"يا مريم"... حوار مفتوح مع سنان أنطون

الأربعاء 27 يناير 202101:47 م

سنان أنطون، شاعر وروائي وأكاديمي عراقي، ولد في بغداد عام 1967، وهاجر بعد حرب الخليج إلى الولايات المتحدة عام 1991، صدر له ديوانا شعر: "ليل واحد في كل المدن" 2010، و"كما في السماء" 2020. صدرت روايته الأولى "إعجام" عام 2004، وروايته الثانية "وحدها شجرة الرمان" عام 2010، ووصلت روايته الثالثة "يا مريم" 2012، للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، وصدرت روايته الرابعة "فهرس" عن دار الجمل عام 2016.

أخرج فيلماً تسجيلياً بعنوان "حول العراق" عام 2004، ترجم أشعاراً لمحمود درويش وسعدي يوسف. فازت ترجمته لـمحمود درويش "في حضرة الغياب" بجائزة أفضل ترجمة أدبية في الولايات المتحدة وكندا، من جمعية المترجمين الأدبيين لذلك العام. وقد سعدت بإجراء هذا الحوار مع سنان أنطون عبر بث مباشر مرئي، من خلال مجموعة "يوتوبيا" للقراءة على الفيسبوك.

سنان أنطون: "الحياة في أوطاننا صعبة جداً. وللأسف، التعقيدات السياسية والطبقات الحاكمة الظالمة تُشوه صورة الوطن في مخيلة الناس، فيصبح الوطن قوة طاردة 

أضفت اللهجة العراقية العامية وبعض العبارات الكلدانية حميمية وصدقاً على الحكاية وشخوصها، ولكن هل تخوّفت أن تحصر هذه النقطة الرواية في نطاق أكثر محلية؟

أُسأل دائماً عن موضوع استخدام المحكية في الحوارات، ولا شك أن أي كاتب يرغب في الوصول لأوسع جمهور، لكن من تجربتي الشخصية أرى أن الحوارات بالمحكية مهمة جداً. هذا موضوع شائك؛ فهناك من يُفضّل الحوارات بالفصحى فقط، لكن الأدب، بالنسبة لي، هو عن الحياة كما هي. وعدم استخدام المحكية في الحوار يُلغي ويُغرق كل الخصوصيات الموجودة التي يمتلكها أي شخص. سواء الخصوصية الطبقية أو المناطقية: هل هو من المدينة؟ هل هو من الريف؟ وهناك حساسية كبيرة لهذا الموضوع بالذات في الثقافة العربية. فمثلاً، في الأدب الأمريكي عندما يكتب روائي عن منطقة جنوب الولايات المتحدة، يستخدم لهجة تلك المنطقة.

وبالنسبة لي، عندما تترسخ الحكاية في رأسي، وأعيش مع شخصياتها فترة طويلة، أصغي فقط للشخصيات وما تقوله، وفي رواية "يا مريم"، الشخصيات من هذا الجيل، في هذه المجموعة في العراق، كانت تستخدم بعض هذه العبارات، وهذا شيء أعرفه من بعض الأقرباء في عائلتي.

صحيح أن هناك من ينزعج من وجود الدارجة المغربية أو العراقية مثلاً في رواية ويستصعبهما، ولكن تصلني الكثير من رسائل القراء الذين يتلذذون بقراءة الحوار بالمحكيات. هناك أحياناً كلمات لا تُفهم، ولكن أعتقد السياق يُوضح كل شيء.

القطعات السردية ما بين الماضي والحاضر أججت عاملاً شعورياً هاماً يتمحور بين أعمالك: "الحنين"، مع تنوع شكل هذا الحنين من عمل لآخر. وفي مقابل هذا الشعور نجد شعوراً بالغضب على الواقع الحالي. " إنت عيّش بالماضي عمو"، هكذا افتتحت رواية "يا مريم". هذه المفارقة الهائلة بين الماضي والحاضر، هل عمّقها الشعور بالحنين أم أنها ضرب من الغضب على الحال الآن؟

سنان أنطون: "إنّي أعتبر النصوص الأدبية مثل البيوت، يلتقي فيها ناس قد لا يلتقون خارجها"

المشاعر متضاربة، ليس فقط في العراق ولكن في أماكن أخرى، دائماً الماضي موجود وهو بمثابة ملجأ، لدوافع وأسباب متعددة. يمكن أن يكون الحنين نقداً للحاضر، هذا ما ذكره لي أحد الأكاديميين عندما تحدثنا عن هذا الموضوع. هناك ناقد أدبي -لا أتذكر اسمه الآن- يقول إن هناك نوعين من الحنين: الحنين التأملي، بمعنى أن الإنسان يحن لزمن مضى ليس لأنه بالإمكان العودة إلى ذلك الزمن، وليس لأن ذلك الزمن كان مثل يوتوبيا، ولكن ليتأمل هذه العلاقة بين الماضي والحاضر، وهناك الحنين الذي يحنّ إلى ماض مُتخيل، غير موجود ولم يكن موجوداً أساساً.

وأنا أُسأل دائماً: هل يوسف يُمثلني أم مها؟ في الحقيقة ليس هناك جواب واضح. أنا بين الاثنين، وأعتقد هذا واضح في الرواية. لأنه مهما كان موقفنا من آراء مها، فإن يوسف شخص كبير في العمر، مسن، ولا يعيش الحياة اليومية كامرأة. لأن تجربة الإنسان تتغير في الحيز العام بالتأكيد، فهناك إشكالية في حنين يوسف أحياناً كما تنتقده مها.

ولكن هناك أيضاً إشكالية في نظرة مها، وهذه النقطة هي واحدة من الأشياء التي حاولت أن أتعمق بها من خلال كتابة الرواية، في اختلاف التفاسير والنظرات حتى عندما نعيش في نفس البيت. والبيت هو مصغّر للوطن، لأننا قد نعيش نفس الظروف ولكن تأثيرها علينا يختلف اختلافاً كبيراً.

يمكن أن ترمز النخلة في الرواية للتاريخ، فهل نقع في حب أوطاننا عندما نعرف تاريخها، كما وقع يوسف في حب النخلة عندما تعرف على غناها؟ وهل تكفي مشاعر الانتماء وحدها دون محاولة قوية للتمسك؟

الحياة في أوطاننا صعبة جداً. وللأسف، التعقيدات السياسية والطبقات الحاكمة الظالمة تُشوه صورة الوطن في مخيلة الناس. ومها مثال لأولئك الذين يصل الألم والمعاناة في حياتهم اليومية لدرجة يتساءلون بعدها: ما هو هذا الوطن؟ عندما تصبح الحياة في الوطن مستحيلة، ويصبح الوطن قوة طاردة، فالمسألة ليست مسألة حب، هي مسألة حقوق وعدالة. مؤكد أن الإنسان يُولد وهو يحب المكان الذي ينتمي إليه، لكن البؤس والحروب والصراعات تنفر الإنسان طبعاً، وتجعله أو تجعلها تفكر بالهجرة.

سنان أنطون: "أنا محظوظ لأنني لم أترك العراق بعمر صغير جداً، فثلاثة وعشرين سنة، هذه السنين الأولى دائماً هي السنين الأهم، سنين التشكل الفكري والروحي، التي تعطي مخزوناً هائلاً"

الصراعات السياسية كانت مشتعلة منذ زمن، من وقت الملكية مثل ثورة رشيد الكيلاني، مروراً بانقلاب تموز، وصولاً إلى الصراعات الجمهورية بين عبد الكريم قاسم وعبد الرحمن عارف، انقلاب حزب البعث ثم الاحتلال الأمريكي والعديد من المشاكل السياسية الأكبر من حصرها هنا، فهل هذه الفترات كانت سبباً رئيسياً لإشعال الطائفية أم أن الطائفية وجدت لأسباب أخرى؟

موضوع الطائفية موضوع معقد، فهناك الطائفية السياسية، بمعنى أن تصبح الطائفية جزءاً من التركيب المؤسساتي للحكم السياسي في العراق. كما هو الحال مع يوسف ومها، فهناك أكثر من فريق ورأي. وهناك من يظن أن الطائفية بدأت في سقيفة بني ساعدة، ويعود إلى الوراء 1400 سنة، وهذا خطأ برأيي. وهناك من يقول بأن الطائفية بدأت في 2003 بعد الغزو الأمريكي.

الموضوع معقد وله علاقة بما يحدث بالمنطقة وبالعالم، ونعود أيضاً إلى موضوع الحنين النقدي والحنين غير النقدي. يجب أن نأخذ بالاعتبار بأنه في كل مكان بالعالم، هناك ناس من فئات مختلفة وهناك توتر بين المجموعات المختلفة. وجود التوتر هذا لا يعني الطائفية بالضرورة. هناك توتر لكن هناك تعايش أيضاً وتاريخ طويل منه. فالسؤال هو: لماذا وصلنا إلى مرحلة يُقتل الإنسان بسبب الانتماء المكتوب على الهوية؟ حدث هذا في لبنان والعراق، وحدث في أماكن أخرى.

عند الحديث عن الصراع الطائفي في العراق، يتوارد لخواطر الناس من مختلف الدول العربية الصراع السني- الشيعي، هل تجد مشكلة في تسليط الضوء الكافي على مشاكل المسيحيين في العراق، هل هذا كان أحد دوافعك لكتابة الرواية أم أنه كان انبثاقاً ضرورياً أخرج لنا هذه الحكاية؟

عندما كتبت رواية "إعجام" وهي الرواية الأولى، كانت الشخصية فيها مسيحية. ولكن حتى لو غيرنا كل الأسماء، فديناميكيات أن يعيش المرء تحت نظام ديكتاتوري قد لا تتغير كثيراً. أحزنني أن بعض النقاد العراقيين عندما كتبوا عنها قالوا "الكاتب المسيحي سنان أنطون". ربما كانت تلك بدايات ترويج المفردات الطائفية حتى في النقد الأدبي.

وبصراحة لم يعجبني هذا، لأنني لا أكتب ككاتب مسيحي أولاً. لماذا نختزل الإنسان إلى دينه؟ ولم أرد أن أُختزل ككاتب مسيحي. لذلك الرواية الثانية "وحدها شجرة الرمان" لا علاقة لها بأي شيء مسيحي، لأنني أعتبر نفسي عراقياً أولاً، ولا أريد أن أختزل نفسي وأُحْبس في هذه الخانة الصغيرة.

سنان أنطون: "أُسأل دائماً عن موضوع استخدام المحكية في الحوارات...الأدب، بالنسبة لي، هو عن الحياة كما هي. وعدم استخدام المحكية في الحوار يُلغي الكثير من الخصوصيات التي يمتلكها الأشخاص"

في الرواية الثالثة "يا مريم" كنت أكتب حكاية عن علاقة الإنسان بالبيت، لكن أثناء كتابة الرواية بدأ العنف يتصاعد في العراق، العنف ضد الجميع، ضد المسيحيين وغيرهم. وعندما وقع الهجوم على كنيسة سيدة النجاة، قرأت الكثير من ردود أفعال العراقيين، المسيحيين وغيرهم، واستمعت إلى ما قاله بعض أفراد عائلتي الكبيرة الذين هاجروا.

واكتشفت أن هناك فقدان ذاكرة شديداً، وهو يحدث دائماً، وهناك ذاكرة انتقائية. وعندما سمعت ردود أفعال العراقيين، أدركت أنه يجب أن أكتب عن هذا الموضوع، ويجب أن تدخل أفكار الجيل الجديد وأفكار أناس مثل مها. كما هزّني هذا الحدث، لأنها كانت أول مرة يُشن فيها هجوم على ناس يصلون في كنيسة. وقد زرت هذه الكنيسة عندما كنت صغيراً في بعض المناسبات الدينية وحفلات عقد القران، وأدركت أن هناك ذكريات، مثل ذكريات يوسف، ستمحى، وهذا دفعني لكتابة الرواية بهذا الشكل.

"إحنا ما درنا بالنا عالعراق... كلنا". لوعدنا للجملة السابقة عندما قال الجار: "ما درنا بالنا عليكم، وإنتو المفروض أمانة في رقبتنا". هل تعبر هذه الجملة عن تمييز ضمني رغم ما يظهره الموقف من تضامن؟

بالضبط، هذه الإشكالية الكبرى، قد تكون هناك نوايا حسنة في تعامل الأغلبية مع الأقلية، وأنا لا أحب تعبير الأغلبية والأقلية، لأنه يوقعنا في هذا المطب الأزلي. لكن بالفعل التصرف هنا وكأن المواطنين من الأقلية الفلانية في عهدة الأغلبية، أو هم أمانة في رقبة الآخر. الفكرة هي أن يكون الجميع مواطنين متساويين، وهذه الجملة وضعتها لأنها تقال وقيلت.

كيف تجد ردود أفعال القراء الأمريكيين، وخاصة لـرواية "يا مريم"؟ هل ترى أن النص يلمسهم رغم احتمالية وجود نفسية مسبقة حول القضية العراقية؟

بصراحة، استقبال الأدب المترجم من العربية أو الفارسية أو من هذه اللغات، فيه إشكالية كبيرة في الولايات المتحدة في الحيز العام. طبعاً هناك القراء الذين يحبون الأدب الأجنبي ومتابعته، ولكن دائماً هناك نوع من الفلترة الاستشراقية والنظرة التسطيحية إلى الآخر.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر وإشكاليات الإرهاب، وبعد ما يُسمى "رُهاب الإسلام"، هناك بعض القراء الذين يتلقفون ويتلهفون لروايات عن الأقليات في المنطقة العربية للأسباب الخطأ. هناك من يريد أن يقرأ الرواية فقط لترسخ في رأسه أفكاراً مسبقة عن كون هذا الشرق شرقاً طارد للأقليات، وأن الإسلام يُعادي كل الأقليات وما إلى ذلك.

ترشحت رواية "يا مريم" لسنان أنطون لجائزة البوكر، كما وصلت روايته  "فهرس" للقائمة الطويلة لجائزة أفضل رواية مترجمة في أمريكا

رواية "يا مريم" لم تُنشر في واحدة من دور النشر الكبرى، لأنها، أي الرواية، تُعقّد الأمور قليلاً ولا تسطّحها. لكن الكثير من القراء رحبوا بالرواية. تصلني إلى الآن رسائل بين حين وآخر، والرواية أيضاً تُدرس في كثير من السمنارات، عن موضوع التاريخ الجمعي والماضي والذاكرة والحنين، وهي أيضاً تُرجمت للفرنسية والإسبانية والفارسية وللغات أخرى، ولكن لأسباب معقدة لا يتسع لها المجال هنا، رد الفعل في فرنسا مع كل الإشكاليات الموجودة في فرنسا، أفضل من رد الفعل في الولايات المتحدة.

كل كاتب بالطبع متلهف بأن يصل إلى كل قارئ بالعالم، ويفرح عندما يُقرأ من قبل الأجانب والآخرين، لكن في السنين الأخيرة اكتشفت أن ردود فعل القراء العراقيين والعرب تعني لي الكثير، أكثر من بقية القراء، وقد كتبت مقالة عن هذا الموضوع بعنوان "اللغة هي البيت"، اعتبر قرائي العراقيين والعرب هم جمهوري الذي يجلس في المقدمة وفي الصفوف الأولى.

طبعاً هم يقرأون هذه الأعمال لأنها أعمال أدبية، ويبحثون عما تقدمه لهم الأعمال الأدبية عادة. لكن هذه الأحداث الجسام التي تتناولها رواياتي، يعيشونها هم أو يعيشون ما يماثلها، يصبح النص الأدبي مكاناً ساحراً ينقل القارئ إلى وطنه في الماضي، وأنا أعتبر النصوص الأدبية مثل البيوت، يلتقي فيها ناس قد لا يلتقون خارجها، فعندما أفكر لا أفكر في القارئ الغربي، لو كنت أفكر بالقارئ الغربي كثيراً لكتبت الرواية بالإنجليزية مباشرة، لكن الكتابة هي محاورة مع القارئ الأقرب لقلبي.

ترشحت رواية "يا مريم" لجائزة البوكر، كما وصلت "فهرس" للقائمة الطويلة لجائزة أفضل رواية مترجمة في أمريكا، كما نالت ترجماتك جوائز أدبية عدة، ماذا تُمثل لك الجوائز الأدبية؟

بدون شك الجوائز الأدبية تعطي الكتاب اهتماماً أكبر من قبل القراء، وتوصله إلى مساحة جديدة، لكن كل جائزة في نهاية الأمر تُعطى من قبل مؤسسة في بلد ما. وتحكم هذه المؤسسة -حتى في الغرب- اعتبارات سياسية واقتصادية. طبعاً هذا لا يعني أنه ليست هناك كتب ممتازة تفوز بالجوائز، لكن هناك دائماً موجات سياسية واجتماعية تؤثر على اختيار الجوائز.

الأهم برأيي هو الغربلة التي يقوم بها الزمن في المستقبل. يعني بعد عشرين سنة هل ستُقرأ الرواية التي فازت بالجائزة الفلانية؟ أم هل ستُقرأ الرواية التي أحبها القراء واستمرت بإعطائهم شيئاً ما، حتى بعد أن تغيرت الظروف والعوامل؟ ولنتحدث بصراحة، هناك أيضاً إشكاليات في آليات اختيار الجوائز وعمل اللجان، وهذا الأمر أصبح معروفاً جداً. وخلاصة القول هو إن الجائزة ليست بالضرورة المقياس الوحيد أو الأمثل للجودة الأدبية.

في عالم مواز، لو أضيفت سنوات المهجر لتلك السنوات التي قضيتها بالعراق – موطنك- هل تظن أنك كنت ستكتب عنها وحولها بنفس هذا القدر والاستمرارية؟

لا أعرف، المفارقة هي أن الابتعاد عن المكان الأول أو الوطن يُفقد الإنسان أموراً كثيرة، لكن يُعطيه أيضاً نوعاً مما يُسمى بالبعد النقدي، كما يقال بالإنجليزية. يمكنك أن ترى الغابة بأكملها إذ ابتعدت عنها، بداخلها لن ترى إلا الأشجار.

كما أنه بوجود التكنولوجيا أستطيع أن أعيش بنيويورك وأشاهد ما يحدث في العراق والمنطقة، وأتحدث مع أناس بشكل غير مسبوق. وأنا محظوظ لأنني لم أترك العراق بعمر صغير جداً، فثلاثة وعشرين سنة، هذه السنين الأولى دائماً هي السنين الأهم، سنين التشكل الفكري والروحي، التي تعطي مخزوناً هائلاً.  لا أعرف إن كان هذا الجواب وافياً أم لا، أم أن الجواب هو هروب من السؤال.

بروايتك الأخيرة "فهرس"، هل ترى أن أزمة نمير أزمة زمن؟ وأنه لو كان وُلد في عصر لاحق لما عاش تحت وطأة هذا الضغط؟ أم أن حبيبته مرايا كانت رمزاً على أن الماضي سيظل شوكة في ظهر الأجيال؟

هناك قراءات متعددة، وأنا شخصياً عندما أقرأ رواية دائماً أبحث عن الرموز. لكن الشخصيات ليست دائماً رموزاً فقط. مرايا هي امرأة سوداء، ونحن نعرف ما يحدث الآن في الولايات المتحدة، فكل المجتمعات لديها تركة ثقيلة من الماضي، قد تتعامل معها أو وقد تخفق في التعامل معها.

أزمة نمير هي أنه وُلد في بلد خرج من تجربة استعمار واحتلال، ومثل الكثير من دول جنوب العالم، أقصد أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، معظم هذه الدول التي كانت مستعمَرة، لا ينهي التحرر من الاستعمار كل المشاكل. بالعكس تظهر مشاكل جديدة، مشاكل بنيوية عويصة.

فعندما يعيش المرء تحت نظام ديكتاتوري ويضطر للهجرة إلى بلد آخر، بلد احتلّ البلد الذي هو منه، وبلد تعامله مع الحروب تعامل مجاني، فربما التقارب بين مرايا ونمير هو أن مرايا أيضاً من أقلية مظلومة، تعيش في بلد بُني على استعباد أجدادها، وبلد ثقافته الرسمية تُهمش ثقافتها. مرايا هي مثل كل الشباب والشابات الذين يتظاهرون اليوم في شوارع الولايات المتحدة والذين نفد صبرهم.

الصور تُلهم سنان أنطون للكتابة؟ في رواية "يا مريم" كان هناك فصل كامل بهذا العنوان يتحدث عن صور العائلة، وفي رواية "فهرس" كان هناك وصف بديع لكل صورة وتعليق يصف لحظة التقاطها، لم أجد هذه الطريقة في الكتابة من قبل.

هذا يسعدني، كان عندي منذ زمن شغف بالصور، وطبعاً بعد الحروب والهجرة، ليس فقط في العراق وفلسطين وسوريا وفي أماكن أخرى، للأسف المناظر التي تتكرر أمامنا كثيرة، عندما يُهدم بيت بأكمله أو عندما يتم تشريد عشرات الآلاف، وكل ما يأخذوه معهم هو مجرد حقيبة، فتصبح الصور أيقونات.

بعد الانتهاء من كتابة "فهرس" كتبت لي واحدة من القارئات العراقيات، قائلة إنها كانت في الموصل وأُخرجت هي وعائلتها من قبل داعش، وقالت إنها لا تملك صورة واحدة، ولا حتى على موبايلها المحمول، فهل لك أن تتخيلي؟ عند التفكير باندثار الماضي والوثائق، نجد كيف تصبح الصور مهمة جداً.

ترجمت بنفسك روايتك "وحدها شجرة الرمان". كيف كانت هذه التجربة؟ وهل ترى أن النص انتقل كاملاً رغم عائق اللغة أم أنك خلقته من جديد؟

الترجمة هي أيضاً فن. ومع رواية "وحدها شجرة الرمان" ومثل كل كاتب، عشت مع الشخصيات وعشت في أجواء الرواية، واشتقت إلى الشخصيات بعد أن انتهيت من كتابة الرواية. وأحببت أن أعود إليها، أيضًا لأنها تتحدث عن مناخ خاص جداً، وهناك إشارات للثقافة الشعبية العراقية، فبصراحة خفت لو ترجمها شخص آخر ستكون هناك إشكاليات كبيرة، وسيخفق في الترجمة.

ولا أستطيع أن أمتدح نفسي ولكن يبدو أن الرواية بالإنجليزية نجحت، واستطعت أن أنقل الشحنة الشعرية والجمالية الموجودة في الرواية للغة الإنجليزية.

سنان أنطون: "الشعر بالنسبة لي هو البئر الأولى، هو أقدم الفنون والأجناس، الشعر ملجأ روحي وجمالي يوميّ، وأيضاً هو واحد من الروافد التي ترفد كتابتي الروائية، ومن مباهج الحياة هي قراءة وترجمة الشعر، أنا أعتبر الشعر خبزي اليومي"

ماذا يُمثل الشعر لسنان أنطون؟

الشعر بالنسبة لي هو البئر الأولى، هو أقدم الفنون والأجناس، الشعر ملجأ روحي وجمالي يومي، وأيضاً هو واحد من الروافد التي ترفد كتابتي الروائية، ومن مباهج الحياة هي قراءة وترجمة الشعر، أنا أعتبره الخبز اليومي من الناحية الجمالية والروحية.

هل لديك عتاب أو لوم على الحركة الأدبية المعاصرة بالعراق؟

لا. حدثت كوارث بالعراق من جراء الديكتاتورية والحروب والحصار دمرت نسيج المجتمع العراقي، ودمرت الكثير من المؤسسات، لذلك عندما نحكم على الحركة الأدبية والثقافية في العراق، يجب أن نأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار. لكن أنا أيضاً أعتبر نفسي وريث الحركة الأدبية في العراق التي غيرت تاريخ الأدب العربي، سواء من حيث الشعر والثورة الشعرية أو من نواح أخرى.

من السهل على الشخص الذي يعيش في الخارج بالمهجر، ولا يتعرض لكل الضغوط الخانقة التي يتعرض لها زملاؤنا وزميلاتنا الذين يعيشون في أنظمة ديكتاتورية قمعية، من الأسهل له أن ينتقد. لكن النقد الذي يراودني دائماً وأعبر عنه هو الذي تعلمته بالعراق عندما كنت بالثانوية والجامعة، وهذا ما صورته في رواية "إعجام"، قبل أن أقرأ غرامشي وقبل أن أقرأ إدوارد سعيد والآخرين، فهمت معنى العلاقة بين الثقافة والسلطة، وموقف المثقف بالنسبة للمؤسسات والأحزاب والحكومات.

فهو ليس عتب أو لوم ولكن هو توقع مواقف نقدية أكبر في مواجهة السلطات والأحزاب، خصوصاً أننا مررنا بتجربة كارثية مع حزب البعث، لكن للأسف البشر دائماً يعيدون ارتكاب ذات الأخطاء. والتقدم أسطورة، فالأمور لا تسير نحو الأحسن بالضرورة. لكن كما تقول الحكمة المنسوبة لغرامشي "تشاؤم الفكر، وتفاؤل الإرادة". فيجب أن يكون لدينا تشاؤم لأن الوضع كما هو في العالم ليس مثالياً ولابد أن يتغير، ومن ناحية أخرى يجب أن يكون هناك تفاؤل الإرادة بالتغيير. 

حول شغفك بكرة القدم، من لاعبك المعاصر المفضل؟ نتمنى أن يكون محمد صلاح.

طبعاً كلنا نحب محمد صلاح، وأنا مشجع ليفربول منذ الطفولةـ فسعيد الآن بصعود ليفربول للقمة منذ سنين عجاف طويلة، لكن أنا بصراحة متحيز لريال مدريد، هذا سيخيب ظن البرشلونيين.

على أي منصة يمكننا مشاهدة الفيلم الوثائقي "حول بغداد"؟

بعد أشهر سيُرفع الفيلم على موقع ثم نعلن عن ذلك ليتاح للجميع.

هل من المحتمل أن تكتب مذكرات أو سيرة ذاتية؟

أكيد، لكن هناك خمس أو ست روايات في رأسي لابد من كتابتها، وأيضاً كتابة السيرة معناها أن الواحد عجّز – كما تقولون- وأنا أريد أن أظل شاباً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard