هل أصبح السيسي الديكتاتور المفضّل لماكرون؟

الخميس 10 ديسمبر 202011:43 ص
Read in English:

Did Sisi Just Become Macron’s Favorite Dictator?

"لن أربط مسائل الدفاع والتعاون الاقتصادي والعسكري بالخلافات حول ملفّ حقوق الإنسان؛ الأفضل أن تكون لدينا سياسة تدعو إلى الحوار، بدلاً من المقاطعة التي لن يكون من شأنها سوى تقليل فاعلية شريك لنا في محاربة الإرهاب" .

كان هذا مقتطفاً من تصريح للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يوم الاثنين 7 كانون الأول/ ديسمبر 2020، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بقصر الإليزيه في العاصمة الفرنسية باريس.

وتنظر فرنسا إلى القاهرة على أنّها حليف إستراتيجي ضد "التهديد التركي".

هذه الهديّة التي قدّمها الرئيس الفرنسي لضيفه الذي يحتاجها كثيراً (أسابيع قليلة قبل رحيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب )، والتي سبقها احتفاء رسمي بالرئيس المصري باعتباره أوّل رئيس عربي يزور باريس، بعد حملة الكراهية حسب تعبير ماكرون (في إشارة لحملة المقاطعة للبضائع الفرنسية بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد) تزامنت مع غضب حقوقي فرنسي حيال سجل القاهرة في مجال الحرّيات وحقوق الإنسان، إذ وقّعت 17 منظّمة حقوقية فرنسية ودولية على بيان يتّهم الإدارة الفرنسية بتجاهل انتهاكات السيسي لحقوق الإنسان، وقد اعتبر كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظّمة "هيومن رايتس ووتش"، أنّ "السيسي لعب بذكاء حين صوّر نفسه حصناً ضدّ الإرهاب والهجرة غير النظامية، وصديقاً لإسرائيل وداعماً للمصالح الأوروبية وحريفاً مهمّاً في سوق الأسلحة".

زيارة السيسي لباريس والتي مهّد لها جون إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي، الصديق الشخصي للسيسي، لأسابيع بعد زيارة خاطفة للقاهرة الشهر الماضي، كانت مناسبة للرئيس المصري لانتهاز فرصة ربّما لن تتكرّر لاحقاً ومقايضة فرنسا عبر عديد الملفّات، لأنّه لم ينس تصريح إيمانويل ماكرون في أواخر كانون الثاني/ يناير 2019، خلال زيارته للقاهرة وكان قد أعرب فيه عن أسفه لتردّي الوضع الحقوقي في مصر.

موقع la tribune الفرنسي اعتبر أنّ زيارة الدولة التي يؤدّيها الرئيس المصري ستطوي صفحة الخلاف المصري الفرنسي الصامت، لما يقرب من عامين حول الملفّ الحقوقي وتعيد  فرنسا إلى السياسة الواقعية real politik  والتفكير البراغماتي مع التمدّد التركي شرق المتوسّط وفي عمق أفريقيا.

هذه الهديّة التي قدّمها الرئيس الفرنسي لضيفه الذي يحتاجها كثيراً، تزامنت مع غضب حقوقي فرنسي حيال سجل القاهرة في مجال الحرّيات وحقوق الإنسان، إذ وقّعت 17 منظّمة حقوقية فرنسية ودولية على بيان يتّهم الإدارة الفرنسية بتجاهل انتهاكات السيسي لحقوق الإنسان

فبعد خسارة قاعدة الوطية الإستراتيجية في ليبيا على تخوم طرابلس لفائدة الأتراك في شهر أيار/ مايو، سعت باريس إلى دفع مصر نحو النزول بثقلها عسكرياً، لدعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وميليشياته عقب هزائمه المتتالية وحاجته إلى إسناد إقليمي برّي لن يكون إلاّ عبر بوّابة السلّوم الحدوية بين مصر وليبيا، وذلك بحسب ما أكّده الصحافي الفرنسي نيكولا بو في مقال نشره على موقع موند أفريك.

باريس التي تعتقد بأن الجزائر قد اختارت مساندة حكومة الوفاق بليبيا بعد تصريح عبد المجيد تبّون في شهر أيلول/ سبتمبر، والقول بأن طرابلس " خطّ أحمر"، وبالتالي التقاطع مع الأجندة التركية، اقتنعت بأنّ بوّابتها لليبيا لن تكون غير مصر التي تشترك معها في عداء تركيا والتقارب مع الإمارات وإسناد ميليشيات خليفة حفتر.

زيارة السيسي إلى باريس والتي لم يعلن عنها الإيليزي إلاّ قبل 4 أيام من موعدها، تزامنت مع جولة جاريد كوشنر (مستشار الرئيس الأمريكي ومبعوثه للشرق الأوسط) الشرق الأوسطية، التي شملت الدوحة والرياض واستثنت الإمارات، وأفادت تقارير متطابقة بأنّها كانت بغرض تحقيق المصالحة الخليجية بناءً على طلب سعودي بحسب ما أكدته يومية الفاينانشال تايمز .

فعودة العلاقات بين الدوحة والرياض، تعني بالضرورة عودة العلاقات بين السعودية وتركيا، وهو ما تقرأ له باريس وكذلك القاهرة ألف حساب بالنظر إلى ارتداداته الجيوسياسية في كامل المنطقة.

من جهة أخرى، تعوّل باريس على مصر باعتبارها أكبر بلد إسلامي سنّي لإفشال حملة المقاطعة التي تستهدفها وتقودها تركيا وأثرت شديد التأثير في فرنسا، وهو ما يمكن أن نلمسه من خلال الظهور الإعلامي المتكرر للرئيس الفرنسي لتوضيح تصريحات سابقة أثارت غضب الرأي العام المسلم أو  في البلاغ الذي أصدرته الخارجية الفرنسية أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر، واعتبرت فيه أنّ دعوات المقاطعة عبثية، داعية إلى إيقافها وإيقاف كل الهجمات التي تتعرّض لها، والتي تقف وراءها أقلية راديكالية حسب تعبير البلاغ نفسه.

 تعوّل باريس على مصر باعتبارها أكبر بلد إسلامي سنّي لإفشال حملة المقاطعة التي تستهدفها وتقودها تركيا وأثرت شديد التأثير في فرنسا

 وعقب زيارة جون إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي، للقاهرة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، أكد الرئيس المصري تطلّع بلاده للتعاون مع الشركات الفرنسية وذلك في إطار العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، حتى أنّ الإعلام المصري تجنّد بشكل متزامن مع فقهاء النظام للتأكيد على عدم جواز مقاطعة البضائع الفرنسية، لأن ذلك سيجعل العالم الإسلامي بيد تركيا.

وتنظر فرنسا إلى القاهرة على أنّها حليف إستراتيجي ضد "التهديد التركي" سواء على المستوى الداخلي حيث تسعى باريس إلى حشد دعم الدول العربية الحليفة في ظلّ حربها ضد ما أسمتها "الانعزالية الإسلامية " المدعومة من أنقرة، إذ يسعى وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان إلى تفكيك النسيج الجمعياتي الإسلامي، بإعلانه الأسبوع الفارط عن الإنطلاق في مراقبة 80 مسجداً والتلويح بغلق كل من تثبت مخالفته. أما إقليمياً، فتراهن فرنسا على القاهرة لتقوية التحالف الذي يجمعها باليونان وقبرص شرق المتوسط ضد التوسّع التركي خاصة بعد معاهدة ترسيم الحدود بين أنقرة وحكومة الوفاق الليبية.

هذه الإزدواجية في التعامل مع حقوق الإنسان والتباين بين الخطاب السياسي الفرنسي وبين الفعل يمكن أن نلخّصه بتصريح سابق لوزير الخارجية الأسبق، آلان جوبيه، قال فيه: "خلال فترة طويلة جداً، كنا نعتقد أن الأنظمة السلطوية وحدها هي الحصن المنيع ضد التطرف في العالم العربي. وخلال فترة طويلة جداً، لوّحنا بذريعة الخطر الإسلاموي لتبرير نوع من المحاباة تجاه حكومات كانت تتجاهل الحريات وحقوق الإنسان وتعرقل تنمية بلدانها".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard