عن متلازمة القدّاحة الصينية التي أصابت السوريين… وأشياء أخرى من العتمة

الجمعة 29 يناير 202102:46 م

ربما لم يسمع كثيرٌ منكم عن "متلازمة القدَّاحة الصينية" التي أصابت معظم السوريين، إذ إن تلك الولّاعة ذات "البيل" الصغير، باتت كالتميمة لدرء المخاطر، والتعويذة للحؤول دون تكسير الصحون وقلب الطاولات، وكأنها نجمة الصبح، وهي رفيقة المدخنين وغير المدخنين، الراغبين في إشعال شمعة عوضاً عن لعن الظلام، أو إشعالها مع لعن الظلام ووزارة الكهرباء وتقنيناتها الجائرة، وفق قواميس حداثوية للشَّتم والسَّب والقدح والذم لسلالة المعنيين عن عتمتنا أينما وجدوا.

ببساطة لا تخلو جيب مواطن سوري من تلك القداحة، ومن دونها يشعر وكأنه تائه، فهي سلاحه الدائم والفعَّال الذي يُشهِرُه مع انقطاعات التيار الكهربائي، وبواسطة "بيلها" العجيب، يهتدي إلى زرّ "الليدات" التي تنير وَحْشَتَه، صحيح أن خيبته لن تطول، فمع أن البطارية التي اشتراها تحمل اسم "لونغ" بمعناه المديد، لكن فعل الزمن أقوى، حيث أن تلك الليدات لن تلبث أن تتحول شدة إضاءتها إلى ما دون الصفر بلمحة بصر، فيضطر لاستلال قدَّاحته الصينية لإشعال شمعة أو شمعتين، حسب إمكانياته المادية، ويقنع نفسه بأنها أجواء رومانسية قلَّ نظيرها، ليستنتج بعد دقائق قليلة أن نظرَهُ هو الذي قَلَّ، وذوى معه كل شيء، ولم يعد قادراً على الرؤية بوضوح، إذ إن ذوبان شموعه يتناسب طرداً مع نسبة الغش في تصنيعها.

وقبل أن يغرق في عتمته، يتخلى عن الفيزياء وقوانينها، ويحاول أن يُفلسِفَ الأمور، مُتذكِّراً مقولة تحكي عن هشاشة الظلام وضعفه، مفادها بأنه إن أدخل المرء ضوءاً إلى غرفة مظلمة فسيتغلب على الظلام، في حين أنه لن يستطيع العكس، إذ لا يمكنه أن يجلب العتمة إلى غرفة مضيئة، لكن ما أن ينهي تفكيره التفاؤلي، يُدرك أنه يغرق في العتمة مجدداً، فسيتطرد باتجاه آخر، مُلهياً نفسه عن سوداوية عَيْشِه بإعجازات اللغة العربية، متسائلاً في سِرِّه: "إن كان تسلسل الظلام في لغتنا الغرّاء يبدأ من الأسود، وإذا زاد سواده بات أَسْحَماً، ثم فَاحِمَاً، ثم حِالِكاً، فَسُحْلُوكاً، ثم خُدارَى، ثم غرابيب وهو منتهى السواد، فما الدرجة التي أعيش في كنفها؟".

وكي لا يغرق في أحزانه، يُشهِر في وجه الظلام قدَّاحته الصينية من جديد، ويتجه مباشرةً إلى مَنْسيَّاته في السقيفة، يستلّ منها "اللوكس" ليستدرك عدم جدواه بسبب عدم توفُّر الغاز للطبخ والتدفئة فكيف للإضاءة، كما أن قميص "اللوكس" القماشي مُهترئ، ومن سابع المستحيلات أن يحصل على واحد جديد، لذلك يلجأ إلى مصباح "الكاز"، الذي يحتاج ليتحوَّل إلى المصباح السحري قليلاً من الكاز فقط، ولأن خير البر عاجله، يرتدي ملابسه ويبدأ رحلة البحث عن الكنز الأوكتاني، وبعد أن داخ السبع دوخات، استطاع أن يحظى بقنينة نصف ليتر كاز من إحدى المحلات التي تبيع ما لا يخطر على بال أحد.

رغم أنه في القرن الواحد والعشرين، إلا أنه سيُعيد ترتيب حياته على توهُّجات اللَّهيب في مصباح الكاز، مؤكداً فقط على شاعرية لحظاته، وعلى الغزليات المُشِعَّة كالتي غنَّاها حسين الجسمي: "آه لقيت الطبطبة... واقوى لو ما انتش بعيد... ضحكتك فيها كهربا... بابقى زي واحد جديد"

يعود إلى بيته وكأنه ربح اليانصيب، يملأ قارورة المصباح، ثم يُشعل الفتيل بولّاعته الجميلة، ويضع بلُّورة الزجاج، فيتنعم بضوء مديد رغم الشَّحّار المتصاعد، ويشعر للحظات بأنه أصبح المارد بعدما تضخّم ظِلُّه على الحائط، حينها لم يعد رأسه يحتلمه، لدرجة أنه في غمرة نشوته بالضياء بدأ يُفكِّر باللعب مع الزمن، فرغم أنه في اليوم الحادي والعشرين من سنة ألفين وواحد وعشرين المنسوبة إلى القرن الواحد والعشرين، إلا أنه سيُعيد ترتيب حياته على توهُّجات اللَّهيب في مصباح الكاز، مؤكداً فقط على شاعرية لحظاته، ورومانسيتها الأثيرة، وعلى الغزليات المُشِعَّة كالتي غنَّاها "حسين الجسمي" من كلمات "أيمن بهجت قمر" وجاء فيها "آه لقيت الطبطبة... واقوى لو ما انتش بعيد... ضحكتك فيها كهربا... بابقى زي واحد جديد"، وفعلاً شعر بأن حيويته تجددت، رسم على ورقة ما يشبه شخصيتي "كراكوز" و"عيواظ"، قصَّهما على عجل، وربط كل منهما إلى طرف قلم رصاص، وبدأ عرضه الخاص بخيال الظل، والحوارية التالية:

كراكوز: يلعن أخت ها الكهربا اللي ما كانت تجي.

عيواظ: وعمرها ما تجي... ليكنا عايشين وشايفين كل شي.

كراكوز "مُستغرباً": أنت شايف كل شي؟

عيواظ "بكل ثقة": متل ما عم قلّك.

كراكوز: وشو شايف تحديداً؟

عيواظ: شايف عتمة فوق عتمة فوق عتمة... الله وكيلك شي بيغَبِّبْ ع القلب.

كراكوز: هلَّأ العتمة صارت كل شي؟

عيواظ: أي صارت كل شي، وسكنت بكل شي، وما باقي غير تسكن فينا.

كراكوز: من ها الناحية تطمَّن سكنت ومشي الحال.

عيواظ: يحرق حريشك، شو سكنت ما سكنت، أنا جوّاتي كلّو ضو.

كراكوز: اي بس ماني شايفو.

عيواظ: لأنك أعمى القلب والبصيرة.

كراكوز: وشو لازم أعمل ليصير جواتي ضو متلك؟

عيواظ: أديسون بزماناتو جرَّب ألف مرة لنجحت وحدة، واخترع اللَّمبة، وقبلو ويليام جيلبرت تعب كتير لاخترع الكهربا... ما إلك غير تعمل متلون.

كراكوز: إذا جيلبرت اخترعها، ووزارة الكهربا عم تقطعها، شو استفدنا؟

عيواظ: ما استفدنا شي.

كراكوز: إي خليني هيك على عتمتي أحسنلي.

عيواظ: متل ما بدك يا ضَي عيوني.

كراكوز: تسلملي يا منوِّر أنتِ.

-إعتام-

عيواظ: أديسون بزماناتو جرَّب ألف مرة لنجحت وحدة، واخترع اللَّمبة، وقبلو ويليام جيلبرت تعب كتير لاخترع الكهربا... ما إلك غير تعمل متلون. كراكوز: إذا جيلبرت اخترعها، ووزارة الكهربا عم تقطعها، شو استفدنا؟

كانت "مَسرَحة العَتمة" مجرد محاولة للتَّلهِّي عن قسوة العَيش وشظفه، وخاصةً أن آلامه الكهربائية ما زالت طازجة، فموثوقية التيار التي صدَّعوا رأسَه بها لم تكن موثوقة على الإطلاق، وبسببها تحوَّل البرَّاد إلى مُجرَّد "نملية"، والمدفأة إلى منضدة، والغسالة إلى إكسسوار باهت، إذ بعد أن كانت الكهرباء تصل إلى منزله بجهد لا يصل إلى الـ100 فولت، بعد خمس أو ست ساعات تقنين، وتعاود انطفاءاتها المتكررة ضمن ساعة الوصل، بسبب الضغط على الشبكة التي تجعل أسلاك التوتر العالي تلعب لعبة النَّط على الحبل، ثم تُشرقِط كالألعاب النارية، وفي كثير من الأحيان يلتصق الخط الحامي بالبارد، فيصل التيار إلى المنازل بما يقارب الـ380 فولت، بحيث لا يستطع المنظم مهما كان جبَّاراً أن ينظم شيئاً، حتى أن دارة حِمايته، إن وُجدت، تذوب خجلاً، وإثر هذه الحادثة المأساوية التي ألمَّت به، لم يعد يعرف على ماذا سيتلو الفاتحة، على الترانسات التي فقعت، أو على الأسلاك التي ذابت، أو على معظم أجهزته الكهربائية التي أصيبت بالسكتة القلبية، أو على شواحن الموبايلات، أو على شاحن البطارية التي امتلأت حتى الجمام بتلاحُم "الفاز" و"النتر" وانفجرت.

في ذاك الوقت اكتفى بلعن حظِّه الذي أبقاه في هذه البلاد، حيث الحكومات تُدير الأزمات باتجاه الشعب، بدل أن تُديرها عنه، وردَّد في دخيلته حِكمةَ صديقه "تَعلَّم صَبْرَ الأعمى"، ثم فكَّر بِكَمِّ الظُّلم الذي فرض على السوريين أن يعيشوا في الظلام، بل في غرابيبه الأشد سواداً، وكي يُخفِّف عنه قليلاً، تذكَّر امتعاضاً فيسبوكياً قرأه مؤخراً فحواه "إنّو مستاهلة مشان ساعتين كهربا باليوم يكون إلها وزارة ووزير؟"، ولأن "الحال على قدِّها"، ولمعرفته المسبقة بجحود التُّجار وأسواقهم المظلمة كقلوبهم، أبعد فكرة شراء بطارية جديدة قد تستهلك راتبه كاملاً، واكتفى بإضاءة "مصباح الكاز" التي تجعله، أمام أولاده على الأقل، مارداً على جدار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard