"اغتصبونا بالعصي"... تقرير يكشف العنف الجنسي ضد عابرات للجنس ورجال وفتيان في النزاع السوري

الخميس 30 يوليو 202004:30 م

ذكر تقرير للأمم المتحدة صدر في عام 2018، واستند إلى 454 مقابلة مع ناجين وأقارب وشهود وهاربين وأعضاء طبيين، أن القوات الحكومية السورية والميليشيات المتحالفة معها اغتصبت النساء والفتيات والرجال واعتدت عليهم جنسياً في حملة للاقتصاص من جماعات المعارضة.

وقد أوصى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإحالة النتائج إلى المحكمة الجنائية الدولية لإجراء محاكمات محتملة على تلك الأفعال التي صنفتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أشار إلى أن  المجموعات المسلحة المعارضة للنظام في الحرب الأهلية السورية قد ارتكبت جرائم عنف جنسي وتعذيب على الرغم من أن هذه الحالات "كانت أقل شيوعاً".

وبرغم أن تقاريراً حول العنف الجنسي من قبل طرفي الصراع في الحرب السورية صدرت باستمرار عن جهات دولية ومنظمات خاصة منذ بداية الحرب، إلا أن المجتمع الدولي لم يتخذ خطوات فعلية، خارج الإحصائيات والشهادات التي وثقت بعضاً من حالات الاغتصاب والتعنيف الجنسي، لإيقاف الجرائم الإنسانية التي تحصل داخل معتقلات النظام وخارجه، من قبل رجالاته أو من قبل تنظيمات متشددة مثل تنظيم داعش.

الرجال المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي، والنساء الترانس، والأشخاص غير المنصاعين/ات للثنائية الجندرية يتعرضون لمزيد من العنف على أساس توجههم الجنسي أو هويتهم الجندرية الفعلية أو المتصوّرة

آخر هذه التقارير صدر اليوم في (بيروت، 29 يوليو/تموز 2020) عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" في 77 صفحة تحت عنوان "’عاملونا بطرق وحشية‘: العنف الجنسي ضد العابرات جنسياً والرجال والفتيان في النزاع السوري" أعدته زينب بينار إردم، زميلة في برنامج حقوق المثليين/ات، مزدوجي/ات التوجه الجنسي، ومتغيري/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم) في هيومن رايتس ووتش.

"فعلوا ذلك بسعادة"

يشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن الجهات الحكومية وغير الحكومية في سوريا أخضعت عابرات للجنس (نساء ترانس)، ورجال وفتيان، وأشخاص غير منصاعين/ات لالثنائية الجندرية للعنف الجنسي خلال النزاع السوري، ما أدى إلى عواقب صحية بدنية وعقلية شديدة تفاقمت بسبب نقص خدمات الدعم في لبنان.

على سبيل المثال، قال يوسف، شاب مثلي الجنس يبلغ 28 عاماً، إن المخابرات احتجزته خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في بداية 2012 في دمشق. وعلى الرغم من أنه لم يتم استهدافه من قبل المخابرات لأنه كان مثلي الجنس، لكنهم بمجرد أن علموا بتوجهه الجنسي من خلال فحص هاتفه، ازداد العنف أثناء الاستجواب بشكل كبير. وأوضح أنه بعد اعتقاله من قبل المخابرات لانضمامه إلى الاحتجاجات، ضربوه بشدة حتى اعترف بأفعال لم يرتكبها: "تعرضت للضرب وكنت سأموت. في النهاية تريدهم أن يتوقفوا، لذلك تبدأ في قول نعم لأشياء لم ترتكبها مطلقاً". وبمجرد أن اكتشفوا ميله الجنسي، اشتد العنف ليبلغ عشرة أضعافه بحسب يوسف: "أنت لست فقط ضد ما هو صواب؛ ولكنك أيضاً من المثليين".

أفادت شهادات الرجال والفتيان الذين قابلتهم المنظمة، ممن كانوا عرضةً للعنف الجنسي في النزاع السوري منذ بدايته، الرجال المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي، والنساء الترانس، والأشخاص غير المنصاعين/ات للثنائية الجندرية يتعرضون لمزيد من العنف على أساس توجههم الجنسي أو هويتهم الجندرية الفعلية أو المتصوّرة. غالباً ما يُنظر في سوريا إلى النساء الترانس على أنهن رجال مثليين وتُستهدَفن للأسباب نفسها.

ويضمّن التقرير شهادة يوسف: "كانوا يفعلون ذلك بسعادة. كانوا بالطبع يغتصبوننا بالعصي، إنهم يغتصبونك فقط لرؤيتك تعاني وتصرخ وتهان. هذا ما يحبون رؤيته. أدخلوا عصا في شرجي حتى وصلت لمعدتي، قائلين: أليس هذا ما تحب؟ ألا يعجبك هذا؟".

ذكرت زينب بينار إردم، أن "رجالاً مثليين، ومزدوجي التوجه الجنسي، ونساء ترانس، وأشخاص غير منصاعين/ات للثنائية الجندرية استُهدفوا بالعنف الجنسي خلال النزاع السوري لأنه يُنظر إليهم على أنهم "ناعمون". فالرجال والفتيان– بغض النظر عن توجههم الجنسي أو هويتهم الجندرية– معرضون للعنف الجنسي في سوريا وغالباً ما لا يكترث بهم أحد ولا يحصلون على الدعم العاجل الذي يحتاج إليه جميع ضحايا العنف الجنسي".

الرجال والفتيان– بغض النظر عن توجههم الجنسي أو هويتهم الجندرية– معرضون للعنف الجنسي في سوريا وغالباً ما لا يكترث بهم أحد ولا يحصلون على الدعم.

واقع الضحايا الاجتماعي والنفسي والصحي

"سنخبر والدك بحقيقتك ليتبرأ منك"، هو تهديد تكرر على مسامع المحتجزين من المعارضين في السجون السورية، لما تدركه عناصر المخابرات من العار الأسري والاجتماعي الذي سيلحق بهم. وتقرير هيومن رايتس ووتش الذي أجرى مقابلات مع 40 لاجئاً سورياً في لبنان من المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي، ونساء ترانس، وأشخاص غير منصاعين للثنائية الجندرية، بالإضافة إلى أربعة رجال مغايرين جنسياً تعرّضوا للعنف الجنسي في سوريا، يذكر أن معظم الضحايا لم يحاولوا حتى الحصول على خدمات طبية أو نفسية في سوريا لأسباب عديدة، منها العار، والخوف، والوصمة، وانعدام الثقة في نظام الرعاية الصحية.

وهذا يدعونا للتوقف عند واقع هؤلاء الأشخاص في الداخل السوري، حيث التعنيف يستمر ويجدون أنفسهم مرغمين للتعايش مع عواقبه النفسية والجسدية دون أن يتمكنوا من الإفصاح عما يحدث، أو طلب المساعدة وسط محيط اجتماعي يجرم الضحية ويدين الميول الجنسية المثلية. فإلى أي حد يعكس التقرير واقعهم ويخدم اتخاذ خطوات فعلية وجادة لإيقاف الجرائم ضدهم؟

عن إفادات الشهود، يقول التقرير إنهم تعرضوا للمضايقة والاعتداء الجنسي عند نقاط التفتيش لأن "شكلهم ناعم"، ما يعني أنه يُنظر إليهم كأنثويين في هذا السياق. ففي مراكز الاحتجاز، كان المحتجزون يتعرضون لاستجواب مكثف أو للتعذيب إذا كُشِفت هويتهم الجنسية أو الجندرية. وكذلك في صفوف الجيش السوري، أفادت الشهادات في التقرير إلى حالات اغتصاب، وممارسة العنف التناسلي، والتهديد بالاغتصاب، والتعري القسري والتحرش الجنسي.

ووفقاً للتقرير فإن حتى هؤلاء الضحايا الذين هربوا إلى لبنان ونجوا من التعنيف في الداخل، واجهوا واقع الخدمات المحدودة ولم يجدوا دعما كافياً من المنظمات الإنسانية التي غالبا ما تكون ضعيفة التمويل وغير مجهزة لتلبية احتياجات ضحايا العنف الجنسي. غالباً ما يفتقر مقدمو الخدمات إلى التدريب في التعامل مع الضحايا الذكور وبعضهم يقلل من شأنهم ويسخر منهم، ما يساهم في سوء العلاج وإعادة الصدمة لأولئك الذين يطلبون المساعدة.

يصف التقرير مجموعة من الأعراض العاطفية والنفسية للضحايا، بما في ذلك أعراض الاكتئاب، والإجهاد اللاحق للصدمة، والصدمة الجنسية، وفقدان الأمل، والأفكار المرعبة. كما أنهم تحدثوا عن آلام جسدية، بما في ذلك من الألم الشديد في المستقيم والأعضاء التناسلية، ونزيف المستقيم، وآلام العضلات، وعن احتمال إصابتهم بأمراض معدية جنسياً، بما فيها فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة.

تاريخ من التقارير

أحضروا عصا ممسحة وأدخلوها في شرجنا. بدأ نزيف قوي، تشوّهنا".”

نائلة، امرأة ترانس (21 عاما)، تصفت تعرضها للاغتصاب الجماعي في سجن مركزي حين كانت قاصراً.

في 2013، أصدر "مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة" في قراره رقم 2106 حول واقع التعنيف الجنسي في الحرب السورية، تقريراً يفيد بأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يؤثر أيضاً على الرجال والفتيان. كما قدمت "وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" والمنظمات غير الحكومية، بما في ذلك "أوول سرفايفرز بروجيكت"، و"اللجنة المعنية باللاجئات"، و"محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان"، و"مشروع قانون اللاجئين"، وثائق مهمة عن طبيعة ومدى العنف الجنسي المرتكب ضد الرجال والفتيان في سوريا وأماكن أخرى، والاحتياجات المحددة للضحايا الذكور.

معظم ضحايا العنف الجنسي الذين أدلوا بشهاداتهم في تقرير هيومن رايتس ووتش لم يحاولوا حتى الحصول على خدمات طبية أو نفسية في سوريا لأسباب عديدة، منها العار، والخوف، والوصمة، وانعدام الثقة في نظام الرعاية الصحية

كما نشرت في مارس/آذار 2018، "لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية" تقريراً يحتوي على أدلة تفصيلية حول العنف الجنسي ضد الرجال والفتيان في سوريا. في 23 أبريل/نيسان 2019، تبنى مجلس الأمن القرار 2467 بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والذي يعترف بأن الرجال والفتيان هم أهداف للعنف الجنسي في حالات النزاع وما بعد النزاع. يعترف القرار 2467 بالحاجة إلى دعم طبي ونفسي متقدم للضحايا ويدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ضمان حصولهم/ن على الرعاية الطبية والنفسية الاجتماعية بدون تمييز على أساس احتياجاتهم/ن.

لكن واقع التقرير الصادر اليوم يعكس حقيقة مرة: بعد مرور سبع سنوات على التقرير الأول، لا زالت المشكلة قائمة، وربما تتفاقم أكثر من ذي قبل. ومع ارتفاع معدلات الانتحار في الداخل السوري بحسب تقرير نشرته السيريان أوبزرفر، في العام الماضي، وخاصة ضمن الشريحة العمرية الشابة، لا يمكن التكهن بأسباب الانتحار أو حتى الحصول على إحصائية دقيقة بأرقام الحالات وسط التكتم المجتمعي والأسري عليها وإدانتها، لكن يمكننا الجزم أن حالات التعنيف الجنسي هي ضمن تلك الأسباب التي تشكل دوافع الانتحار حتماً في ظل ما يلحق بضحاياها من الخزي والعار والأزمة النفسية.

توصيات تقرير هيومن رايتس ووتش

أوصى تقرير المنظمة بأن تتولى المنظمات الإنسانية ومقدمي الخدمات في لبنان تقديم الخدمات الطبية للفئة المستهدفة، بما في ذلك دعم الصحة النفسية، لضحايا العنف الجنسي. وأشار أيضاً إلى أهمية تدريب موظفيهم، بمن فيهم مديري الحالات، والاختصاصيين الاجتماعيين، والعاملين الطبيين في الخطوط الأمامية على الاحتياجات الخاصة بالنساء الترانس وبالرجال والفتيان.

قالت إردم، معدة التقرير: "يمكن أن تعاني النساء الترانس، كما الرجال والفتيان، من العار والوصمة والعزلة بسبب العنف الجنسي. من الضروري تحدي الفرضيات الاجتماعية والثقافية التي تصوّر أنهم ليسوا عرضة للخطر. ينبغي تمويل الخدمات، وجعلها مناسبة لرعايتهم، دون الانتقاص من تمويل الخدمات المقدمة إلى النساء والفتيات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard