"حيونة الإنسان"... ممدوح عدوان يكشف الحيوان داخلنا

الأحد 7 فبراير 202112:37 م

"المسألة هي أنني أرى أن عالم القمع، المنظَّم منه والعشوائي، الذي يعيشه إنسان هذا العصر، هو عالم لا يصلح للإنسان، ولا لنمو إنسانيته. بل هو عالم يعمل على ‘حيونة’ الإنسان (أي تحويله إلى حيوان)".

هذا ما يقوله ممدوح عدوان في مقدمة كتابه "حيونة الإنسان"، الصادر عن دار قدمس عام 2003، قبل توالي الطبعات عن دار ممدوح عدوان للطباعة والنشر.

عدوان، الكاتب السوري الذي انطلق من قريته الصغيرة "قيرون"، في ريف مصياف، جنوب غرب حماة، إلى الفضاء الأدبي العربي، له 90 كتاباً في الأدب والشعر والمسرح والرواية والترجمات الأدبية والنقدية، فضلاً عن مسلسلات لعلّ أهمها الزير السالم، وهو كاتب وصحافي حائز على إجازة في اللغة الإنكليزية، ومدرس مادة الكتابة المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية.

يقع كتاب "حيونة الإنسان" في 284 صفحة، ومقسّم على 20 فصلاً. يقول عدوان في الملخص الموضوع على غلافه: "كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا، حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟... وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعد تعذيب السجين أمراً مفروغاً منه، لم نعد نتساءل عن أثر ذلك التعذيب في السجين الضحية، حتى بعد خروجه من السجن"، ليكمل عدوان ويخبرنا أن هذه أول مرّة يجمع فيها أفكاره حول هذا الموضوع بعد محاولات عدّة ومقالات مبعثرة في أكثر من مكان.

اختار عدوان أن يتخذ كتابه صفة البحث والدراسة. هو نفسه يقول ذلك. لذا، كثف قدر المستطاع من استشهاداته بمصادر واقتباسات تنوّعت بين كتّاب ومسرحيين وروائيين وباحثين وفلاسفة، في كتابه المقسم إلى فصول منفصلة-متصلة يعرض فيها رؤيته لمراحل التطور الحيواني داخل الإنسان-الجلاد من جهة، وانهزام الضحية وإخضاعها من جهة أخرى.

يصير الإنسان سفاحاً وقاتلاً وطاغيةً بمجرد أن تتيح له الظروف ذلك، والظروف هنا هي موضع بحث الكتاب.

انتقام الأقليات من ماضيها

في فصل الكتاب الثالث، "ورطة الإنسان الأعزل"، يحاول عدوان شرح استعدادات الإنسان "لإيقاع الأذى بأخيه الإنسان"، معتمداً على تجيير المسؤولية نحو السلطة، "السلطة التي تعطي الأوامر".

عن الدوافع، ينطلق بمثال عن الحرب الأهلية التي تزرع حقداً عميقاً ومتبادلاً، طارحاً نموذج الحرب الأهلية اللبنانية، والصراع بين الكتائبيين والفلسطينيين، وتراكم الكره أيضاً بفعل الحقد المتراكم.

بعد الخوض في الدراسة والاستشهاد بالمصادر، يركز عدوان على الإشارة إلى مشكلة الأقليات مع الثأر والسلطة، باعتبار أن الأقليات المنكمشة على نفسها عانت من مظلومية طويلة "تجعل أبناء الأقليات المضطهدة يحسون بنوع من الامتياز"، وذلك بعد أن كانوا قد انعزلوا طويلاً وشكّلوا حولهم هالة معيّنة تحفظ لهم هويتهم وعاداتهم.

ويشير إلى أن انكماشهم هذا يقودهم إلى الاعتقاد بأنهم متميزون، وبأن أيّة جماعة أخرى لو كانت في مكانهم لاندثرت، ويضيف: "حين تتاح الفرصة لهذه الفئة المستضعفة أن تتنفس وتخرج إلى النور، أو أن تسود وتتسلط، فإنها تريد أن تؤكد هذا الامتياز بحس انتقامي من الآخرين وهو نوع من أنواع الانتقام من الماضي".

"ارتداد العنف على المجتمع"

يشير عدوان إلى أن "التربية على العنف، ستتسبب في ارتداد العنف على المجتمع نفسه"، ويخلص في الفصل الرابع، "هل نحن جلادون؟"، إلى جملة استنتاجات أبرزها ما يتعلق بنزعة الإنسان نحو اللجوء إلى أساليب إشباعيه لرغبته: "إن الذين لا يستطيعون لسبب أو لآخر أن يخلقوا الجحيم الذي يتوقون إليه يشبعون رغباتهم في العالم الخيالي للكتب وأفلام السينما والتلفزيون".

ويصل في حديثه إلى ما يسمّيه "صناعة الوحش... صناعة الإنسان"، وفيه يتحدث عن فكرة أن الإنسان هو الكائن الوحيد بين الكائنات الذي يستطيع أن يهدم، حتى أن يهدم ذاته، لأن لذة التدمير تستهويه.

يستدل على ذلك في ما قاله عالم النفس إيريك فروك من أن "الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلاً، لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفراداً من بني جنسه ويعذّبهم، دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي، ويحس بالرضى التام من فعل ذلك"، ويستطرد معززاً فكرته بالاستشهاد بفقرة وردت في كتاب "التعذيب عبر العصور" لبيرنهاردت هروود، يقول فيها: "الوحوش لا تقتل المخلوقات الأخرى من أجل الابتهاج والرضى فقط، والوحوش لا تبني معسكرات اعتقال أو غرف غاز".

"المسألة هي أنني أرى أن عالم القمع، المنظَّم منه والعشوائي، الذي يعيشه إنسان هذا العصر، هو عالم لا يصلح للإنسان، ولا لنمو إنسانيته. بل هو عالم يعمل على ‘حيونة’ الإنسان (أي تحويله إلى حيوان)"



ويتطرّق في هذا السياق إلى المفهوم الذكوري الجنسي المتعلق بالاغتصاب تحديداً، معيداً المتعة لدى فاعليه إلى تحقيق مفهوم القوة، وإرغام الأنثى على فعل شيء ضد إرادتها، عارضاً خلاصة فكرته في جملة مفادها: "الطريقة الوحيدة التي تجعلني أحس أنني أفضل منها، هي أن أجعلها تحس أنها أسوأ مني".

الغيبيات تحكم

يعتبر عدوان أن المخيلة البشرية والرؤية الدينية استطاعتا أن تقدّما أكثر من صورة رهيبة ومخيفة للعذاب في جهنم، ولكنهما لم تقدّما صوراً مغريةً عن سعادة الجنة.

ويرى أنه يجري تخويفنا، نحن البشر، بالكثير من الأمور الغيبية، مشيراً إلى أن الله في القرآن أراد إثارة مخيلة الإنسان ليغريه بالثواب ويخيفه من العقاب، وأن تنشيط هذه المخيلة كان أقوى عند تصوير المخاوف مما هو عند تصوير المغريات.

"بين الجلاد والضحية"

في الفصل السادس من كتابه، "ولادة الوحش... بين الجلاد والضحية"، يعتبر عدوان أن هنالك نوعين للضرب، ذاك الذي تتلقاه وأنت بكامل حريتك، وذاك التي تتلقاه مرغماً. وفي الحالة الثانية، لا تشعر بألم الضربة بل بألم الإهانة، بمعنى أن الضربة هي التي يتلقاها وجدانك لا جسدك.

ويشرح فكرته هذه عبر ما قاله الكاتب يوسف إدريس عن تعذيب المساجين: "حين تحس أن كل ضربة توجه إلى جزء من جسدك توجه معها ضربة أخرى إلى كيانك كله، إلى إحساسك وكرامتك، ضربة ألمها مبرح لأنها تصيب نفسك من الداخل... الضرب، ذلك النوع من الضرب، حين يتحوّل المضروب إلى أنقاض إنسان مذعورة... ويتحول فيها الضارب إلى أنقاض إنسان من نوع آخر، وكأنه إنسان يتهدم إلى أعلى، يسعده الألم الذي يحدثه في ابن جنسه، ويستمتع بإرادة، وبإرادة أيضاً يقتل الاستجابة البشرية للألم في نفسه فلا يكف إلا ببلوغ ضحيته أبشع درجات التهدم والتقوض وبلوغه هو أخس مراحل النشوة الجرمية".

ترويض الإنسان!

في الفصل السابع، "القامع والمقموع"، يعرض عدوان رؤيته حول آلية ترويض الإنسان، انطلاقاً من كونها لا تعتمد دوماً عنفاً ظاهرياً مباشراً، بقدر ما هي استثارة لردود عاطفية.

يتحدث عن وجود قوة تأتي من تكامل طرفين مرتبطين مع السلطة الأقوى، وهذان الطرفان هما التخويف والجوع، ويكون ذلك بالعمل على حرمان الضحية من الطعام والشراب وسائر الاحتياجات بالتزامن مع ضربه بشدة وبعنف لتتم عملية الترويض بنجاح، و"بعملية الترويض يتحقق التغيير في البنية الداخلية، وهو تغيير يتعمق حتى ليبدو وكأنه قد تحول إلى غريزة أو حل محل الغريزة".

"مسؤولية الضحايا"

يطرح عدوان نظرية إشكالية معقدة في مستهل فصله الثامن، "مسؤولية الضحايا"، مفادها أن الجلاد ليس وحده مَن يتحمل المسؤولية في إيقاظ الرغبة العدوانية، بل إن "الضحية ذاتها تتحمل الأمر".

"كم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا، حتى صرنا نتعود الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟... وينعكس تعودنا على هذا الإذلال في أننا صرنا نعد تعذيب السجين أمراً مفروغاً منه"



وفي سياق تحليله لفرضية المواطن-الضحية، يقول: "بقدر ما يبدي من ضعف وخوف فإنه يثير الشهوات في الاعتداء والتسلط عليه، وبمقدار ما يبدي من استعداد للمقاومة فإنه يضعف شهية الآخرين في السلبطة عليه".

في فصل لاحق، يتحدث عدوان عن الجلاد الذي ينتقم من ماضيه، معيداً الأمر إلى الماضي عينه. يتحدث عن أثرياء الحرب الجدد، الذين لهم سلوكية خاصة تميّزهم وتدل عليهم، فهم في كل مناسبة يحاولون إثبات ثرائهم للآخرين، مهما كلف الأمر، ويقول: "إنها سلطة المال الجديد، وهم يضطهدون الآخرين بسلطتهم تلك"، مؤكداً أن هؤلاء مختلفون قطعاً في تركيبتهم عن أصحاب المال الموروث.

وفي فصلين متتالين عن "السلبطة" و"السلبطة السلطوية"، يقدّم الفكرتين على أنهما شكل من أشكال فرض الإرهاب الشخصي على الآخرين، فمثلاً يفرض المتسلبط قوته على شكل إتاوات على البارات والحانات والملاهي. وحتى في حماية المومسات وبيوت الدعارة، هنالك، بحسب عدوان، تسلبط اجتماعي وفكري ومهني ووظيفي واقتصادي وسياسي وأمني.

وفي السلبطة السلطوية، يتمتع الجلاد بدعم مباشر وواضح من سلطة قمعية، يعيش الناس تحت رحمتها. فمثلاً هنالك حالات يتلطّى فيها السلطويون وراء تحت ستار الواجب الأمني والوطني، وكذلك ادعاء حماية الوطن في مرحلة معيّنة من مواجهة الأعداء. وبالمحصلة فإن الحالتين القمعيتين، المدنية والأمنية، تسلبان من المواطن كرامته وحريته.

"قلت للطاغية"

في فصل بعنوان "قلت للطاغية"، يعرض عدوان نظرية يقول إنها تدعو إلى الخجل المقرف من الطغاة، بعد تصديقهم تميزهم عن البشر، وصولاً إلى تصديقهم حاجة المجتمع إلى وجودهم الدائم.

يكتب: "يتورطون في التشبث بالكرسي والسلطة والحياة، حتى بعد أن يصلوا إلى أرذل مراحل العمر والشيخوخة... يتوهمون أنهم لا يموتون".

ينتقد استمرار هؤلاء في الحكم حتى مرحلة الخرف، و"تصبح سيرتهم المخجلة وسيرة نزواتهم التي كثيراً ما تكون منحطة، على لسان الناس كلهم، وفي الوقت الذي يتحولون فيه إلى أضحوكة يكون الإعلام غارقاً في ما تعوّد عليه من تعظيم وتأليه لهم".

وفي هذا السياق يذكر: "يكفي أن أنقل ما سمعته ذات يوم في التلفزيون التونسي حين كان بورقيبة يطمئن الجمهور (الشعب) إلى وضعه الصحي بعد عملية دوالي في الخصية، إذ راح يجسد الخصية بيديه ويشرح لهم أين هو الشريان المتضرر، وكيف أجريت العملية له".

يشير عدوان هنا إلى ضرورة قراءة رواية "خريف البطريرك" لغابريال غارسيا ماركيز لفهم درجة الابتذال التي قد يصل إليها الحاكم الخرف وهو في السلطة ويتمتع بالسطوة، "ويصل الأمر به إلى الذهاب إلى أمام مدرسة البنات الصغيرات لينتقي منهنّ مَن تعجبه".

يحاول عدوان في مجمل كتابه أن يخبرنا عن الضحية والجلاد داخل كل منّا، وكيف أننا في لحظة قد نتحوّل إلى هذا الاتجاه أو ذاك، مستدلاً في كل فصل بمقتطفات يعود جلّها إلى كتب من أدب السجون، ليستنتج بالنهاية أنّ حيونتنا هي صنع أنفسنا في موضع، وصنع الآخرين في موضع آخر، وبين الاثنين تلعب السلطة دوراً بارزاً، وتتيح للجلاد الثأر من كل شيء عبر تعذيب الضحية، وفي حال الخطر أو المواجهة مع إنسانيته، يهرب الجلاد ليقول: "أنا عبد مأمور".

قراءة كتابة عدوان تُشعرنا بكيف صرنا ضحايا بكامل إرادتنا وضعفنا وجبننا حتى صنعنا من أقراننا جلادين ينهشون كرامتنا ولحمنا، وفوق كل ذلك، جعلنا السلطة في صف المتمتعين والمالكين لبذور الإجرام، لإشباع رغبتهم الحيوانية فينا، لنصير أناساً لا أحد يكترث لآلامنا، فالضعيف يموت على هامش التاريخ، ويحيا السلطويون ليستمروا بتعذيب أبناء جلدتنا حتى يبلغهم هم الموت، الموت الهانئ، على خلاف موتنا المشبع بالقهر والوجع.

كل ذلك يحيلنا إلى جملة مفتاحية في مقدمة الكتاب، صارت قولاً رائجاً ومأثوراً عن عدوان، يلخص فيه كل دراساته، حتى تلك التي سبقت أو تلت حيونة الإنسان، وجاءت في روايته "أعدائي". يقول: "تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard