محاولة لإنقاذ القطاع الثقافي والفني في لبنان

الخميس 10 سبتمبر 202002:24 م

مرّ أكثر من شهر على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، وهي الكارثة التي محت معالم جزء كبير من العاصمة، وخنقت الحياة الثقافية فيها أيضاً.

عدد كبير من قاعات الفنون، المتاحف، المعارض والمؤسسات الفنية والثقافية تتواجد في منطقتي الجمّيزة ومارمخايل، حيث الضرر الأكبر من عصف الانفجار، وفي ظل غياب دور الدولة طيلة هذه المدة، تحركت بعض المؤسسات الثقافية الداعمة والمبادرات لجمع التبرعات والنهوض مجدداً بالنسيج الثقافي.

أعلنت مؤسستيّ المورد الثقافي وآفاق، عبر مبادرتهما المشتركة "صندوق التضامن لدعم المؤسسات الفنية والثقافية في لبنان" تقديم الدعم العاجل والاستثنائي للعاملات والعاملين في القطاع الفني والثقافي المتضررين جراء انفجار مرفأ بيروت

صندوق التضامن دعم طارئ للقطاع الثقافي

"صندوق التضامن لدعم المجتمع الثقافي والفني" هو إحدى المبادرات التي تأسست بالتعاون مع جمعية "آفاق" ومؤسسة "المورد الثقافي". انطلق المشروع في آذار/ مارس 2019 بعد ثورة 17 تشرين/ أكتوبر، وذلك عند استشعار صعوبة الوضع الاقتصادي الذي تواجهه المؤسسات الثقافية بعد القيود المصرفية والأوضاع الأمنية أيضاً. وبرغم الإعلان عن 23 مؤسسة فنية وثقافية استفادت من برنامج منحة صندوق التضامن منذ يونيو الماضي من العام الحالي إثر الاضطرابات التي شهدها لبنان خلال جائحة كورونا، ولكن ما حصل في 4 آب/ أغسطس استوجب دعماً طارئاً من الصندوق لهذه المؤسسات.

قالت ريما مسمار، المديرة التنفيذية لآفاق: "في العادة، تضع المؤسسات خطة طوارئ لمواجهة الكوارث الطبيعية والأوضاع الأمنية والاقتصادية، لكن الذي حصل في 4 آب من المستحيل أن يكون لدينا خطة لمواجهته"، مضيفة في حديثها لموقع رصيف22، أنه وبعد هذه الكارثة "أصبحت المسؤولية أكبر، وبدأنا بالدعم الطارئ للمؤسسات والأفراد من المجتمع الثقافي الفني المتضررين من الانفجار، وأطلقنا منصّة لجمع التبرعات ومعاينة الأضرار عبر لينك على الموقع الإلكتروني".

يعمل صندوق التضامن على دعم المجتمع الثقافي والفني المتضرر جراء الانفجار على مستويين:

أولاً، المستوى المؤسساتي، بحيث أظهر المسح الأولي لجمعية آفاق أن هناك 64 مؤسسة ثقافية، بما فيها معارض ومتاحف، متضررة من الانفجار. وعليه، تعمل المبادرة على تحديد الاحتياجات المادية الملحة لتغطية تكاليف إعادة ترميم أو بناء أو تأمين إيجار مباني المؤسسات المتضررة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل الأمكنة، وخاصة البنى التحتية، تصليح أو استبدال المعدات الإلكترونية الموجودة التي تضررت، ونقل مقتنيات المؤسسات من لوحات فنية، منحوتات أو تحف أثرية، الى أماكن آمنة.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت مسمار: "أظهر المسح الأولي الذي أُجري أن جزءاً من المؤسسات المتضررة من الانفجار كانت قد أخذت سابقاً منحة من صندوق التضامن قبل الانفجار، لذا حرصنا على تقديم منحة إضافية لترميم المباني وتصليح الأجهزة".

من خلال منحها المالية، تدعم مبادرة "صندوق التضامن" العاملات والعاملين في القطاع الثقافي والفني ممّن تضرروا مباشرة جراء الانفجار، سواء كان الضرر جسدياً أو نفسياً، أو ما لحق بمنازلهم ومشاغلهم من تدمير

ثانياً، يدعم صندوق التضامن الأفراد، وبحسب المسح الأولي هناك على الأقل 250 شخصاً من المجتمع الثقافي، نتحدث هنا عن رسامين، حرفيين، مصورين وتقنيين في الصوت والصورة، تضررت بيوتهم التي هي مكان عملهم أيضاً واستديوهاتهم، وتعمل المبادرة على دعمهم عبر إيجاد أماكن سكن مؤقتة لهم وتأمين المعدات الأساسية لعملهم التي خسروها جراء الانفجار.

ما لم تفعله النقابات ووزارة الثقافة

على غرار العديد من المبادرات في المجتمع المدني، تواجه مبادرة صندوق التضامن عدداً من الصعوبات، أولها غياب دور النقابات في تأمين معلومات أساسية، كتحديد عدد المؤسسات التي تتواجد في المناطق المتضررة، بحسب ما أكدته ريما المسمار: "في العادة تنطلق أي مبادرة من لوائح نقابية، ولكن نحن كمؤسسات داعمة ننطلق من نقطة الصفر، وعلينا بجهودنا فقط أن نجمّع هذه المعلومات".

وعن دور وزارة الثقافة، كشفت المسمار أنه لا يوجد حتى الآن أي مساهمة أو التفاتة منها: "يقتصر الدعم على مبادرات فردية، وعلى جهود وحملات بعض المؤسسات لجمع التبرعات". كما أشارت المسمار إلى أن هناك مبادرات تعمل على دعم كل قطاع فني لوحده (مسرح، موسيقى، تصوير ورسم) ويتم التنسيق مع هذه المبادرات لتأمين دعم عادل لأكبر شبكة ممكنة.

ريما مسمار، المديرة التنفيذية لآفاق: وسط غياب دور وزارة الثقافة، يحاول العمل الفردي، وحملات بعض المؤسسات تغطية الفجوات في دور الدولة

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت ريما: "العمل الفردي يغطي فجوات في دور الدولة وعلينا أن نسد هذا الفراغ. عموماً، يمكن القول إن القطاع الثقافي والفني هو قطاع هش تماماً في العالم العربي، حيث لا يأتي في سلم الأولويات في الدعم الحكومي وهو قائم على جهود فردية"، مشيرة إلى أن كل القطاعات تضررت في الوقت الحالي، ما يعني بأنه يجب أن نولي الأهمية لها جميعها وأن يكون الدعم متكاملاً.

وفي معرض الحديث عن الصعوبات التي يواجهها الصندوق، أوضحت المسمار أن هناك صعوبة في تغطية جميع الخسائر، وخاصة في حالات المعارض التي طالتها أضرار جسيمة في المقتنيات، مضيفة: "هناك مؤسسات ثقافية يجب تشغيلها بأسرع وقت لتفادي الخسائر، فهناك العديد من المشاريع الثقافية التي تأجلت كحال المنح المالية لهذه المشاريع".

وبالنسبة لتضامن وتفاعل المعنيين مع صندوق التضامن، قالت ريما المسمار: "من بداية شهر تشرين كان هناك تعاضد وبعد كارثة الانفجار كان التعاضد موجوداً بشكل أكبر، والدعوة هي للنهوض بشكل متكامل بالنسيج الثقافي القائم، فإذا تمكنت مؤسسة ثقافية واحدة من أن ترمم بدون وجود نسيج ثقافي متكامل، فلن يتاح لها فرصة التأثير والنهوض بالقطاع الثقافي".

وأضافت ريما: "نحن نتمسك بنظرة شاملة للقطاع بوصفه حياة ثقافية وانطلاقاً من إيماننا بضرورة استمرار القطاع الثقافي كفعل مقاوم".

أما عن الحياة الثقافية في لبنان ومستقبلها بعد الانفجار، قالت المسمار إنه لا بد من فهم التحديات على الأرض وتنظيمها على المستوى القريب، المتوسط والبعيد، وإعادة تصور للحياة الثقافية في بيروت. وأضافت: "هذه اللحظة فيها نكبة كبيرة تكبر الهوة والهشاشة في الحياة الثقافية. هناك شيء أكبر من الخسائر المادية، هناك الخيال والتصور والرغبة بخلق أشياء إبداعية، لذلك هناك مرحلة طويلة للنهوض بهذا القطاع".

الدعم المادي وحده غير كاف

بدورها، تضررت المؤسسة العربية للصورة، وهي إحدى المؤسسات الثقافية المتخصصة في أرشفة الصور ودراستها، من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس. واللافت أن هذه المؤسسة تحتفظ بحوالي نصف مليون صورة، وهي تعتبر مقتنيات ثمينة تحفظ في مخازن بظروف استثنائية من درجة الحرارة لخلوها من الرطوبة. في هذا الصدد، قال فارتان أفاكيان، عضو الهيئة الإدارية في المؤسسة، إن غرف التخزين، المعدات الكهربائية، المكاتب وأجهزة الكمبيوتر والطباعة قد دمرت بالكامل"، مشيراً إلى أن المسح الأولي الذي أُجري على الصور المخزنة لم يظهر أي أضرار فيها.

لحقت أضرار انفجار مرفأ بيروت بالمؤسسة العربية للصورة، وهي إحدى المؤسسات الثقافية المتخصصة في أرشفة الصور ودراستها، لكن تم إنقاذ مقتنياتها الثمينة البالغة نصف مليون صورة

أوضح فارتان لرصيف 22 أن المؤسسة تجمع حالياً تبرعات لترميم وشراء الأجهزة عبر لينك على الموقع الإلكتروني، كاشفاً أنهم تمكنوا حتى الآن من جمع 10 آلاف يورو، كما تواصلوا مع مبادرات المجتمع المدني والمؤسسات المحلية الداعمة للقطاع الثقافي. وأضاف: "تأمين التبرعات والدعم المادي لا يضمنان الاستمرار، نحاول جاهداً ألا نخسر الخبرات، لكن هناك من يرى مستقبله خارج لبنان. صحيح أننا مررنا بأزمات كثيرة ولكن التحدي الذي نمر به الآن هو الأصعب".

واعتبر فارتان أن الواقع الحالي سيؤجل بعض النشاطات والمشاريع المخطط لها في المؤسسة العربية للصورة حوالي ثلاثة إلى أربعة أشهر.  

جهد عام ذهب هباء في العصف

تمتلك الفنانة البصرية ندى صحناوي مشغلاً في منطقة مارمخايل، تحديداً في شارع مدريد، وهو من أكثر الشوارع تضرراً في بيروت جرّاء الانفجار.

تدمر المشغل بالكامل من تجهيزات ومعدات للرسم، أما بالنسبة للمقتنيات الفنية، فكشفت صحناوي أن 60% من اللوحات لم تتضرر، 20% بحاجة لترميم و20% المتبقية ذهبت للتلف.



وكانت ندى قد اشترت هذا المشغل في مارمخايل منذ حوالي 5 سنوات، بهدف إطلاق مشاريع فنية فيه ذهبت كلها اليوم للتلف: "كنت أعمل على مشروع معرض له علاقة بخارطة لبنان، وعلى كتاب يتعلق بالفنون ولوحات رسمتها سابقاً، لكن عمل وجهد سنة على الأقل قد ذهب هباء الآن".

 عن تعويض الأضرار وإصلاح المشغل، تقول ندى لرصيف22 إنه لا يمكن النهوض بمشغلها إلا بتعويض مادي ومساعدات من الجهات المعنية، إن كان من وزارة الثقافة أو المؤسسات الداعمة المحلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard