العنف المملّ... مانفستو لمقاومة الاستبداد الرمزي

الثلاثاء 22 ديسمبر 202012:19 م

 "قال الراوي: وقلت لأنس: أوكان يطيقه؟ فقال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلاً في النكاح".

قوة العنف الرمزي هي طريقة لفرض التخيلات الوهمية على أنها حقائق مثبتة، وبالتالي تدعم، بطرق مختلفة، منها سفك الدماء وأيضاً القوة الجنسية، ولترسيخ هذه العنف يحتاج المعلم، النبي، القائد، مجموعة من المتلاعبين بالرموز، شعراء وصحفيين ومنتجي محتوى شعبي، بل ومطربين ومؤرخين، يسطّرون صفات العمق على كلامه الأشد بداهة وصفات القوة على هشاشته المريضة.

العنف الرمزي والعنف العنفي

"لم يعد هناك أي عواطف حقيقية في القرن التاسع عشر، لهذا نشعر بالملل الشديد في فرنسا، نحن نفعل أكبر قدر من القسوة لكن بدون قسوة، سيء جداً: قال جوليان، على الأقل عندما نرتكب الجرائم، يجب أن نرتكبها بسرور"، الأحمر والأسود، ستاندال.

لم يكن يخطر في بال ستاندال مقدار القسوة التي عاشتها الأجيال اللاحقة في القرنين التاليين، كان يظن أن القسوة، كما ظن أنتونان آرتو، هي الرعب الجسدي فحسب، التقطيع وبقر البطون، نسف الجسور وتهديم البيوت على الرؤوس، الاغتصاب وسفاح القربى، كانت القسوة بالنسبة لهما، تلك العلامات الهائلة للرعب التي ترسم على وجوه الضحايا: عيون جاحظة وأفواه فاغرة وخيوط دم تسيل على الصدغين، كان آرتو يأمل أن ينقل هذا الرعب المشهدي إلى المسرح، وربما رغب مرات بأن يحرق الممثلين على الخشبة كفعل ينطبق مع رغبته القاتلة في الإيغال باستثارة جمهوره، أو ربما رغب أن يقوم أحد الممثلين بإلقاء قنبلة على الجمهور المنبهر، ربما سيكون من الممتع رؤية الأثر الذي يحدثه مشهد أخير كهذا في الصحافة العالمية اليوم.

وإذا أعدنا نقل المشهد نفسه من أخبار الحروب المتعددة التي قام بها الإنسان، قديماً وحديثاً إلى مشاهد العنف الرمزي أو القسوة المجازية التي تحفل بها مباريات كرة القدم مثلاً، نرى العنف نفسه لكن بشكله "الحضري"، نرى العنف لأجل العنف، لا لغاية الانتصار على الطرف الآخر، الفريق الخصم، حيث يخرج المتعصبون باندفاع وحشي، يحطمون كل ما ومن يرونه في الشارع، سواء انتمى إلى الفريق الخصم أم لا، سيارات الشرطة، محلات التموين، إشارات المرور، كل شيء يتحول إلى هدف لفعل القسوة والعنف في "مسرحة" لعنف ممتع، عشوائي، غير موجّه، حيث يختفي معناه كفعل أو رد فعل أحياناً، ويتقلص إلى حدوده الصغرى، يصبح كفعل مرادف لتدخين سيجارة مثلاً أو شرب كأس بيرة باردة.

وأيضاً، إذا أعدنا الفعل نفسه إلى موطنه الأساسي كما يفترض به أن يكون، أي إلى الحروب، بوصف القسوة فعلاً مرتبطاً بالجريمة، نراه جلياً في الحرب السورية بنفس المجانية، أي بدون هدف الخلاص من عدو محتمل أو تقليل عدد الأعداء، كما يفترض بحرب "عادية" أن تهدف، لكنه في "مسرح" الحرب السورية أيضاً احتوى على جانب ساخر من الموت والحياة نفسيهما، من اللعب بجسد الضحية، تشويهها، أو ممارسة "العنف المرح" كما يمكن أن نسميه، إذ يتضمن هذا الإفراط في القتل غير الهادف والعشوائي، نوعاً من "مسرحة" العنف من جديد، خصوصاً حين يتضمن بعداً توثيقياً، يتجلّى عبر الاحتفاظ بأجزاء من جسد الضحية، ممتلكاته أو التقاط الصور معه، بالقدم على الجثة أو برفع الأجزاء المقتطعة منه، كما كان يفعل صيادو النمور في الغابات الموحشة.

العنف ليس مرغوباً بالشكل الأصلي للبشر، تشير الوثائق الكثيرة التي تتضمنها الحرب العالمية الثانية أن الرجال بعكس الحقيقة السائدة، لا يرغبون بالذهاب إلى الحرب

العنف ليس مرغوباً بالشكل الأصلي للبشر، تشير الوثائق الكثيرة التي تتضمنها الحرب العالمية الثانية أن الرجال بعكس الحقيقة السائدة، لا يرغبون بالذهاب إلى الحرب، لا يريدون القتل، فوجب تحضيرهم لذلك، حيث يذكر قادة المعسكرات الأميركية، كيف كانوا، باستخدام علم النفس الاجتماعي، يحولون الغضب إلى قسوة، والتدريبات العسكرية التي تتضمنها كل جيوش العالم تتضمن الذل والمهانة، العنف المجاني والتحطيم النفسي الذين يتحولون إلى غضب يمكن عندها توجيهه بسهولة إلى العدو، ما إن تُطلق الصافرات ويتمّ تعيين الخصم.

الصحافة والتلفزيون

تستخدم الصحافة المقروءة، المرئية والمسموعة، نوعاً من التعابير الملطفة تمكّن قادة الدول من تسهيل "ابتلاع" الحقائق المجحفة بالنسبة للشعوب، "تعاطت الجهات الأمنية مع الموضوع بسرعة"، "بالتحقيق واستجواب المتهمين"، "تمّ تحييد 15 عنصراً معادياً"، تستخدم هذه العبارات لتلطيف المعنى الذي يختفي بين السطور، وهو التعذيب والقتل وانتهاك الحقوق الإنسانية، كأن الخطاب هنا يعيد ترجمة الحقيقة أو الحدث الحاصل، يعيد ابتكارها بألوان مائية، لقول ما يسهل تلقيه ويسهل تبريره، هي ترغب باحتكار العنيف كفعل وعدم تعميمه كخطاب.

ثمة لغة خاصة بالقنوات السياسية الحكومية تستخدم هذه التعبيرات الملطفة لإخفاء حقيقة وترسيخ حقيقة أخرى، "نحن لا نقتل، نحن لا ندمر بيوتاً، نحن لا نغتصب، إنما نحرر الأرض من غزاتها"، هي تجمّل العنف، ترشّ عليه سكراً مطحوناً ليبدو كـ "دونات" مغطسة بالشوكولا ومحشية بالدم

من المفيد للمسيطر أو القوة التي تهيمن على إنتاج النظام أن ينشر هذا الخطاب "المخفّف" من العنف المباشر، عبر تعميم نوع مجمّل وأقل مباشرة في "التصريح بالحقائق"، مثلاً: التبشير بالانفتاح الاقتصادي الذي يعني تسليم البلاد لهيمنة الشركات الأجنبية ورؤوس الأموال العابرة، تقليص الإنفاق الذي يعني تخفيض الرواتب والأجور وإعادة هيكلة الاقتصاد ما يعني تسريح الموظفين.

ثمة لغة خاصة بالقنوات السياسية الحكومية تستخدم هذه التعبيرات الملطفة لإخفاء حقيقة وترسيخ حقيقة أخرى، "نحن لا نقتل، نحن لا ندمر بيوتاً، نحن لا نغتصب، إنما نحرر الأرض من غزاتها"، هي تجمّل العنف، ترشّ عليه سكراً مطحوناً ليبدو كـ "دونات" مغطسة بالشوكولا ومحشية بالدم.

المؤسسات المنتجة للعنف

المدارس بداية، الوظائف المدنية والوظائف العسكرية، تنتج يومياً العنف الذي يكسر ثقة الشخص بنفسه، بيومه ومستقبله، التراتبية التي تفترض أن يجلس الطالب وهو يستمع للمدرس يتكلم عن شيء قد لا يكون مفهوماً للمدرس أحياناً، وهو عاجز عن الانصراف أو النوم، عن الاعتراض أو الاستفسار، يصنع هذا الاستسلام للرمز فرداً غير مستقرّ بشكل كبير، استعداداً للدخول إلى الدائرة الأخرى من العنف الرمزي: التوظيف ضمن مؤسسات، فالموظف الذي يتلقى أوامر بفعل هذا والامتناع عن فعل ذاك، ومن غير المسموح له اتخاذ قرارات خاصة، ابتداء بتوقيت الدخول إلى المنشأة والخروج منها، إلى تصريف شؤون العمل، يكون قد اعتاد على آلية حوار معينة لا يخرج منها بسهولة، فهو مكسور، مشحون بالعنف، يطأطئ أمام رؤوسائه في المنشأة أو المؤسسة وينبغي له ممارسة العنف نفسه تجاه مرؤوسيه، في الشارع والبيت.

في كل المدارس السورية، ثمة رسومات جرافيكية وشعارات مكتوبة، خصوصاً في المدارس والكليات العسكرية، عنيفة، مختصرة، يقينية، ساحقة للفرد، مليئة بالغضب المكتوم تجاه ما يحدد العدو: القبضات المرفوعة، الأشجار التي تضرب جذورها بالأرض، شعارات التلاحم مع صورة القائد الرمز، اللباس الموحد العسكري وشبه العسكري، إضافة للعروض العسكرية والتحية الملازمة لذلك، كقسم الولاء للقائد والخبطة العسكرية التي يجب أن يسمع صداها لمسافة بعيدة، وأولئك الفاترون في خبط أقدامهم، الذين يصفقون بحماسة قليلة أو يرددون قسم الولاء بلطف ونعومة، مشكوك بولائهم للوطن. كان التصفيق يقطع خطابات الرئيس حافظ الأسد عدة مرات، ويستمر لدقائق بحيث لم يكن يجرؤ أحد على التوقف إلا عندما يشير هو بذلك، وحتى في الدول الأقل شمولية، أو الدول التي تدعي أنها ديمقراطية، إن الإخلال بالقواعد العسكرية، كأداء التحية أو اهمال التراتبية بين طلاب السنة الأولى "المستجدين" وطلاب السنوات المتقدمة، يعرض الطالب العسكري لعقوبة السجن.

في الأحاديث التاريخية عن قوة علي بن أبي طالب الجسدية عنف يتعدى المعقول ليدخل في "الخوارق"، مثال عليه اقتلاعه لباب حصن خيبر الذي اجتمع عليه أربعون أو سبعون في روايات أخرى، لزحزحته

الأحاديث المتناقلة، القوة الجسدية والفحولة الجنسية

لا زالت تقاليد مثل "مناديل الشرف" التي تحمل دم عذرية العروس منتشرة في العديد من البلدان العربية، وهي غير أنها تنطوي على "خضوع المرأة" لزوجها تتضمن أيضاً عنفاً رمزياً عماده الدم، والإيلاج الذي ينطوي على اختراق لأحصن قلاع الفتاة، ليلة دخلتها، كما قراءة القرآن صباحاً أو ترديد بعض الآيات لطرد الأرواح الشريرة والشياطين حين الاستحمام أو الجماع، لأن الشياطين تتخذ من "الأدبار" مدخلاً لروح الإنسان.

في الأحاديث التاريخية عن قوة علي بن أبي طالب الجسدية عنف يتعدى المعقول ليدخل في "الخوارق"، مثال عليه اقتلاعه لباب حصن خيبر الذي اجتمع عليه أربعون أو سبعون في روايات أخرى، لزحزحته، كما في مثالنا الأول عن النبي الذي كان يطوف في ليلة واحدة على نسائه الإحدى عشر "بغسل واحد"، وهذا ما لم يتحدّث به هو، إنما تحدث به المحيطون به والرواة والأصحاب، أنتجه العنف الشفهي وتم تناقله ليصبح حقيقة راسخة لا سبيل إلى دحضها إلا بدحض الرسالة برمّتها.

في الواقع، بتأثير العنف الذي يمارس علينا من كل اتجاه، من دروس التاريخ إلى افتتاحيات نشرات الأخبار والصحف الرسمية والخطب الحماسية والأدب الثوري، نتحول نحن إلى منتجين فعليين لعنف رمزي آخر، عبر ترديد ما تلقيناه من "حقائق"، والبعض لمنتجين حقيقيين للعنف، بشروط اجتماعية ضارة ومعاداة حقيقية هذه المرة للحياة بأكملها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard