"يذكروني بأجهزة مخابرات عبد الناصر"... عن المحاكمات الأخلاقية للنجوم في مصر

الخميس 28 يناير 202103:55 م

لم يكن الفنانون في مصر متوجسين من كشف كواليس حياتهم الخاصة كما يحصل هذه الأيام، فلم يُحاكم فنان أو يجد نفسه أمام القضاء، مثلما يُهدد الفنانون في وقتنا الحالي.

في الماضي، تحدث فريد شوقي (في حلقة من برنامج "نجوم على الأرض") عن تعاطيه للخمور، كعادة يومية، أو في المناسبات الخاصة، قائلاً: "أحب أخذ ثلاث كؤوس على الأقل كل ليلة، بعد تعب التصوير ومشقته، أشعر أني في حاجة للاسترخاء".

لكن الفنان الراحل عبّر عن حرصه على الابتعاد عن الخمور في عمليات التصوير، كي لا يفقد التحكم في انفعالاته، وتركيزه في تقمص الشخصية التي يجسدها، حتى إن كانت شخصية سكّير، وهو ما انتهجه في فيلم "أهلاً بالحب"، ولاقى دوره استحساناً كبيراً، و"شعر الناس أن رائحة الخمر تفوح من فمه".

الفنان رشدي أباظة، عرف عنه أنه كان لا يستفيق من السُكر، حتى في كواليس تصوير أفلامه، ظهر في حلقة من برنامج التلفزيون اللبناني، فاقداً لوعيه، وعندما وجهت إليه الأسئلة على الهواء، أجاب بكلمات لا علاقة لها بما يُسأل فيه، وظل يردد: "أنا أحب صباح، وليس معقولاً أن أحب ابنتها هويدا"، حسب مجلة "الشبكة" اللبنانية، آذار/مايو 1969.

وحكى صديقه المقرب الفنان أحمد رمزي، أثناء وجوده رفقة الفنان عمر الشريف في برنامج "هي والجريئة"، الذي قدمته المخرجة إيناس الدغيدي، أن أباظة لم يدخل كواليس التصوير إلا بعد أن تتوفر زجاجات الخمر، ولم يكن يُدخن سيجارة إلا وهي محشوة بالمخدرات.

في الوقت الحالي، يكشف بعض الفنانين أثناء ظهورهم في البرامج التلفزيونية عن معاقرتهم للخمور في فترات سابقة، قبل أن يقلعوا عنها، لأسباب مختلفة، مثل الفنان طارق لطفي، وعلي الحجار.

كما يدلي البعض الآخر بتصريحات تخص حياته الشخصية، ويتلقى هجوماً عنيفاً من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وأحياناً تخرج تصريحات مناقضة من فنانين آخرين.

"المفروض إن الفنان ما يتكلمش خالص، إلا في المناسبات الفنية... ولا يهتم بإثارة انتباه الجمهور حول ما يرتديه أو يشربه" إلهام شاهين لرصيف22

مؤخراً، هوجمت الفنانة رانيا يوسف بحدة من الجمهور، بعد تصريحاتها عن مؤخرتها، أثناء ظهورها في برنامج "مع الفارس" على شاشة قناة الرشيد العراقية، وتلقى الفنان باسم سمرة انتقادات من الفنانة رحاب الجمل على فيسبوك، وهددت بتقديم دعوى قضائية للنائب العام المصري، لأنه تعاطى المخدرات في كواليس تصوير فيلم "ديك العياط"، الذي تشاركه في بطولته، قبل أن يتدخل الفنان أشرف زكي، ويعقد جلسة بينهما، بصفته نقيباً للمهن التمثيلية.

"الجمهور يتسلّى"

تلقي إلهام شاهين في حديث لرصيف22 بالمسؤولية على السوشال ميديا في هذا التغيير، تقول: "عكس الفترات السابقة، فقد كانت تلك الاعتراضات والهجوم العنيف، لا تتجاوز جلسات الأهل والأصدقاء، قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي".

وترى أن الجمهور يتسلى بانتقاد الفنانين على تفاصيل حياتهم الخاصة: ملبسهم، ومظهرهم، وشربهم، رغم أنها لا تضر أو تمس حياتهم.

وتحمّل شاهين المسؤولية أيضاً على عاتق "الفنان الذي يكشف عن تفاصيل حياته الخاصة"، في البرامج التلفزيونية أو في الصحافة، أو حتى يعلق على أداء وحياة فنان آخر.

وتشدّد شاهين على أنه إذا لزم الأمر، فلا بد من أن يرجع الفنان إلى الجهة المختصة بالفصل بينه وبين الخصوم، مثل نقابة المهن التمثيلية، وتضيف: "المفروض إن الفنان ما يتكلمش خالص، إلا في المناسبات الفنية الخاصة، ولا يتحدث فيها إلا عن أعماله الفنية، والقضايا الفنية التي تمس الفن، ولا يهتم بإثارة انتباه الجمهور حول ما يرتديه أو يشربه".

"أجندات قذرة"

يتفق مع شاهين، المخرج السينمائي يسري نصر الله، يقول لرصيف22: "الحياة الخاصة للفنانين تخصهم وحدهم".

ويرى نصر الله أن أي هجوم على الفنانين لا يأتي من دافع ديني أو أخلاقي، ولكن "تصفية حسابات، لذا فهو بعيد تماماً عن الأخلاق والدين".

وينتقد "التنظير الأخلاقي على سلوكيات الفنانين"، و"الفضول وحشر الأنوف في حياتهم الخاصة". ويشدد على أن هذه السلوكيات هي "من قبيل الثرثرة، المقصود منها تدشين أجندة القذارة"، خاصة أن النجم أو الفنان لم يفرض سلوكياته على أحد، أو يشجع الناس على تناول الخمور أو المخدرات.

ويرجع نصر الله استباحة حياة الفنانين الخاصة لمساوئ استحدثتها السوشال ميديا، التي شجعت بعض أعضاء مجلس النواب المصري على اعتبار الفنانين سبب الفساد في مصر، وعلى أساس ذلك طالبهم بدفع أموال كضرائب لأسر الشهداء، فضلاً عن أن أحد خطباء صلاة الجمعة اعتبر أن انتشار فيروس كورونا في مصر، سببه أخلاق الفنانين وما يقدمونه في أعمالهم.

أما الناقد الفني طارق الشناوي فيرى أن "الجمهور في الستينيات والسبعينيات اتسم برحابة أهلته لتقبل الفنان بكل عيوبه ما دامت لا تنعكس عليهم، بخلاف ما يحصل اليوم، فالجمهور يحكم على الفنان من حياته الخاصة، ويحاسب على سلوكه الخاص، لا على أعماله الفنية".

كان الفنان أحمد زاهر قد صرح في حوار صحافي أنه يعتبر مشاهد القبلات والإغراء من قبيل "السيئة الجارية"، لذا فرض قيوداً أخلاقية على نفسه، وعلى بناته، تلزمهم بعدم المشاركة في أي عمل فني يحتوي على مثل هذه المشاهد.

ويلمح الشناوي إلى أن زاهر "قد دشن مصطلحاً جديداً هو "السيئة الجارية"، لم ينص عليه في الكتب السماوية، فهناك مثلاً مصطلح صدقة جارية، ولا يوجد ما نص عليه في القرآن الكريم يسمى "سيئة جارية"، بل هناك "إن الحسنات يذهبن السيئات"، كما لا يمكن أن تتحمل بناته ما يرتكبه هو من أخطاء أياً كانت، لذا فقد أضاف للدين مفاهيم جديدة لكسب ود المجتمع المصري".

"يشبهون مخابرات عبد الناصر"

وصرح الفنانون يوسف الشريف، وأحمد زاهر، وماجد المصري، وعادل إمام، وسعيد صالح، برفضهم عمل بناتهم بالوسط الفني المصري، لاعتبارات أخلاقية ترفض ظهورهم في مشاهد القبلات والإغراء، ويعتبر الشناوي هذه التصريحات محاولة لكسب شعبية، خاصة أنها تلاقي قبولاً كبيراً لدى الرأي العام المصري.

وطالب يسري نصر الله بالاحتكام للقانون تجاه كل من يدلي بهذه التصريحات، لأنها تحرض على جريمة، وتحول الوطن المصري إلى دولة تشبه أفغانستان، خاصة أنها تدعو لمنع السينما والموسيقى، وقد تسببت بمحاولات اغتيال فنانين وأدباء مصريين.

"تصريحات الفنانين المعادية لخصوصيات زملائهم، وعدم احترام حياتهم، قد تضطرهم في النهاية إلى الهجرة، مثلما حدث في زمن مخابرات جمال عبد الناصر" يسري نصر الله لرصيف22

وكان الأديب نجيب محفوظ قد تعرض لمحاولة اغتيال على يد المتطرف محمد ناجي محمد مصطفى عام 1994، بسبب فتاوى عمر عبد الرحمن (أمير الجماعة الإسلامية)، حسب حوار ناجي في مجلة "الثقافة الجديدة".

عن تصريحات بعض الفنانين التي ترفض مشاهد القبلات السينمائية، أو مشاهد الإغراء، يقول نصر الله: "لم يطلب منهم أحد شيئاً"، وطالب بعدم الالتفات أو الانتباه لهؤلاء الفنانين، خاصة أن معظمهم "لا يقدم شيئاً، لذا يجب عليهم أولاً الاهتمام بتقديم أعمال جيدة، تضيف للفن".

ويتساءل: "هل هؤلاء الفنانون يتصورون أنهم يخدمون الأخلاق؟ هذا غير صحيح، وإن كانوا يتصورون ذلك، فالأخلاق التي يتشدقون بها تحتم عليهم عدم إقحام أنفسهم في حياة الآخرين، مهما كانت الطبقة الاجتماعية التي تربّوا فيها، وفي حالة عدم احترام تلك الحياة يجب محاكمة الفنان بحسب القانون".

ويعتقد المخرج المصري أن هذه التصريحات المعادية لخصوصيات الفنانين، وعدم احترام حياتهم، قد "تجبرهم على الهجرة، مثلما حاولت المخابرات المصرية في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر تجنيد الفنانين لاستغلالهم في أعمال جنسية، فضلاً عن إجبارهم على تنفيذ أعمال لا تمت للفن بصلة، فلجأوا إلى الهجرة لدول أخرى، وسببوا فراغاً في الحياة المصرية، إذ لا يستقيم مجتمع بدون فن جيد، لذا في النهاية احتاجت إليهم الدولة وأعادتهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard