حرية شخصية أم تسلط أبوي؟... فنانون مصريون لا يرغبون في دخول أبنائهم الوسط الفني

الأحد 29 نوفمبر 202001:46 م

رغم التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري وأبعدت كثيراً الفكرة العالقة في الأذهان وهي الشعور بالعار والنظرة الدونية إلى التمثيل، فإن الكثير من المصريين، ومنهم فنانون مشهورون، يرفضون عمل أبنائهم وبناتهم في الفن.

وعلى مر السنوات شهدت الساحة المصرية سجالات بين مؤيدين للفكرة ومعارضين لها، كان آخرها عقب تصريحات الفنان خالد الصاوي الذي طالب النقابة بالتدخل لردع من يصرحون لوسائل الإعلام أنهم غير موافقين على عمل أبنائهم في التمثيل ودخول الوسط الفني.

ويرى عدد من الفنانين الذين تحدث إليهم رصيف22 أن هناك فرقاً بين الرفض وبين الشعور الأبوي المتعلق بهذه المهنة الشاقة التي تتطلب قضاء أوقات طويلة خارج المنزل في  بلاتوهات التصوير. وفي الوقت نفسه، إذا كان الرفض يقتصر على البنات فقط فهذا يندرج، وفق رأي بعضهم، تحت بند التفريق بين الذكور والإناث في المعاملة.


مهنة مرهقة أم غير ملائمة للفتيات؟

ترى الممثلة الشابة هند عبد الحليم التي اشتهرت من خلال مسلسلات منها "حكايات بنات" و"عالم افتراضي"، أن منع بعض الفنانين من داخل الوسط الفني توريث المهنة لأولادهم يعود لأسباب مرتبطة بالإرهاق والمشقة، فمهنة الفن تأخذ الكثير من الوقت حتى يحقق الفنان غايته، والتمثيل بطبيعة الحال مرهق خاصة في أوقات التصوير ويؤدي لانشغال الممثل عن عائلته وحياته.

الكثير من المصريين، ومنهم فنانون مشهورون، يرفضون عمل أبنائهم وبناتهم في الفن

أما فكرة المنع على أساس جندري، أي أن يمنع الأشخاص من الوسط الفني بناتهم ويسمحوا لأبنائهم، فهذا المبدأ مجزّأ وفق رأي عبد الحليم: "هو مبدأ لا أرتضيه وفيه شيء من  السيطرة الذكورية التي أرى أنها تتغير بمرور الزمن وأصبحت أقل، لكن لا يزال هناك فرق بين أب يخاف على ابنته من المجتمع أو المشكلات التي تواجهها، والأب الذكوري".

وعن هذا الفرق يتحدث الفنان ماجد المصري، وهو صاحب التصريحات التي أدلى بها العام الفائت خلال حوار تلفزيوني حول مسألة منعه ابنته ماهيتاب من التمثيل، وأثارت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول المصري صاحب الأدوار السينمائية الشهيرة ضمن أفلام مثل "الكهف" و"كلمني شكراً" لرصيف22: "لا أجد مشكلة في تلك التصريحات. أنا حر. لا أفضل أن تعمل ابنتي في المجال الفني وأتعجب ممن يقولون إن عدم موافقتي على دخولها مجال التمثيل هو نوع من الكبت، لكني أحترم ذلك، فهو رأيهم الشخصي".

يضيف: "كل راع مسؤول عن رعيته، وأنا رجل شرقي سواء كنت في لبنان أو مصر أو الإمارات. أنا حر بمنزلي، لكن أرفض أن يقال إني شخص ذكوري، فأنا لا علاقة لي بالسيطرة الذكورية والرجعية، كما أن ابنتي ماهيتاب لا تفضل دخول مجال الفن، وإن كانت لديها رغبة في ذلك فسيكون الأمر مختلفاً تماماً".

أما قول الفنان خالد الصاوي إن النقابة من المفترض أن تعاقب من يرفض دخول أولاده في الوسط الفني، يقول المصري: "هو حر فيما قاله وأنا حر في موقفي وأنتم كصحافيين أحرار فيما تكتبونه".

يرى ممثلون ومخرجون مصريون أن منع بعض الفنانين توريث المهنة لأولادهم يعود لأسباب مرتبطة بالإرهاق والمشقة، فمهنة الفن تأخذ الكثير من الوقت حتى يحقق الفنان غايته، والتمثيل مرهق خاصة في أوقات التصوير ويؤدي لانشغال الممثل عن عائلته وحياته

وتوضح الفنانة صفية العمري لرصيف22 أن الإشفاق الأبوي على الأبناء يتدخل في هذه المسألة بشدة رغم أن النظرة في هذا الزمن تغيرت كثيراً.

وتقول الفنانة التي عرفها المتابعون من خلال مسلسلات مثل "ليالي الحلمية" و"هوانم غاردن سيتي": "مجال الفن متعب ويجلب الكثير من المعاناة النفسية من أجل إثبات الذات وترك بصمة. أريد أن أرى ابني أو ابنتي أسعد الناس في الدنيا وفي حالة نجاح وفرح، دون أن يكونا متعبين من هذا المجال بسبب ضغوطه النفسية والانفعالات التي تمرض الفنان بشكل عام".

لكن العمري تؤكد أن الموهبة في الأول والأخير تفرض نفسها، ولا يجوز لشخص أن يصر على رأيه إذا توافرت الموهبة في ابنته، وتضيف: "لا يزال الخوف من هذه المهنة مسيطراً، لكن النظرة الحالية إلى الفنان تغيرت لأننا في عصر حديث يحترم الفن والفنانين لدرجة أنهم يحصلون على منصب سياسي أو يعيّنون في مجلس الشيوخ كما رأينا".


معايير لا تناسب الجميع

حياة الأضواء والشهرة لها طابع خاص لن يقبل بها الجميع في مجتمع مختلف الثقافات، ومنه المناطق الريفية التي لا تقبل معايير العمل في التمثيل، وذلك من وجهة نظر المخرج فاروق فؤاد كما يوضح لرصيف22: "لا أقول هذا كثيراً لكن صناعة الفن تؤثر بشكل كبير على العلاقات الاجتماعية والبشرية، وهناك من لا يريدون أن يواجه أبناؤهم المصير نفسه، ويخشون أن يتعثروا فنياً أو لا يرون فيهم الموهبة الفنية الكاملة. ومنهم من لديه أصول ريفية ويقتنع أن المرأة لا تعمل خصوصاً في الأستوديوهات ولساعات متأخرة من الليل".

ويتحدث فؤاد -صاحب العديد من الأفلام والأنشطة الثقافية خاصة داخل دار الأوبرا المصرية- عن عدم الاستقرار الأسري المصاحب لهذه المسألة واقتراب البنات من عالم الأضواء والشهرة وهي مسألة مقلقة جداً عند أولياء الأمر. يقول: "هناك فروق واضحة بين الفنانين في رؤيتهم وبصيرتهم. هناك من لا يرى المواصفات الفنية في أبنائه، والبعض لا يرضى لابنته أن تبقى في البلاتوه لساعات متأخرة أو حتى لليوم التالي. وهناك نظرة تعود إلى الثقافة والخبرات الحياتية".


سلبيات وإيجابيات

في اعتقاد الفنان الشاب خالد أنور فإن مهنة التمثيل تقبل القسمة على اثنين، وليس كل من يمتهنها باتت حياته مليئة بالسلبيات، ما يعني أن يشعر الأهل بالعار تجاهها. يقول: "مهنتنا مثل أي مهنة في الدنيا، فيها الحلو والوحش وانت هتستخدمه على قد ما دماغك تجيبك، يعني في الآخر هي كباية ينفع تملاها مية وينفع تملاها خمرة، لكن الفن شيء عظيم جداً ومهم لأي شعب، وكل شخص حر يمنع أو يسمح لكن عليه أن يعلم أن الفن شيء مهم جداً".

ولا ينفي الممثل الذي حقق شهرة واسعة من خلال مسلسلات مثل "كأنه مبارح" و"زودياك" وجود مشاكل وعادات سيئة داخل الوسط الفني، لكن هذا برأيه يحدث ضمن أي مهنة وليس محصوراً بالفن فقط، ويشرح: "هناك أشخاص حتى الآن لا يوافقون على ذهاب زوجاتهم إلى طبيب أمراض نسائية وإنما إلى طبيبة، وهذا لا يعني أن أطباء الأمراض النسائية متحرشون أو غير ذلك".

هناك موروث ثقافي خاطئ يتعلق بمسألة عمل الفتيات بالفن، ويرتبط بفكرة العار، ويظلم النساء، كما يرى أن السيطرة على الفتاة جزء من الثقافة، في حين يسمح للذكور بالتعبير عن مواهبهم، حتى لو كان للولد موهبة أقل من موهبة البنت

وترى الممثلة والراقصة نجوى فؤاد أن الكثير من فتيات جيلها الموهوبات ظلمن بسبب الوصمة السلبية للفن. تقول: "الموهبة رزق من عند ربنا، والطبيعي إذا كان ابني أو ابنتي يملك أو تملك موهبة التمثيل ألا أقف أمام مستقبل أي منهما، فالتمثيل في الأساس قبل الدراسة هو موهبة من الله".

وتشير فؤاد صاحبة الأفلام الشهيرة مثل "شادية الجبل" و"المغامرون الثلاثة" و"السكرية" إلى أنه في السنوات الأخيرة لم يكن هناك منع بشكل مشابه لما كان عليه الوضع في السابق. تقول: "الكثير من صاحبات المواهب في جيلنا ظلمن، لكن أنا أول ما شافني عبد الحليم حافظ شبط فيا وقال "البنت دي موهوبة انا هتبناها"، ولم يكن هناك رفض من أولياء أمري. الأمر الآن اختلف لكن ليس بشكل كامل، ومن يقبل أن يعمل ابنه دون ابنته في الفن فهو يرتكب ظلماً حقيقياً".


موروث اجتماعي من أجل السيطرة

تقول أسماء رمزي، وهي فنانة تشكيلية وباحثة في الشأن النسوي، إن هناك موروثاً ثقافياً خاطئاً يتعلق بمسألة عمل الفتيات بالفن، ويرتبط بفكرة العار، ويظلم النساء.

"في أحد المسارح الجامعية مُنعت فتاة من نزول الجامعة من قبل والدها بعدما شاهدها مع زميل لها في طريقهما للتمثيل على خشبة المسرح"، تتحدث رمزي عن مثال كانت شاهدة عليه، وتضيف أن الموروث يرى أن السيطرة على الفتاة جزء من الثقافة، في حين يسمح للذكور بالتعبير عن مواهبهم، حتى لو كان للولد موهبة أقل من موهبة البنت.

أما هبة صلاح التي أنشأت مؤسسة تهتم بشؤون المرأة، فترى أن الحرية الشخصية يجب أن لا تكون لها علاقة بالوصمة. تقول: "رفض الفنانين هو نوع من الحرية الشخصية، أو  يرجع إلى المعايير والاهتمامات التي تختلف من شخص إلى آخر، لكن الفن أداة من أدوات رفع الوعي في المجتمع والنهوض بوعي الجمهور، والفنانون هم الأكثر تأثيراً".

وتلفت صلاح إلى أن على من يظهرون على وسائل الإعلام ألا يتحدثوا عن فكرة المنع، خاصة إذا كانوا يعملون في المهنة، لأن ذلك قد يفهم على أنه ربط بين الفن والعار. ومسألة منع الفتاة هي نوع واضح من التعسف ضد النساء إذ يحرمهن من حقوقهن في العمل الذي يرغبن فيه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard