ضرائب في الأفق الخليجي... هل تمهّد لتغيّرات في علاقة المواطنين بالسلطة؟

الأحد 31 يناير 202111:54 ص

يحلل المؤرخ هشام جعيط تمنّع بعض القبائل العربية، في أول سنوات دولة الخلافة الراشدة، عن دفع الصدقة/ الزكاة، على أنه نوع من التهرب الجبائي حسب المفهوم الحديث. يقول في كتابه "الفتنة" (بيروت، 2000): "كانت القبائل مستعدة لمواصلة ممارسة الصلاة. وبالتالي لم يكن العنصر الديني في صفائه هو الذي يضايقهم، بل كان يضايقهم البعد الدولي بشكل أشد، بعد دفع الغرامة. حول هذه النقطة، كان أبو بكر لا يقبل التفاوض والجدال".

وبما أن الإسلام المبكر والدولة الناشئة كانا متداخلين حتى الأعماق، كان تصدّع الولاء للدولة يعبَّر عنه بارتداد عن الإسلام، ما استوجب أن تخرج القوة العامة آنذاك لإرضاخ المتهربين من دفع الإتاوة/ الجباية.

كذلك فعلت كل الدول والحكومات بنسخها التقليدية والحديثة، إذ يُعتبر دفع المواطنين للضرائب وجهاً للاعتراف بالسلطة الحاكمة والولاء لها.

بعد نحو قرن من انتهاء سيطرة العثمانيين على شبه الجزيرة العربية، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي الستّ تتجه مؤخراً نحو تعديل سياساتها الضربية، عبر فرض ضريبة القيمة المضافة بـ5% والتي اعتُمدت منذ مطلع عام 2018.

وأواخر سنة 2020، بادرت سلطنة عمان إلى التخطيط لرفع نسبة الضريبة على دخل الأفراد في أفق 2022، فيما تنظر بقية الحكومات الخليجية إلى هذه الخطوة باهتمام وتنتظر كيف سيكون وقعها على علاقة المجتمع العماني بالحكومة.

سبق ذلك دعوة عدد من الخبراء الماليين، ومنهم مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، حكومات دول شبه الجزيرة العربية إلى اعتماد سياسة ضريبية أكثر حزماً لتلافي الخسائر المادية التي تواجهها نتيجة تراجع أسعار النفط منذ عام 2014.

فما هي ملامح السياسة الضريبية الخليجية الحالية؟ وكيف سيتأثر العقد الاجتماعي بين الخليجيين وحكوماتهم بتغيّر هذه السياسة؟

سياسة ضريبة خليجية جديدة

يبلغ المعدل العالمي لمداخيل الحكومات من الضرائب حوالي 62%، لكنه لا يتجاوز الـ37% في الدول العربية. يبقى هذا المعدل ضعيفاً حتى بالمقارنة مع الدول ذات الدخل الفردي المتوسط (73%).

حسب دراسة للأمم المتحدة، لا تتجاوز حصة الضرائب من المالية العمومية لدول مجلس التعاون الخليجي الستّ (GCC) الـ2%، بينما تتراوح هذه النسبة في اقتصاديات شبيهة (دول ذات دخل فردي مرتفع) بين 20 و30%.

اعتمدت دول الخليج منذ بداية نشأتها في عشرينيات القرن الماضي على البترول وعائداته في بناء "مدن الملح" كما أسماها الروائي عبد الرحمن منيف، حيث مثّلت العائدات البترولية بين 50 و90% من مداخيل هذه الدول في الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2015، حسبما ورد في تقرير لصندوق النقد الدولي.

اشترت الملكيات الخليجية استقرارها السياسي والاجتماعي عبر دعم الخدمات الاجتماعية والوظائف لرعاياها/ مواطنيها من خلال استغلال احتياطاتها من الريع النفطي، بل وقامت بتوزيع العطايا على السكان على شكل دعم شراء السيارات وبناء المساكن وغيرها.

اشترت الملكيات الخليجية استقرارها السياسي والاجتماعي عبر دعم الخدمات الاجتماعية والوظائف لرعاياها/ مواطنيها من خلال استغلال احتياطاتها من الريع النفطي، بل وقامت بتوزيع العطايا على السكان على شكل دعم شراء السيارات وبناء المساكن وغيرها

سنة 1955، فرضت السعودية أتاوات على الشركات والأرباح والأفراد، سواء من مواطنيها أو الأجانب، لكنها راجعت قانونها الجبائي في غضون ستة أشهر بعد ذلك لتلغي ضريبة الدخل عن مواطنيها ثم لاحقاً عن الأجانب عام 1975، وتترك فقط ضريبة على الشركات البترولية المحلية والأجنبية.

كذلك فعلت بقية الحكومات الخليجية كالكويت (1955) والإمارات (1960) وعمان (1970). خفّضت الضريبة على الشركات غير البترولية لتحفيز الاستثمار الأجنبي، كما بادرت إلى بعث مناطق أسواق حرة وإسناد إعفاءات وامتيازات جبائية للشركات المحلية والأجنبية، ما رشّح إمارة دبي وغيرها لتكون جنات ضريبية جاذبة للرأسمال العالمي.

وباستثناء الزكاة، خاصة في دولتي السعودية وقطر، لا مداخيل جبائية للمالية العمومية الخليجية غير النفط وعائدات مشتقاته والأنشطة المرتبطة به والأداء الجمركي الموحد على السلع المستوردة بـ5% والذي سبق فرضه عام 2003 في كل دول مجلس التعاون الخليجي.

ومع تدهور أسعار البترول واستقرارها عند معدلات منخفضة، منذ عام 2014، وقع عجز في ميزان الدفوعات والمداخيل أرّق الماليين الحكوميين. تراجعت المداخيل الجبائية، والتي كانت متأتية من الصادرات النفطية، بحوالي 11% سنة 2016، ومن المتوقع، حسب ورقة لصندوق النقد الدولي، أن يبقى هذا العجز في مستوى الـ4% طيلة السنة الحالية.

كان الحكام الخليجيون قد بادروا منذ ما يزيد عن عقدين إلى خلق نسيج اقتصادي متنوّع كالزراعة والغذاء في المملكة السعودية وسلطنة عمان، السياحة والتجارة في الإمارات، والاستثمار في الرياضة كما فعلت دولة قطر. كذلك عمدت دول الخليج إلى تشجيع المواطنين على الاستثمار في أنشطة تجارية في بلدان أجنبية.

لكنّ هذه الخطوات لم تجنب هذه الدول تأثير انحدار أسعار النفط في الأسواق العالمية على مداخيلها الجبائية، وهو ما دفعها أخيراً إلى التفكير جدياً في اتخاذ خطوات نحو تعديل سياساتها الجبائية قصد تنويع عائدات الإتاوة.

ولا ننسى أيضاً مداخيل الحج والعمرة للدولة السعودية والتي لطالما كان لها دور في موازنة اقتصاديات شركائها في المجلس عبر المنح والودائع، إلا أن إلغاء موسم الحج في السنة الماضية، وربما الموسم الحالي، سيعمق الأزمة المالية للحلفاء العرب الغارقين في مستنقع حرب اليمن.

الضريبة والمواطَنة

لطالما كان للضريبة والجباية دور في حركة التاريخ. من الروايات الشائعة حول انتشار العملة المالية على حساب المقايضة أن أحد قياصرة الروم سعى إلى فرض عملته الخاصة على سكان المستعمرات، لكن بسبب شيوع المقايضة في العصور القديمة لم تلقَ هذه العملة الرومانية الرواج المطلوب، فلجأ القيصر عبر ولاته إلى فرض جباية يدفعها المزارعون والتجار حصراً بهذه العملة القيصرية، ما دفعهم بدورهم إلى القبول بها لأداء "واجبهم" الضريبي.

اعتُبرت الضرائب من ركائز المواطنة الحديثة في شكلها المعولم بحيث يلتزم المواطن بدفع ما تفرضه الحكومة مقابل ما تضمنه من حقوق مثل الأمن، التعليم والعدالة...

أيضاً، يرى كل من ابن خلدون وكارل ماركس وآدم سميث وميلتون فريدمان وآخرين، وكل حسب مرجعيته الإيديولوجية، أن للضرائب دوراً تأسيسياً في علاقة المحكومين بالحكام.

وتعتبر المقاربة الليبرالية للديمقراطية التمثيلية الضرائب محركاً رئيسياً لظهور المحاسبة السياسة والبرلمانات والمؤسسات الدستورية في العصور القروسطية. وحين تتمادى السلطات في رفع الضرائب ترتفع حمّى الاحتجاجات والانتفاضات (إنكلترا 1662، فرنسا 1675، تونس 1864...) وهو ما يؤكد العبرة المركزية المستخلصة من السياسة الضريبية وهي أن التكاليف الجبائية تتناسب عكساً مع الشرعية المفترضة للسطة التي تفرض الضريبة.

مثّل شعار "لا ضرائب بلا تمثيل No taxation without representation" شعاراً استثنائياً تبنّاه أولاً البرلمان الإنكليزي في المرحلة المبكرة لظهور الملكية الدستورية الإنكليزية في شكلها الحديث، كما استُخدم ثانيةً أثناء المناوشات الأولى للثورة الأمريكية على التاج الإنكليزي. ومن هنا اعتُبرت الضرائب من ركائز المواطنة الحديثة في شكلها المعولم بحيث يلتزم المواطن بدفع ما تفرضه الحكومة مقابل ما تضمنه من حقوق مثل الأمن، التعليم والعدالة... حسب ما يقتضيه العقد الاجتماعي لكل حكومة مع مواطنيها، مع مراعاة الاختلافات الاجتماعية والتباينات الاقتصادية لكل جغرافيا.

باستثناء الكويت، تغيب عن الدول الخليج العربي برلمانات فاعلة قادرة على محاسبة الحكومة وتقصّي طريقة التصرف بالمالية العمومية والاعتراض عليها.

مفهوم المواطنة الخليجية يتميّز عن غيره في العالم بأنه أقرب إلى مفهوم الرعية الإسلامي منه إلى المواطنة الليبرالية الغربية، أو بشكل أقل، الصينية. يحظى المواطنون الخليجيون بامتيازات مادية واجتماعية كبيرة مقارنةً بغيرهم من المواطنين العرب، بينما تقتصر الواجبات المواطنية على التنازل عن حق المشاركة في القرار السياسي والالتزام بالقواعد العامة للحياة المشتركة والتي تفرضها الملكيات الحاكمة والمتحالفة مع النخبة الدينية في المنطقة. وتوظف الأخيرة الريع الديني (الإفتاء) لإعطاء الشرعية للحكام وتحريم المعارضة السياسية عبر استلهام ومأسسة القاعدة الفقهية "إطاعة أولي الأمر".

تسعى الحكومات الخليجية منذ فترة إلى تهيئة مجتمعاتها لتقبل فكرة الضرائب قصد استيعابها، عبر طرحها للنقاش المتواصل في المنابر الإعلامية والمنتديات. كذلك توصي التقارير، وفق ما تقتضيه تجارب سابقة، بالتدرج في فرض الضرائب لإتاحة الوقت الكافي للمنظومة الاقتصادية وللسكان لاستيعاب هذا النظام الضريبي الجديد وضبط موازاناتهم وفقه.

تحديات جمّة

تكثر المتغيرات والمتداخلات في الساحة الخليجية: أزمة وحصار ثم مصالحة مؤخراً، صراع إقليمي إيديولوجي وجيوبوليتيكي مع الغريم الإيراني، تحديات اقتصادية وسياسية مع انحسار الدعم السياسي الأمريكي لأنظمة المنطقة وصعود التنافس العائلي على السلطة إلى السطح...

كل هذه العوامل وغيرها تضع السلطات أمام تحديات جمة. داخلياً، يجعل غياب مؤسسات تمثيلية لكل الفئات الاجتماعية، بما فيها النساء والشباب والطبقات الدنيا، من الصعب سبر أغوار أعماق المجتمعات الخليجية. ووسائل الإعلام المهيمنة لا تعدو أن تكون أدوات للسلطة التي تحدد بوصلة توجهاتها.

ربما لا يكفي عامل تعديل النظام الجبائي ليكون محركاً لتحديث/ عصرنة مكتسبات المواطنة الخليجية وفق ما تراه لنفسها. لكن إشعاعات العولمة الرقمية العبرقارية لا زالت تدغدغ أفئدة الخليجيين للمضي وراء حلم الالتحاق بركب التاريخ وأخذ زمام المبادرة للإجابة على التساؤلات الحقوقية والهووية كحقوق المرأة والحريات الفردية، وربما للمطالبة بالمشاركة في اتخاذ القرار بعد أن تصير مموِّلة للسلطة عبر أدائها واجبها الجبائي. هذا إذا ما واصلت الحكومات توجهها نحو التعديل المزمع للنظام الضريبي، والذي يبدو حتمياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard