حياة العرب الضائعة... هل نخسر عقداً آخر لمصلحة الفساد والإهمال؟

الجمعة 5 فبراير 202112:53 م

في أحدث أنباء غير سارة عن أثر جائحة الفيروس التاجي على المنطقة، حذّر صندوق النقد الدولي، في 4 شباط/ فبراير، من أن العالم العربي يخاطر بـ"عقد آخر ضائع" إذا فشلت الحكومات في الاستثمار في التكنولوجيا وتنفيذ إصلاحات لتسريع تعافي الاقتصادات التي ضربها الوباء.


في مقال عبر الموقع الرسمي للصندوق الدولي، كتب جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق: "يعتمد الطريق إلى التعافي الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على إجراءات احتواء الفيروس، وفرص الحصول على اللقاحات وتوزيعها، والمجال المتاح للسياسات حتى تدعم النمو، فضلاً عن الإجراءات التي تخفف من وطأة الآثار الاقتصادية العميقة الناجمة عن الجائحة".


ولفت إلى أن الموجة الثانية من الفيروس التي بدأت في أيلول/ سبتمبر الماضي ألحقت ضرراً إضافياً بالعديد من بلدان المنطقة لا سيّما أن معدلات الإصابة والوفيات "فاقت إلى حد بعيد تلك المعدلات المسجلة أثناء الموجة الأولى".

داعياً إلى الاعتبار من أخطاء الماضي… صندوق النقد الدولي: "لتسريع الانتعاش وتجنب إضاعة عقد آخر، ووجوب أن يبدأ العمل الآن على الاستثمار العالي الجودة في البنية التحتية الخضراء والرقمنة" في الدول العربية

التعلم من الماضي

في تصريحات إيضاحية لـ"فايننشال تايمز"، أضاف أزعور أن الحكومات في المنطقة، التي تكافح الموارد المتناقصة والديون المتزايدة وبطالة الشباب المتفشية ، عليها أن "تتعلم من الماضي"، مصيفاً: "بعد الأزمة المالية العالمية، استغرقت بلدان المنطقة وقتاً أطول بكثير من متوسط الاقتصاد الناشئ لاستعادة مستوى النمو السابق. الخطر الآن هو أن هناك دولاً لن تكون قادرة على استعادة مستوى 2019 (من الإنتاج) حتى عام 2022، وبعضها لن يصل إليه لمدة خمس سنوات".


حتّى قبل تفشي كوفيد-19، أخفقت البلدان الأفقر في المنطقة في معالجة معدلات الفقر المرتفعة والبطالة المتفشيّة لعقد من الزمن. دفع التدهور الاقتصادي والاجتماعي إلى حدوث الانتفاضات العربية. ثم جاء الوباء ليفاقم الأمور مع توقف السياحة والصناعة الحيوية للتوظيف وإيرادات العملات الأجنبية في هذه الدول، في موازاة تضرر القطاعات الأخرى. الشهر الماضي، نزل آلاف التونسيين إلى الشوارع مجدداً تعبيراً عن الإحباط من البطالة وانعدام الأمل في تحسن الأوضاع.


رأى أزعور أنه "لتسريع الانتعاش وتجنب إضاعة عقد آخر، يجب أن يبدأ العمل الآن على الاستثمار العالي الجودة في البنية التحتية الخضراء والرقمنة".


ونبّه إلى أن الأولوية القصيرة المدى لحكومات المنطقة ينبغي أن تكون "تطعيم السكان ضد فيروس كورونا" و"دعم النظم الصحية الهشة" بموازة "معالجة أعباء الديون الثقيلة وتحفيز النمو"عن طريق ترشيد الإنفاق العام وتحويل القدر الأكبر منه إلى الصحة والتعليم والتكنولوجيا والقطاعات التي تخلق فرص العمل والنمو الشامل.

خلال 2020، تقلصت اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 3.8% وتدهورت أرصدة المالية العامة في ثُلث بلدان المنطقة أكثر من خمس نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي. ما السبيل إلى الخروج من دوامة أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية؟

التقشف حل؟

خشية أن يُفهم حديثه على أنه دعوة إلى التقشف - ذاك الإجراء الذي طالما فضّلته حكومات المنطقة وكرهته الشعوب وأُلقت باللوم على الصندوق في تشجيعه - أضاف أزعور: "عندما نتحدث عن ضبط أوضاع المالية العامة، فإن ذلك لا يعني التقشف بالضرورة. يمكن فعل ذلك من خلال مراجعة النظام الضريبي وتقاسم العبء بشكل مختلف. يتعلق الأمر بتركيز دعم الدولة على ما يستحق".


ضرب أزعور مثالاً على ذلك بأن الإنفاق الاجتماعي في المنطقة لا يزال دون المستوى، ويحتاج إلى زيادته بالطرق الصحيحة عن طريق تكثيف الإنفاق على التعليم والصحة لمن يستحق. 


وفق بيانات الصندوق، تدهورت أرصدة المالية العامة في ثُلث بلدان المنطقة خلال عام 2020 أكثر من خمس نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي، فيما ارتفعت مستويات الدين الحكومي في جميع أنحاء المنطقة بمتوسط 5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان المستوردة للنفط و10 إلى 12% لمُصدّري النفط. في حين تقلصت اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 3.8% عام 2020.


يُضاف كل هذا إلى التحديات التي تواجه الحكومات لإيجاد طرق للموازنة بين دعم الانتعاش الاقتصادي والقدرة على تحمل الديون نظراً لمحدودية الحيز المالي في ميزانياتها، وفق أزعور.

قبل تفشي كورونا، أخفقت بلدان المنطقة في معالجة تفشيّ الفقر والبطالة لعقد من الزمن، فحدثت الانتفاضات العربية. ثم جاء الوباء ليفاقم الأمور. صندوق النقد الدولي يحذر من "عقد آخر ضائع" على العرب والحل ليس التقشف بالضرورة

تونس: حاجة إلى ميثاق وطني

في تونس، باعتبارها نموذجاً للدول التي ثارت على نظام الحكم أواخر العام 2010، انكمش الاقتصاد بنسبة 8.2% في عام 2020، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة. بلغت البطالة في أوساط الشباب 36.5% في تقديرات منظمة العمل الدولية.


مع تجدد الاحتجاجات الشعبية أخيراً، ألمح مسؤولون تونسيون إلى السعي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. لكن ذلك يتطلب إصلاحات صعبة للحد من فاتورة أجور القطاع العام وخفض دعم الطاقة ومعالجة خسائر الشركات الحكومية التي ينظر إليها على أنها استنزاف للميزانية.


أحجمت الحكومات المتعاقبة في تونس عن تنفيذ تلك الإصلاحات التي يُرجّح أن يرافقها مزيد من الغضب الشعبي. وتُصعّب الضغوط الجديدة التي فرضها كورونا هذه المهمة.


في هذا الصدد، قال أزعور إن صندوق النقد الدولي "يؤكد على الحاجة إلى حوار وطني في تونس حول ميثاق اجتماعي لتحديد أولويات البلاد". رغم إقراره صعوبة حدوث ذلك في بيئة مقيدة، أصر أزعور على أن "أفضل طريقة هي التحدث مع الناس لإنشاء ميثاق وطني ثم تشارك المسؤولية والقرار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard