"لم يعد ممكناً الوثوق في البطل"... عوالم مختلّة في روايات ما بعد يناير

الاثنين 25 يناير 202102:00 م

 نحو سردية جديدة، اتجه الكتّاب والروائيون المصريون، عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، سردية تستوعب قوة الحدث الثوري، الذي، رغم إخفاقاته، نجح في كسر جزءٍ من المتن الثقافي برموزه وأبطاله الوهميين، مشكلاً صورة جديدة لمصر، برموز وأبطال جدد.

تمثلت السردية الجديدة في رواية مصرية مغايرة، انبثقت من الانتفاضات الشعبية والحالة الثورية، محمَّلة بأسئلة جديدة ووعي مغاير، محطمة لكل ما هو قديم، وتوازت مع موجات التحولات والحضور القوي والمؤثر لفنون: الغرافيتي، الهيب هوب وموسيقى المهرجانات.

وقد تجلّت ملامح الرواية الجديدة في أعمال روائيين شباب، ينتمون إلى جيل الألفية، أو ما يُطلق عليه "جيل الثورة"، فيما توارى روائيون كبار عن المشهد.

الجحيم خالد

وصلت "الديستوبيا" إلى ذروتها في رواية "عطارد" للروائي محمد ربيع، فثمة عالم مفجع، شكَّله ربيع بخيال جامح ومروّع في آن، عالم يسوده القتل، الدمار والانتحار.

تدور أحداث الرواية في عام 2025، بعد احتلال مصر على أيدي "القوات المسلحة لجمهورية فرسان مالطا"، ويتصدى للاحتلال عددٌ من عساكر وضباط الشرطة المصرية، الذين انسحبوا في يوم 28 كانون الثاني/ يناير عام 2011، وهو اليوم الذي سمّي بـ "جمعة الغضب".

بالتوازي مع أحداث 2025، تدور فصول أخرى من الرواية في عام 2011، وقائعها شديدة السوداوية، أما ضابط الشرطة العقيد أحمد عُطارد، قائد مجموعة "البرج"، فقد صار القتل وظيفته، بل عادته المحببة، حيث رأى أن واجبه يكمن في إخراج الناس من الجحيم بقتلهم، لأن "الجحيم خالد... وسينتهي هذا الجحيم ليبدأ جحيم آخر".

قوة الحدث الثوري فجّرت خيال ربيع، ودفعت به إلى ذلك العالم الكابوسي، الذي تتفجر منه الدماء من كل جانب، وقد حازت الرواية على اهتمام نقدي وجماهيري كبير، وتوّج ذلك بوصولها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2016.

البطل... لعبة افتراضية

"أنا القرد الأحمر، انس كل ما مضى، انس كل ما كنت تعرفه، نحن الدولة الجديدة. اجمعوا كل شيء تعرفونه، وتعلمتموه واضربوه في ألف... نحن هذا الرقم. اضرب خوفك في ألف... أنا هذا الفزع، اضرب ضياعك في ألف... أنا هذا الزمن، اضرب عقدتك في ألف أنا هذا الألم. أنا القرد الأحمر، أعلن تأسيس الجمهورية الجديدة".

على النقيض من عالم "عطارد"، تأتي رواية "جمهورية القرد الأحمر" الصادرة عام 2014 عن المركز الثقافي العربي، للروائي الشاب ياسر أحمد، أبطالها مجموعة من الشباب الثوريين، يشكّلون جبهة ويسعون إلى تغيير العالم، لكنهم يواجهون الكثير من الإحباطات والصراعات.

"الثورة كسرت الصورة النمطية للبطل، لم يعد بالإمكان الوثوق ببطل سليم معاف، بل بطل مقسم، متناقض، معلن البطولة وغير معلنها في آن واحد، بطل ينطبق عليه ما ينطبق على الثورة بالضبط"

وفي النهاية، عبر رؤية حالمة، ينهي ياسر أحمد روايته، من خلال لعبة "القرد الأحمر" الافتراضية، التي ستنتقل إلى الواقع، لتؤسس الجمهورية الجديدة.

روايات عديدة تنبأت بالثورة المصرية في 25 كانون الثاني/ يناير، لكن الاتجاهات الروائية الجديدة، الأكثر تمرداً والأشد توهجاً، تبلورت عقب الثورة، حيث ودع البطل الروائي المشهد القديم الذي اتسم بالرتابة والبلادة، وخرج من غرفه المغلقة إلى أطراف القاهرة، ملتحماً مع المهمشين ومن لا صوت لهم. ففي كتاب "كراسة التحرير" للروائي الراحل مكاوي سعيد، كانت "صابرين" طفلة الشوارع، الشخصية الأكثر حضوراً وتأثيراً من بين الشخصيات الأخرى.

للأبطال الجدد سمات، يستفيض الروائي الشاب هشام البواردي في الحديث عنها وعن الرواية المصرية الجديدة، ويبدأ بتعريف البطل الروائي، يقول لرصيف22: "البطل الروائي في أبسط تعريف، هو إنسان ابن الزمن الروائي، من الممكن أن يكون منتصراً، مهزوماً، هلاساً، منعزلاً أو انتهازياً، وهو أكثر اتساعاً من البطل في الواقع الذي لا يمكن أن يكون سوى منتصراً".

ويتابع صاحب رواية "الرجل النملة": "لا أعرف بالتحديد هل نجحت الثورة أم لا، حقيقة الوضع مربك لي، ومن أجل ذلك أعتقد أن الثورة كسرت الصورة النمطية للبطل، بحيث أنه لم يعد بالإمكان الوثوق ببطل سليم معاف، بل بطل مقسم، متناقض، معلن البطولة وغير معلنها في آن واحد، بطل ينطبق عليه ما ينطبق على الثورة بالضبط، بطل غير كامل، ماذا أسميه؟ بطل وحيد وفريد في آن واحد. الثورة صنعت أزمة ما، وهي أن الحل الجمعي صعب، لا أريد أن أقول لك مستحيل، لقد جعلت الثورة الجميع يلوذ بحل فردي".

يُنكر البواردي فكرة الجيل الأدبي في الأدب والفن، ويرى أن الروائي الجيد هو الروائي القادر على التغلب على هذه الفكرة تحديداً، ويُشير إلى أن ذروة الرواية المصرية بعد الثورة، تجلّت عند اثنين ممن يطلق عليهم كتاب التسعينيات: "إن لم أكن مخطئاً، ليست التسعينيات سوى المشكلة والحل، هي اللحظة التي ظهر فيها انعتاق رواية مصرية أصيلة، واللحظة التي تم طمر فيها أي عمل فني أصيل، التسعينيات هي المشكلة وهي الحل، لحظة الحرية الكبرى ولحظة العبودية الكبرى".

منفصم ومجنون

يؤكد البواردي أن الثورة أنتجت "واقعاً" جديداً بأبطال جدد، وأنتجت أيضاً رواية جديدة تمرّ بنفس منحنى الواقع، أي أنها تتوازى مع طريق الثورة، فكلما بات طريق الثورة أكثر وضوحاً كلما صار طريق الرواية المصرية أوضح، بحيث نصل في النهاية إلى رواية جديدة، مغايرة للماضي، رواية يتم فيها النكوص عن رواية الأب المؤسس نجيب محفوظ.

"إخفاقات الثورة قد فتحت المجال لتخيل مجتمعات مستقبلية أكثر اختلالاً من مجتمع ما قبل يناير 2011"

ملامح البطل الجديد، حسبما يراها البواردي، هزلية، ويُرجع ذلك إلى أن الفعل الثوري لم يؤدّ إلى شيء واضح تماماً، وهو ما يجعل الإنسان الحالي، الذي هو بوتقة سيخرج منها البطل، يكفر بالفعل، ربما يرتمي في حضن (اللافعل).

"وهذا موقف هزلي من الحياة، لكنه ربما يكون الموقف الوحيد الصحيح، أعتقد أيضاً من ضمن ملامحه أنه مغاير، وأقوى ملامحه أنه منفصم ومجنون، ليس جنوناً مشابهاً لدون كيشوت الحالم بالبطولة، بل جنون الذي خبر الحياة، ولم ترقه".

القادمون من الهامش

لأستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك في كندا، الدكتور وليد الخشاب، رؤية أخرى مغايرة لرؤية هشام البواردي، إذ قال لرصيف22: "لم تنتج ثورة يناير رواية مصرية جديدة، لكنها عززت وسارعت إيقاع اتجاهات الرواية نحو ملامح جديدة في القرن الحادي والعشرين، حيث برز نوع اليوتوبيا الضد أو 'الديستوبيا' كنوع أساسي في المشهد الأدبي، مثلما في روايتي 'عطارد' لمحمد ربيع، و'الطابور' لبسمة عبد العزيز".

ولفت الخشاب إلى أن إخفاقات الثورة قد فتحت المجال لتخيل مجتمعات مستقبلية، أكثر اختلالاً من مجتمع ما قبل يناير 2011.

وأضاف: "ساهمت الثورة في ترسيخ النزوع الأدبي نحو عوالم الهامشيين بسبب طبقتهم الاجتماعية، توجههم الجنسي أو لا اجتماعيتهم، لأن المهمشين هم أكثر من تضرر من اندلاع الثورة ثم فشلها، ورسّخت الاتجاه التهكمي في الكتابة وصياغة المواقف، مثلما في روايات شادي لويس، لأن التهكم سلاح من لا يملك ميزان القوة".

وأدت حالة تفكك البنى السائدة في المجتمع قبل يناير 2011 إلى تعاظم التفكك في مؤسسات عديدة، بحسب الخشاب، وفي منظومات أخلاقية كثيرة: "منها مثلاً منظومة تصور عفاف المرأة مرتبطاً بمدى تغطيتها لجسدها في الشارع".

ومعادل هذا التفكك، يتابع خشاب، بدا في الظهور القوي لأشكال كتابة تعتمد على السرد، وتضيف إليه التأملات والتداعيات، لكنها ليست بروايات ولا قصص بالمعنى المفهوم، وإنما هي نصوص متشظية، مثلما في 'كتاب النوم' لهيثم الورداني، و'مياومة (هايكو عامل معاصر) ' لمحمد فرج.

وعن الأبطال الجدد، يقول الخشاب: "لم تمح الثورة أشكال الأبطال الروائيين قبل 2011، لكنها جذّرت مساحة الأبطال الضد، والأبطال القادمين من هامش المجتمع، لأن مآل الثورة لم ينجح في إنتاج نماذج بطولية 'ناجحة'، كما زاد عدد الأبطال الضد والهامشيين، مثل البطل المثلي 'في غرفة العنكبوت' لمحمد عبد النبي، الخارج عن التوجهات الجنسية السائدة، أو بطل 'طرق الرب' لشادي لويس، الخارج على النموذج السائد في تصورات المجتمع القبطي عن المؤمن الصالح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard