"شهيد الكلمة الحرة"... العراق ينتحب في وداع هشام الهاشمي

الثلاثاء 7 يوليو 202012:07 م

رمز وطني وقلم حر آخر يسقط في العراق ضحية لجرائم الاغتيالات الخسيسة. الباحث العراقي الخبير في شؤون الجماعات الجهادية هشام الهاشمي قضى برصاص العصابات المسلحة أمام منزله في العاصمة بغداد.

أفادت وزارة الداخلية العراقية بأن الهاشمي (47 عاماً) "توفي في المستشفى" مساء 6 تموز/ يوليو. وأوضح مصدر أمني أن ثلاثة مسلحين يستقلون دراجتين ناريتين نفذوا الجريمة. وقالت مصادر طبية إن الهاشمي أصيب بطلقات عدة في أنحاء جسده. 

وأظهر مقطع فيديو متداول الهاشمي وهو يركن سيارته قرب منزله في منطقة زيونة شرق بغداد، فيما يلحقه أحد المسلحين ملثماً ويسدد بضع رصاصات متلاحقة إليه قبل أن يلوذ بالفرار.

وعمّت مواقع التواصل الاجتماعي في العراق والعالم العربي حالة من الصدمة الممزوجة بالغضب إزاء اغتيال "شهيد الكلمة الحرة". وعدّد الكثير من المقربين إلى الراحل مآثره في المجالين الوطني والإنساني.

لا لعودة الاغتيالات

وقال برهم صالح، رئيس الجمهورية العراقي: "اغتيال الباحث الصادق الخلوق الوطني هشام الهاشمي على يد خارجين على القانون، جريمة خسيسة تستهدف الإنسان العراقي وحقه في الحياة الحرة الكريمة، وتستهدف القيم التي ارتضيناها للوطن فيما بعد حقبة الاستبداد"، معتبراً أن "أقل الواجب الكشف عن المجرمين وإحالتهم الى العدالة لضمان الأمن والسلام لبلدنا".

"من صنّاع الرأي على الساحة الوطنية"... اغتيال الباحث العراقي والخبير في شؤون الجماعات الجهادية هشام الهاشمي. الحكومة العراقية تتعهد كشف الجناة ومحاسبتهم وعدم السماح بعودة "اغتيالات الرموز الوطنية"، وعراقيون متخوفون من تسجيل القضية "ضد مجهول كالعادة"

في الأثناء، توعد مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي، "القتلة بملاحقتهم لينالوا جزاءهم العادل". وزاد: "لن نسمح بأن تعود عمليات الاغتيالات ثانية إلى المشهد العراقي لتعكير صفو الأمن والاستقرار، ولن تدّخر الأجهزة الأمنية جهداً في ملاحقة المجرمين". 

وكان العراق ساحةً لعمليات اغتيال الرموز السياسية والوطنية خلال سنوات الحرب الأهلية بين عامي 2006 و2009. وأصبحت هذه الحوادث نادرة، لكنها عادت مترجمةً باستهداف ناشطي/ات الانتفاضة الشعبية التي اندلعت مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ويعد الهاشمي، الذي كثر ظهوره في القنوات والصحف الأجنبية والمحلية خلال سنوات الحرب ضد داعش وما بعدها، أحد أبرز الأسماء التي اغتيلت في البلاد أخيراً، بالإضافة إلى الناشط صفاء السراي. ولم تعلن السلطات الأمنية العراقية في أي مرة عن قدرتها على الوصول أو الكشف عن الجناة في هذه الجرائم.

وبينما شدد الكاظمي على أن الفقيد الهاشمي كان "من صنّاع الرأي على الساحة الوطنية، وصوتاً مسانداً لقواتنا البطلة في حربها على عصابات داعش، وساهم كثيراً في إغناء الحوارات السياسية والأمنية المهمة"، وعد ببذل جميع الجهود لـ"حصر السلاح بيد الدولة، ولئلا تعلو قوة فوق سلطة القانون".

من جهته، دعا رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، الجهات الحكومية المسؤولة إلى "الكشف عن التحقيقات للرأي العام، وبيان الجهات المتورطة في هذا العمل الجبان بشكل عاجل، ولا سيما بعد تكرار حالات الخطف والاغتيال لعدد من الشخصيات والأصوات الوطنية".

وحث "الأجهزة الأمنية على أن تكون على قدر المسؤولية المنوطة بها، وأن تضع حداً للخارجين عن القانون والعابثين بأمن المواطنين".

همام حمودي، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، ندد بـ"استهداف صناع الرأي وحملة الأقلام"، محملاً السلطات الأمنية مسؤولية التحقيق في الحادث واعتقال المتهمين مع إعادة النظر في خططها الاستخبارية.

وحذّر كذلك من "استغلال الدماء لأجل خلط الأوراق، وتضليل العدالة، وتحقيق غايات سياسية تخدم أعداء العراق، والأجندات الحاقدة"، مطالباً الحكومة بأن تجعل ضبط الأمن والاستقرار أولوية لها.

وفي تحرك أول، قرر مجلس القضاء الأعلى، أرفع هيئة قضائية في العراق، تشكيل هيئة تحقيقية -من ثلاثة قضاة وعضو ادعاء عام- تختص بجرائم الاغتيالات في العاصمة وبقية المحافظات بالتنسيق مع وزارة الداخلية.

في أيلول/ سبتمبر الماضي، تلقى الهاشمي تهديدات عبر الإنترنت من جماعات موالية لإيران واستمر التحريض ضده حتى اغتياله بزعم أنه "خائن ومؤيد لإسرائيل وأمريكا". لكن السفارة الإيرانية في بغداد نددت باغتياله واعتبرت أن هدفه "إثارة الفتنة والتفرقة" برغم "الاحتفاء به" عبر وسم #سلمت_يد_الكتايب

إيران "تندد"

وبرغم أن إيران ووكلاءها في العراق المتهم الأول في الجريمة، دانت سفارة إيران في بغداد، في 7 تموز/ يوليو، اغتيال الهاشمي، في بيان مقتضب، مما جاء فيه: "تلقينا ببالغ الأسى والأسف نبأ اغتيال الباحث والخبير في القضايا الإستراتيجية هشام الهاشمي. السفارة الإيرانية تدين بشدة هذا العمل الإجرامي الذي كشف عن وجهه الخبيث باغتيال النخب".

واعتبرت أن "عملية الاغتيال تهدف إلى إثارة الفتنة والتفرقة"، وأن "هدف حماة ومنفذي عمليات كهذه هو ضرب أمن العراق وإثارة الفتنة والتفرقة بين أبنائه وإعادة العنف إليه". وختمت: "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدعم على الدوام استقرار العراق وتدين بشدة مثل هذه الأعمال".

لكن العديد من الناشطين العراقيين عبروا عن اعتقادهم بأن إيران ووكلاءها في العراق خلف جريمة اغتيال الهاشمي الذي انحاز منذ اللحظة الأولى إلى الحراك الشعبي الأخير المنادي بـ"سيادة العراق واستقلال قراره السياسي" لا سيما عن إيران.

ودعم ذلك تدشين عدد من أنصار الحشد الشعبي الممول إيرانياً لوسم #سلمت_يد_الكتائب الذي أشادوا فيه باغتيال الهاشمي، مطالبين بعدم إلصاق "العملية" بداعش.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، تلقى الهاشمي و13 شخصية عراقية أخرى تهديدات بالقتل عبر الإنترنت من جماعات موالية لإيران. واتهم هؤلاء جميعاً بأنهم "عملاء" و"خونة الوطن" و"مؤيّدون لإسرائيل والأمريكيين". واستمر التحريض ضد الهاشمي إعلامياً وعبر الإنترنت بل شهد تصعيداً في الآونة الأخيرة. 

شُيّع الهاشمي ملتحفاً بعلم العراق الذي عاش وقتل حباً له، يلحقه نحيب تلاميذه ومحبيه، وبقي السؤال: هل يحرك اغتياله السلطات العراقية لمحاسبة فعلية للجناة أم يصبح مجرد ضحية لمواقفه الوطنية يلحق به آخرون؟
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard