قطاع النشر في لبنان... كيف أصبحت الكتب رهن "الورقة الخضراء"؟

الأحد 24 يناير 202112:05 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

"إقرئي كي تَحْيَي". (غوستاف فلوبير في رسالة إلى الآنسة شانتيبي، حزيران 1857).

لعلّ الروائي الفرنسي فلوبير اختصر حياةً واحدةً بآلاف الحيوات الصامتة، وكأن القراءة تعيدنا أطفالاً نريد اكتشاف العالم بعينين واسعتين. وبدوره اعتبر الكاتب والروائي الفرنسي الفونس كار، بأن القراءة هي "رحلة للعقل وغياب لطيف عن الحياة وعن الذات"، وأضاف في كتاب Le règne des champignons : "الآن هو الوقت المناسب للابتعاد، العيش مع الموتى العظماء وإعادة قراءة القدامى".

يمكن القول إنه من خلال القراءة نغيب عن أنفسنا وعن حياتنا الشخصية، وكأن هذه اللحظة تصبح مؤاتية للتغيّب، العيش مع الموتى العظماء وإعادة قراءة القدامى، ولكن نحن في بيروت بتنا نعيش مع أمواتٍ أحياء، يلتصقون بالعروش التي التهمها البقّ والعفن. نعاصر عهد الديكتاتوريين، نهرب من قمعهم لأفكارنا وحاجاتنا ومصادرتهم لكل أنواع الفرح، نهرب تاركين خطوطاً من ألوانٍ كانت آثار كتاب ما بين أيدينا، حجبناه عن صراع الكماليات والأساسيات، عن أعين أهالينا المتعبة وأفواه أخوتنا الجائعة.

انخفاض القدرة الشرائية

على الرغم من أن الكتاب هو تذكرة السفر الوحيدة منخفضة الثمن، وأسرع وسيلة تنقلنا من زاويتنا المعتمة الى آلاف المدن الساحرة، إلى أي مكان نشاء، إلى عالم الجنيات والأحلام، إلا أنه في لبنان، حُرمنا هذه المتعة البسيطة قسراً، كما حرمنا رفاهية السفر في الأشهر الماضية، بحيث حاصرنا الحكّام في حفرة معتمة، سلبوا حقوقنا في وضح النهار وأمام الرأي العام الدولي.

من خلال القراءة نغيب عن أنفسنا وعن حياتنا الشخصية، وكأن هذه اللحظة تصبح مؤاتية للتغيّب، العيش مع الموتى العظماء وإعادة قراءة القدامى، ولكن نحن في بيروت بتنا نعيش مع أمواتٍ أحياء، يلتصقون بالعروش التي التهمها البقّ والعفن

من الملاحظ أن هناك انخفاضاً كبيراً للقدرة الشرائية لدى المواطنين اللبنانيين، فلبنان دخل في العام 2021 وهو يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية: "الورقة الخضراء" في تصاعد مستمر، في حين يبقى الحدّ الأدنى للأجور 675 ألف ليرة لبنانية، أي ما يساوي 84$، يستطيع فيها المواطن تأمين سكن شهري، وهكذا يصبح التنافس بين انهيار السقف فوق رأسه أو انهيار أعصابه.

في ظل هذه الأزمة، أضحى الخَيار بين لقمة الخبز وكتاب مستعمل، بين كيلوغرام واحد من اللحم، يصل ثمنه الى خمسين ألف ليرة، وبين كتاب "البؤساء"، أو كتاب يتناول الاقتصاد والفجوة التي أصبح المواطن اللبناني غذاءها الأساسي وبطلها الرئيسي. اليوم، باتت الأساسيات محصورة بالغذاء، الدواء ومشتقات النفط، ولكن ماذا عن الكتب؟ كيف أضحت كماليات؟ من يشبع الروح ومن يداويها؟ هل يُحكم بالجهل والعفن والسواد على كل مجتمع عربي؟

الانهيار بات قريباً

دخل لبنان عام 2021 وهو يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية: "الورقة الخضراء" في تصاعد مستمر، في حين يبقى الحدّ الأدنى للأجور 675 ألف ليرة لبنانية، أي ما يساوي 84$

في حديثنا مع صاحب دار الروافذ الثقافية ودار ابن النديم، حول واقع دور النشر ومصير الكتب وعلاقتها مع السلطة اللبنانية، كشف خالد دعيبس لرصيف22 بأن السلطات، ومنذ زمن طويل، لم تعر اهتماماً لقطاع النشر، علماً بأن لبنان يضم 650 دار نشر مسجلة، وهو عدد كبير بالنسبة لحجمه.

وأوضح دعيبس أن دور النشر كغيرها من القطاعات، متضررة من الأزمة الاقتصادية: "ندفع للمطابع، نشتري الأوراق وندفع الحقوق لدور النشر الأجنبية بالدولار".

أما بالنسبة لمصير الكتاب، قد كشف خالد أنه "مركون في المستودعات، لأن حركة البيع في لبنان باتت معدومة"، مشيراً إلى أن مستقبل الناشرين في انهيار، مع العلم بأن لبنان كان مقرّاً لأكبر دور النشر العربية.

وبدورها أكدت ناريمان علوش، وهي صاحبة دار ناريمان للنشر، لرصيف22، أن هذا القطاع يواجه الكثير من الصعوبات في ظل ارتفاع سعر الدولار: "الورق والمحابر كلها أمور مستوردة، ما جعل العديد من دور النشر تتجه نحو النشر الإلكتروني"، منوهة بأن العديد من القراء تحولوا بدورهم نحو الكتب الإلكترونية.

وبالتالي يمكن القول إن أصحاب هذا القطاع يتكبّدون خسائر مادية فادحة، لأن اعتمادهم الرئيسي على الكتب الورقية، بالإضافة الى مشاكل القرصنة والسرقات التي يتعرض لها الكتاب الإلكتروني. وعند سؤالنا عن دور السلطة اللبنانية وموقعها مما يحدث، قالت ناريمان بصريح العبارة: "لا أعتقد أن الدولة قادرة على القيام بدورها تجاه نفسها حتى تقوم بواجباتها تجاه القطاعات الخاصة". هذا واستدركت بالقول إن الحجر المنزلي كان كفيلاً بزيادة معدلات القراءة، وهذه إشارة إيجابية في ظل الأوضاع الراهنة.

ماذا عن المكتبات العامة؟

كشف علي صباغ، المدير التنفيذي لجمعية السبيل، التي تدير المكتبات الثلاث التابعة لبلدية بيروت، والتي تضررت بفعل الانفجار كونها تقع في أماكن قريبة منه، الباشورة، الجعيتاوي ومونو، بأن المكتبات مفتوحة أمام الجميع دون تمييز أو استثناء، مشيراً إلى أن هدفها تمكين الأفراد من الوصول الى مصادر المعلومات. وبحسب صباغ، فإن التحديات كثيرة على كافة الأصعدة، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، وتؤثر بشكل خاص على المكتبات، معتبراً أن عدم تسليط الضوء على دور المكتبات ونشاطاتها، يلعب دوراً كبيراً في حجب هذه الأخيرة عن أعين فئة كبيرة من المجتمع.

أما بالنسبة لعلاقة المكتبة بالسلطة، فقد وصفها عليّ بأنها "علاقة مميزة، بخاصة وأن هناك تعاوناً مع وزارتي الثقافة والتربية ومع المؤسسات التربوية، أي أنها تمثل علاقة المجتمع المحلي بالدولة وتسمح لهذا المشروع بالاستمرارية". وأوضح صباغ أن المكتبات الثلاث تستقبل حوالي 30 ألف زائر سنوياً، وتعير حوالي 20 ألف كتاب مجاناً، وتنظم أكثر من 150 نشاطاً ثقافياً بحضور 5500 شخص: "وهي أعداد مشجعة، إلا أن الظروف التي يمرّ بها البلد، منذ أواخر 2019 وحتى اليوم، كانت استثنائية، ولم تساعد في المضي قدماً في استراتيجية العمل الجديدة التي أعدّتها الجمعية"، على حدّ قوله.

المكتبات المستقلة

كشفت لانا حلبي، أنه ليس بوسعها أن تشعر بأن مكتبتها الفريدة هي جزء من باقي المكتبات، معتبرة أن مكتبة "الحلبي" هي مكتبة مستقلة لا تمثلها أي نقابة، بعكس باقي المكتبات. أما بالنسبة للكتب، فقد أوضحت حلبي أن أسعارها تأثرت بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية: "العديد من دور النشر رفعت أسعارها بسبب ارتفاع صرف الدولار، بالإضافة الى انتشار فيروس كورونا الذي زاد التحديات".

أضحى الخَيار في لبنان بين لقمة الخبز وكتاب مستعمل، بين كيلوغرام واحد من اللحم، يصل ثمنه الى خمسين ألف ليرة، وبين كتاب "البؤساء"، أو كتاب يتناول الاقتصاد والفجوة التي أصبح المواطن اللبناني بطلها الأساسي

وكشفت لانا أنه في فترة الحجر المنزلي، ازدادت نسبة مبيعات الكتب: "كنّا نحضّر الكتب للقرّاء داخل مساحة المكتبة الصغيرة في الأوقات المسموحة، ونرسلها مع عمّال التوصيل، الا أن انفجار بيروت كان بمثابة صدمة كبيرة لنا وإحباط".

وأردفت بالقول: "رغم ذلك، فإن الاستسلام لم يكن خياراً، وبالرغم من أن القرّاء عادوا إلى زيارتنا، إلا أن عدم ثبات سعر الصرف كان ولا يزال مشكلة، لأن الأسعار باتت تتغير بشكل يومي، وبطبيعة الحال يختلف السعر بحسب دور النشر، فالبعض يراعي الأزمة ويرفع الأسعار تدريجياً، في حين أن البعض الآخر يرفع الأسعار بشكل جنوني".

وفي الختام، اعتبرت لانا حلبي أنه لا يمكن تحديد بدقة عدد القرّاء ومدى تراجع القراءة وازديادها، لأن الخضّات الأمنية والاقتصادية التي يشهدها لبنان متفرقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard