انتصار السيسي... شكل ونموذج مغاير للسيّدة الأولى في مصر

الخميس 3 ديسمبر 202012:33 م
Read in English:

Entissar Al-Sisi… An Alternate Form & Image Of The First Lady In Egypt

بعد ما يقرب من سبع سنوات من حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ظهرت زوجته السيدة انتصار في لقائها التلفزيوني الأول، وهو لقاء تمحور حول الشق الأسري والإنساني في حياة زوجها.

لم تتطرق زوجة الرئيس مطلقاً للحديث عن أي مشاريع قومية، أو دور سياسي تنوي القيام به كسيدة أولى لمصر.

تجاهُل انتصار السيسي التام للشأن العام وتركيزها على دورها كزوجة وأم، جعل الكثيرين في القاهرة يتساءلون عن أي المناهج ستسلك كسيّدة أولى؟ الصامتة أو المؤثرة.



مشاريع السيّدات الأولَيات

عرفت مصر منذ تغيّر حكمها الملكي إلى جمهوري، عام 1952، وقبل وصول السيسي إلى الحكم خمسة رؤساء، اثنان منهم لم يمكثا في الحكم سوى عام واحد ثم ألقي القبض عليهما، لذا يصعب الحكم على طبيعة نشاط زوجاتهم، وهنّ: عائشة لبيب، زوجة محمد نجيب، ونجلاء محمود، زوجة محمد مرسي.

أما الثلاث الباقيات، وهنّ تحية عبد الناصر، جيهان السادات، وسوزان مبارك، فقد لعبن أدوراً متباينة.

أول مَن حكموا فعلياً بعد الثوره كان جمال عبد الناصر الذي حرص على إبعاد زوجته تحية عن المشهد العام، لأسباب تتعلق بفلسفة حكمه. فالرجل الذي أتى ليقضي على البرجوازية والإقطاع، اعتبر أنه لم يكن من المنطقي أن تظهر زوجته كإحدى "الهوانم" التي ثار هو ورفاقه على طبقتهنّ المترفة.

لذلك قرر عبد الناصر أن مَن ستظهر معه في مراسم استقبال الوفود وفي المحافل الدولية هي وزيرة الشؤون الاجتماعية، الدكتورة حكمت أبو زيد. اختارها لتكون أول وزيرة مصرية، مطلقاً عليها لقب "قلب الثورة الرحيم"، ويمكن اعتبارها ضمنياً سيدة مصر الأولى غير الرسمية أثناء حكم عبد الناصر.

والمفارقة أن أبو زيد سُحبت منها الجنسية المصرية في عهد أنور السادات، على خلفية أزمتها السياسية مع النظام الحاكم بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

أما لقب سيّدة مصر الأولى، المنقول من أمريكا، فقد عرفته مصر بصورة رسمية في شخص جيهان السادات التي اتسقت ملامحها الغربية الموروثة عن والدتها الإنكليزية مع تحوّل السادات بالبلاد صوب واشنطن، واتخاذه النهج الرأسمالي الانفتاحي، عوضاً عن اشتراكية عبد الناصر.

"يبدو أن التوجه العام داخل مؤسسة الرئاسة المصرية هو أن تقف انتصار السيسي في منطقة وسطى، فلا هي سوزان مبارك ولا جيهان السادات، أصحاب الحظوة والمشاريع المجتمعية المرتبطة باسميهما، ولا هي تحية عبد الناصر التي عاشت وماتت في الظل دون أن يشعر بها أحد"

ظهرت جيهان السادات كصورة مصرية براقة لا تقلّ بريقاً عن قاطنات البيت الأبيض. لم تكن ملامحها الجذابة وإجادتها للغة الإنكليزية كافية لصنع نموذج السيّدة الأولى المرجو على النمط الغربي، لذا كان لا بد من أن تقوم بدور اجتماعي فعّال، ومشروع تنموي يتربط باسمها، ويساعد على ترسيخ مكانتها في قلوب المصريين كسيدة أولى محبوبة.

ومن هنا، أتى خطها الأساسي ممثلاً في دعم قضايا المرأة وذوي الإعاقة، أو دعم مشروع جيهان السادات لنكون أكثر دقة، عبر إقامتها حملات "تنظيم الأسرة" ودعمها والعمل على نشر مراكزها في أغلب القرى.

كما عملت أيضاً على تعديل قانون الأحوال الشخصية لصالح حقوق المرأة، إذ ألزم التعديل الزوج بإبلاغ زوجته قبل تسجيل الطلاق، وأعطيت الزوجة الحق في تحريك دعوى قضائية للمطالبة بالنفقة، والحق بالعيش في منزل الزوجية بحال إثبات عدم وجود مكان آخر تعيش فيه. وقد عُرف هذا القانون حتى يومنا هذا باسم "قانون جيهان".

أما ذوي الإعاقة، فقد أسست لهم جمعية "الوفاء والأمل"، وهي الجمعية المنوط بها دعم أبناء هذه الفئة، وتأهيلهم للعمل، والمساعدة في إيجاد وظائف مناسبة لهم... وبالفعل، نجح المشروع في التحوّل إلى قبله وطوق نجاة لكثيرين من ذوي الإعاقة، وانعكس ذلك قطعاً على شعبية جيهان السادات.

وحين أتى مبارك إلى الحكم، سارت زوجته سوزان على نفس نهج جيهان، وإنْ كانت قد بحثت لنفسها عن مشروع جديد يرتبط بها هي، حتى تخرج من ظل جيهان الذي طاردها كثيراً وجعلها تُصدر أوامر بمنع ظهورها على الشاشات.

قررت سوزان مبارك، أو مَن يخططون لها، أنّ الطفل والثقافة هما مسارها صوب ترسيخ اسمها ومكانتها كسيدة أولى. وبالفعل، نجحت من خلال ترؤسها للمركز القومي للطفولة والأمومة في القضاء على شلل الأطفال، المرض الذي أرق أسراً مصرية كثيرة لعقود طويلة، وحُسب لها هذا النجاح وصبَّ في رصيدها.

لكن نجاحها الأكبر والأبقى والمرتبط باسمها حتى يومنا هذا هو اهتمامها بالثقافة والقراءة من خلال إقامتها مشروعي "مكتبة الأسرة" و"مهرجان القراءة للجميع"، والمشروعان يعملان بشكل متكامل على نشر الثقافة وتيسير سبل القراءة بين الجميع وبخاصة الأجيال الناشئة والشباب، وذلك عبر توفير مكتبات عامة في أغلب الأحياء السكنية، وطباعة أهم وأبرز الكتب بأسعار زهيدة جداً ضمن مشروع القراءة للجميع.

نجح مشروع سوزان مبارك في خلق جيل من الشباب له علاقة وارتباط بالكتب، وحتى يومنا هذا ما زال المشروع يعمل ويُنسب الفضل فيه لها حتى وإنْ أزيلت صورتها من على أغلفة الكتب.

انتصار السيسي... نموذج مغاير

أما السيّدة الأولى الحالية انتصار السيسي فهي تمثل شكلاً ونموذجاً مغايراً تماماً لمَن سبقوها. هي ليست جيهان السادات ولا سوزان مبارك، بملامحهما الأجنبية وإجادتهما للإنكليزيه ولقواعد الإتيكيت الغربية. هي على العكس تماماً، نموذج لامرأة مصرية عادية جداً، من حيث ملامحها وتكوينها الجسدي وأزيائها وحجابها. هي نموذج يعبّر عن نساء الطبقة الوسطى المصرية.

"الظاهر أن انتصار السيسي ستلعب دور الزوجة التي تدعم زوجها وتهتم بشؤون أبنائها وأحفادها، ومشاركتها في الحياة العامة لن تتجاوز الوقوف بجانب زوجها مبتسمة، كمعظم النساء العاديات في مجتمعنا"

وإذا كانت جيهان وسوزان تمتلكان الكاريزما والقدرة على مواجهة الكاميرات بأريحية، فإن انتصار السيسي تتفوق عليهما بقربها أكثر من النساء المصريات، اللواتي لأوّل مرة يرون سيدة أولى "شبههم".

نظرة على التعليقات المنتشرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تخبرنا بأن ظهور انتصار السيسي بشكلها العادي، وحديثها المُنصَبّ على أمور بسيطة تخص زوجها وأبناءها وبيتها، كأي أم مصرية، حقق نجاحاً ملموساً عند شريحة عريضة لم تكن سوزان مبارك تمثلها بأي حال من الأحوال.

صاحب قرار ظهور انتصار السيسي اليوم للجمهور كان يعي هذا جيداً، على الأرجح، ويدرك أنها ستشكّل إضافة على رصيد السيسي، لا خصماً منه، عند قطاع ليس بالقليل، وهو ما تحقق بالفعل.

وحتى الآن، يبدو أن التوجه العام داخل مؤسسة الرئاسة هو أن تقف انتصار السيسي في منطقة وسطى، فلا هي سوزان مبارك ولا جيهان السادات أصحاب الحظوة والمشاريع المجتمعية المرتبطة باسميهما، ولا هي تحية عبد الناصر التي عاشت وماتت في الظل دون أن يشعر بها أحد.

الظاهر أن انتصار ستلعب في مسرح السياسة دورها الحقيقي على مسرح الحياة، زوجة تدعم زوجها وتهتم بشؤون أبنائها وأحفادها، ومشاركتها في الحياة العامة لن تتجاوز الوقوف بجانب زوجها مبتسمة، كمعظم النساء العاديات في مجتمعنا، وهو دور يروق للكثيرين الذين يسعدهم أن يروا أنفسهم في قصر الرئاسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard