التي يصرفها على مشاريع يختلف كثيرون على مدى أولوياتها، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وغامضة.

الفكرة الثانية هي فكرة الدولة المنفصلة عن شعبها: لها ذمة مالية مختلفة عن شعبها. هي كيان منفصل ومتضخم يعلو فوق الناس يسمّيه "مصر" ويعطيه أموالاً ليصرف منها على أحلامه، ويظهر له في خيالاته ويحدّثه ويطلب منه ألا يسمح بالاختلاف بين المصريين.

"مصر" التي يذكرها السيسي غير مصر التي يقصدها مواطنون كثيرون والتي تتكون إرادتها من الإرادة الجمعية للمصريين، وتأتي أموالها من ضرائب المصريين أو الأصول التي يمتلكها المصريون بعد أن ورثوها عن مصريين سابقين وبدورهم سيورثونها لمصريين لاحقين.

مصر ككيان متعالٍ

يتحدث السيسي في تخيلاته عن مصر التي تنحاز إليه وتكتم أسرارها عن غيره وهو هنا يضفي أجواءً من الوطنية الشوفينية تعزز حصانته كشخص وكمنصب. فهو متحدث باسم مصر، الكيان المتعالي عن كل المصريين، والوحيد الذي يمتلك حق معرفة كيف تُنفَق أموالها ومن أين تأتي.

ولاستكمال التحصين، يلجأ السيسي إلى التحصين الأكبر في هذه العملية التي تضعه فوق أي مُساءلة محتمَلة. يتحدث كزعيم لطريقة صوفية متماهٍ في العشق الإلهي، ويتحدث عن أفضال الله وجنود الله وأوامر الله، حتى وهو يتحدث عن جائحة تعصف بصحة واقتصاد المصريين.

يحمِلنا السيسي في عالمه الخيالي إلى مستوى آخر من الصوفية السياسية التي يلتحم فيها الحاكم مع صفات الله ويتلقى فضله، ويرسم علاقة أشبه بعلاقة شيخ الطريقة بالمريدين الذين يتبعونه إيمانا منهم بأنه يمتلك حكمة لدنية ومعارف نورانية، وهي علاقة تختلف عن فكرة الحاكم في الدولة الحديثة القائمة على الشفافية حيث كل المعلومات حول كيفية التصرف بموارد البلاد متاحة لدافعي الضرائب لكي يعلموا كيف تُصرف أموالهم، وعلى المحاسبية حيث أن الحاكم في النظام الحديث هو موظف تتم مساءلته وملتزم بالإجابات على الأسئلة لتقييم أدائه، وليس ترحيل الأسئلة إلى عالم الغيبيات.

"يحمِلنا السيسي في عالمه الخيالي إلى مستوى آخر من الصوفية السياسية التي يلتحم فيها الحاكم مع صفات الله ويتلقى فضله، ويرسم علاقة أشبه بعلاقة شيخ الطريقة بالمريدين الذين يتبعونه إيمانا منهم بأنه يملك حكمة ومعارف نورانية"

يتحدث السيسي حديثاً بشرياً فيه الصواب والخطأ، لكنه يكره أن يراجعه أحد. لذا كلما شعر باحتمالية عدم الاقتناع بحديثه، ينفعل. هو ينظر إلى حديثه على أنه جزء من ذاته التي يعظّمها دوماً في كل خطاباته. فهو الطبيب الفيلسوف الأقرب إلى الحكيم النبي سليمان الذي يدرك ما لا ندركه، ويصف نفسه بكل الصفات الحميدة المتاحة، لكن يصاحب إحساسه بتعظيم الذات قلقٌ مبالَغ فيه من أي محاولة للرد أو تفنيد خطابه.

ففي حواره الأخير المشار إليه، تحدث السيسي بتوازن وهدوء عن ملفات هامة مثل العشوائيات والتنظيم وتطوير القرى والأموال المدبرة للتطوير وملفات خارجية مثل التفاوض مع إثيوبيا والتفاهمات الليبية الأخيرة. لكنه كان هدوءَ مَن يتحدث إلى مؤيديه. فالرئيس ينفعل بسهولة كلما سمع كلمات فيها شبهة المعارضة لما يراه صواباً، حتى أنه ينفعل حتى على مريديه أنفسهم كلما تحدثوا بما يشعر بأنه آراء تخالف قناعاته.

يتجنب السيسي دوماً التحدث عن التفاصيل التي تكمن فيها شياطين المعارضة و"أهل الشر" كما يحب أن يصنف معارضيه. ففي حديثه أيضاً، كان يثير سؤالاً على نفسه "إنت بتجيب الفلوس دي منين؟" ويجيب نفسه "كله من مصر"، "كله من فضل الله".

وعند سؤاله عن سد النهضة، يجيب عن تبطين الترع ومحطات التنقية. وتبدو الإجابة وكأنها عن تساؤل آخر لم يُطرح بعد وهو كيف سنحافظ على المياه الموجودة بالفعل؟ وهل حصة المياه التي تصل إلى مصر ستبقى كما هي؟

"يعشق السيسي فكرة التحصين من أيّة مُساءلة ويكره أفكار الدولة الحديثة التي تحوّله من زعيم إلى مجرد موظف عام. لذا، يستخدم خليطاً من العبارات الثيوقراطية التي يستمد فيها الحاكم شرعيته من مقولات دينية تتعلق بعلاقته بالله لا بالشعب"

وإنْ قلت "ما هو حجم الضرر؟"، حين تسأله عن أولوية وجودة الجسور والطرق، يجيب السيسي عن أهمية الجسور والطرق بشكل مجرد، ولا يختلف اثنان على أهميتها بشكل عام، لكن الاختلاف حول أولويتها وكيفية بنائها وجودة بنائها.

ويسكت الرئيس المصري عن الإجابة على أسئلة مشروعة عن طبيعة الاقتصاد المصري وأزمات التنافسية، بعد احتكار أجهزة الدولة للتخطيط والإشراف وحتى التنفيذ والسيطرة في مجالات عديدة أهمها المقاولات والإنشاءات والتجارة والخدمات والإعلام والسينما والدراما وغيرها. كما يسكت عن تفاصيل أسئلة أخرى مثل خطة التلقيح ضد فيروس كورونا وخطط الدولة لشراء وتصنيع اللقاحات وخططها لتسريع وتيرة التلقيح.

التحصين من المساءلة

يعشق السيسي فكرة التحصين من أيّة مُساءلة ويكره أفكار الدولة الحديثة التي تحوّله من زعيم إلى مجرد موظف عام. لذا، يستخدم خليطاً من العبارات الثيوقراطية التي يستمد فيها الحاكم شرعيته من مقولات دينية تتعلق بعلاقته بالله لا بالشعب، بحيث يمنحه الله من فضله حتى يتهرب من ذكر فضل الأمة في الأموال التي يتحكم فيها ويصرفها كيفما شاء.

ويستخدم مفاهيماً شوفينية تمجد في الذات العليا للوطن التي تعلو فوق الناس جميعاً، وهي فكرة مستمدة من كل الأفكار المثالية التي أسست القومية المتطرفة مثل الفاشية والنازية وهي أحد الأساطير المؤسسة لدولة يوليو التي تصوِّر دائماً الوطن ككيان منفصل ويعلو عن المواطنين لحل تناقض كان يظهر بإلحاح وهو: إذا كان المواطن ليس بخير فكيف يكون الوطن بخير؟

ويمكن وفقاً لهذا المفهوم مصادرة حقوق المواطنين لكي نعطيها للوطن. ويمكن تخيل وطن حر لا يتمتع مواطنوه بالحرية. ويمكن أن يكون الوطن غنياً يبني المزيد من الجسور ولا يملك بعض مواطنيه قوت يومهم.

وفقاً لمفاهيم السيسي نفسه، "ما ناكلش؟ آه ما ناكلش، ما نامش؟ آه ما نامش لأجل هي تاخد مكانها الحقيقي". ولا يتحدث الرئيس المصري إلا للموالين والمريدين ويكره دوماً حديث المعارضين أو إلى المعارضين، ويخلق دولة لها صفات فاشية حيث لا يخطئ الزعيم، وشوفينية حيث الوطن كيان منفصل عن المواطنين ويعلو عليهم، وثيوقراطية حيث الرئيس يستمد شرعيته من أفضال الله عليه. كل هذا من أجل تحصين ذاته من النقد والمحاسبة. لكن هل يمكن أن يحصن سياساته من الأخطاء الصغيرة منها أو الكبيرة أو حتى الكارثية؟ لم يفلح مَن حاول ذلك من قبله. فهل يفلح هو؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard