الموت اللذيذ الذي دمّر واقعي… قصتي مع إدمان مخدر الفودو

الأربعاء 27 يناير 202111:49 ص

"أتوسط كنبة وثيرة بين صديقين ومن حولنا العدم/ الفراغ الكوني العظيم. تحلّق الكنبة ونضحك، وأقول: موتنا... موتنا. أقولها بمنتهى اللذة والسعادة".

هذا كان ملخص تجربتي حين تعاطيت نبات الفودو لأول مرة. كنا نحتفل بعيد ميلاد صديقنا، وكانت الأجواء مشبعة بالغناء والبهجة والدخان الأزرق المتطاير والأصوات الصاخبة الضاحكة. وجاء العرض من صديق وهو يمد لي بسيجارة ملفوفة صغيرة جداً "جوينت" أو "أزبلفاية"، كما سيُطلق عليها فيما بعد.

"ما هذا؟"، تساءلت، فرد الصديق: "نفسين فقط وستعرف".

النفس الأول يسحب العالم من داخلك وكأن روحك تُسلب منك، في الثاني تنفصل عن واقعك كأنك تشاهد الدنيا من خلال نافذة زجاجية، تشاهد ولا تشارك... إنه الموت، أجل هو. تلك هي الحالة التي يعيشها من يختبر هذا النبات العجيب "الفودو" أو السحر الأسود. لا ليس الموت، إنما الخوف من الموت، وهو يختلف من شخص لآخر. أذكر أن أحد الأصدقاء حين جرّب الفودو ظل يبكي ظناً منه أنه سيموت الآن، وسيترك والدته تعاني من الوحدة وفقدان الابن.

صديقي الثاني كان على يقين بأن الأرض تهتز تحت قدمه، وأن القيامة قد قامت، لذلك نهض وراح يدور حول نفسه بقلق، وهو يدعو الله أن يسامحه عما بدر منه بتلك الحياة.

صديقي الثالث قالها صراحة: "هو دا الموت؟! طز".

صديقي الثاني كان على يقين بأن الأرض تهتز تحت قدمه، وأن القيامة قد قامت، لذلك نهض وراح يدور حول نفسه بقلق، وهو يدعو الله أن يسامحه عما بدر منه بتلك الحياة. صديقي الثالث قالها صراحة: "هو دا الموت؟! طز"

النوع الثالث من الأصدقاء هو من عشق هذا النبات، وكنتُ منه. فأول قاعدة في تعاطي نبات الفودو: يجب ألا تكون ممن يخشون الموت، أو بمعنى أوضح: ممن لا يعبؤون بالحياة.

لذلك أصبحت كلمة الموت علامة رائجة لقوة النبات حتى "الديلرات" كانوا يستخدمونها لإثبات جودة النبات لديهم: "معايا حاجة موت"، فيتأكد الزبون أو المدمن: "موت... موت".

وقتها، وكان ذلك عقب ثورة يناير، كان يأتي هذا النبات من دول أوروبا، وكان الحصول عليه ليس فيه أي مشكلة، بإمكانك أن تشتريه "أون لاين" وتحصل عليه من أي شركة تحويل بضائع، حيث كان يصل في طرود مُغلفة كنوع من البخور النادرة، لعل أيضاً الصور التي تُغلف هذا النبات -والتي كانت تحتوي على كميات متفاوتة من الغرامات- كانت سبباً مباشراً في خداع رجال الجمارك. من منهم كان يعتقد أن هذا الكيس الصغير والذي يحمل صورة للكلب الشهير "سكوبي دوو"، بداخله أعنف مخدرات عرفتها مصر، بل وربما البشرية حتى الآن؟

عقب ثورة يناير، كان يأتي هذا النبات من دول أوروبا، وكان الحصول عليه ليس فيه أي مشكلة، بإمكانك أن تشتريه "أون لاين" وتحصل عليه من أي شركة تحويل بضائع.

كان الحصول عليه أسهل من الحصول على أي نوع من أنواع المخدرات الأخرى، خصوصاً أن رجال الشرطة في مصر لم يكونوا على علم به نهائياً. كل هذا قبل أن يسقط صديقنا الصحفي ضحية تجربة جديدة... ركبه الفزع، وبعد الرحلة أو الطلعة -هكذا تسمى والتي تستمر لثلث ساعة كاملة- قرر أن يشن حملة صحفية شرسة، وإثرها انتبهت الدولة لهذا العقار الجديد، فلم نعد نستطيع الحصول عليه لا بسهولة ولا بصعوبة.

ونبات الفودو أخضر اللون، يشبه إلى حد كبير "نبات البانغو" غير أن رائحته أزكى بكثير وتأثيره أعنف، لدرجة أنه يُفسد الإحساس بأي مكيّفات أخرى، فمتعاطي الفودو لا يتناول أي شيء بجانبه، لا خمور ولا حشيش ولا أي مواد كيميائية، وكأنه وصل للقمة، لذلك فضّلته الشلة كلها وأدمنته.

لماذا أحببت هذا المخدر؟

يُقال إن هذا النبات يتم تهجينه وقت زراعته بمواد كيميائية مجهولة المصدر، حيث تعمل هذه المواد على تنشيط الأعضاء كلها، بما في ذلك عضلة القلب، الشراهة في الطعام، الإفراط في الجنس، والأهم تدفق الأفكار بغزارة من وضوح الرؤية، كل هذا لمدة لا تزيد أبداً عن ثلث ساعة. 

وهو ما دفعنا لأن نستمر في التعاطي طوال اليوم، منذ لحظة الاستيقاظ وحتى وقت النوم الذي أصبح منعدماً. غير أن تلك الأفكار ليست مثمرة في الحقيقة، ولا يمكن الاستفادة منها على أرض الواقع، فأنت حين تكون تحت تأثير هذه المواد تصبح "متسنتر" -وهو التعبير المنتشر عن تأثير ذلك النبات- وكأنك على خط "السنتر" بمباراة ما، ترى بوضوح ما يدور داخل الملعب/ الحياة، وتنتظر دورك في المشاركة، ولكن المشاركة لا تأتي إلا إذا توقفت عن التعاطي. أذكر في فترات إدماني للفودو بأنني توقفت عن الكتابة، أو أصبت بما يعُرف بالحبسة الإبداعية  لمدة عام كامل، وفي مرة اتصلت "بالديلر" فعرفت أنه قُبض عليه، 21 يوماً كانت فترة سجنه الاحتياطي، 21 يوماً كتبت فيها رواية "قانون البقاء"، وحين خرج من محبسه توقفت مرة أخرى وتفرّغت للتعاطي.

كان الزملاء يسألونني: "لمَ جاءت روايتك الأخيرة بلا نهاية؟"، وكنت أرد: "لأن الديلر خرج من السجن".

لماذا أحببت هذا المخدر؟ لأنه يعمل على تنشيط الأعضاء كلها، بما في ذلك عضلة القلب، الشراهة في الطعام، الإفراط في الجنس، والأهم تدفق الأفكار بغزارة من وضوح الرؤية، كل هذا لمدة لا تزيد أبداً عن ثلث ساعة

الإستروكس البديل الشعبي القاتل

لا بد وأن الحظ كان حليفاً لنا، فهذا النبات يمكن التعافي منه بسهولة تامة، لا أعراض انسحاب ولا حاجة إلى مصحة أو أدوية، بالعكس، الحياة دونه تصبح أجمل وأرحب، فالرغبة فيه تشبه رغبة المراهق في الاستمناء، الحصول على لذة سريعة وطارئة ثم لا شيء. الرغبة الملحة هي الدافع الوحيد، لذلك حين اختفى من الأسواق لم نكن نشعر أننا بحاجة للمخدرات، حتى ظهر نبات الإستروكس. نفس التأثير تقريباً غير أنه أعراضه الجانبية بلا حصر. ربما يعود ذلك لاستخدام مادة الكيتامين الممزوجة بنبات البردقوش وسائل الأستون، وهي مادة تستخدم لإزالة طلاء الأظافر، تلك التركيبة القاتلة أدت إلى: التهاب القولون، اعتلال في وظائف الكبد، سوء التنفس، فقدان الشهية، عدم القدرة على التبرز، نزيف داخلي لعدة أشهر. كانت هذه المادة موتاً حقيقياً وغير لذيذ بالمرة.

كنا في البداية نجد لذة مع اختبار الموت الممتع، ففقدنا الحياة نفسها. والآن، وبعد عام وأكثر من الانقطاع عن تلك المواد، أيقنت أن الحياة أجمل من الموت اللذيذ، وأن الواقع الملون أبهج من السحر الأسود. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard