إرث إسلامي نادر تكشف عنه المكتبة الوطنية الإسرائيلية... تذكير بتاريخ طويل من الاستيلاء المُمنهج

الثلاثاء 9 يونيو 202003:11 م

مشروعٌ جديد يعمل على إتاحة كتب ومخطوطات نادرة من العالم الإسلامي، تغطي فترة زمنية تمتد ألف عام، بشكل مجاني عبر الإنترنت. هذا ما أعلنته المكتبة الوطنية الإسرائيلية، مُشيرة إلى أن المشروع يشمل 2500 كتاب ومخطوطة باللغات العربية والتركية والفارسية ستكون متاحة خلال ثلاث سنوات.

احتفت صحف إسرائيلية وأخرى غربية بالخبر الذي نشرته المكتبة عبر موقعها الإلكتروني، مفنّدة أبرز ما في المشروع من "قطع" نادرة، ومضيئة على "أهميته" في اجتذاب باحثين إسلاميين وفي "توحيد" الساعين إلى المعرفة " برغم الخلاف السياسي".

في مقابل الاحتفاء بهذا المشروع، أعاد إعلان المكتبة الإسرائيلية إلى الأذهان مبادرات سابقة لها كشفت عن حيازتها كتباً ووثائق عربية نادرة، طُرحت تساؤلات كثيرة عن كيفية حصولها عليها، كما أثبتت معطيات تداولها خبراء في المجال أنها مسروقة من منازل فلسطينيين بعد النكبة أو من يهود من العالم العربي.

كيفية وصول هذا الإرث الثقافي للمكتبة الوطنية الإسرائيلية، وكيفية استغلال الأخيرة له في معرض إظهار "الكرم الثقافي" و"الانفتاح البحثي"، تُقدمان مثالاً من أمثلة كثيرة سابقة عن الأسلوب الذي تعتمده إسرائيل لوضع يدها على الإرث الثقافي لمحيطها ثم تقديم نفسها مالكه الحصري الذي لا يمانع أحياناً من مشاركته مع "طالبي المعرفة".

بحسب ما كشفته المكتبة، فإن تلك المخطوطات والكتب تراوح تواريخ صدورها الأول بين القرن التاسع والقرن العشرين، ومنها مصاحف "مذهلة في جمالها" وأعمال أدبية مزينة بورق الذهب واللازورد.

تفاصيل المشروع

و"من الوثائق الفريدة التي سيتم تضمينها في العملية نسخة إيرانية من مجموعة الشاعر الفارسي الكبير نور الدين عبد الرحمن جامي (معروف بالملّا جامي)، ′تحفة الأحرار′ التي تم إنتاجها في الأصل عام 1484، خلال حياة الشاعر"، كما ذكرت المكتبة.

وبحسب المسؤولين عن المشروع، تتميّز المجموعة أيضاً بتغطيتها جميع التخصصات الإسلامية الرئيسية والتقاليد الأدبية، مع النقاط البارزة، بما في ذلك عناصر من المكتبات المملوكية والمغولية والعثمانية.

وسيشمل المشروع رقمنة وتحميل صور عالية الدقة للكتب والمخطوطات، وتحسين وصف المواد باللغتين العربية والإنكليزية. ومن أجل ضمان الحفاظ على الكتب والمخطوطات النادرة، كما ذكر بيان المكتبة، يراجع الخبراء بدقة جميع العناصر المُراد مسحها ضوئياً، مع اتخاذ إجراءات تحفظ العناصر التي تعتبر في حالة سيئة.

بحسب ما كشفته المكتبة، فإن المخطوطات والكتب التي ستتيحها صورها مجاناً للجمهور تراوح تواريخ صدورها الأول بين القرن التاسع والقرن العشرين، ومنها مصاحف "مذهلة في جمالها"

ومع انتهاء المشروع، سيتمكن المستخدمون في جميع أنحاء العالم من الوصول إلى المخطوطات والكتب التي "ستُنشر بصور عالية الدقة وخيارات بحث سهلة الاستخدام وأدوات فريدة".

بعد الاطلاع على تفاصيل المشروع، يُطرح السؤال: "كيف وصلت هذه المواد النادرة إلى المكتبة؟".

في بيانها، زعمت إدارة المكتبة أن معظم المخطوطات تبرّع بها أبراهام شالوم يهودا (1877-1951)، وهو باحث موسوعي وكاتب ولُغوي مولود في القدس، اهتم بجمع العديد من المخطوطات الإسلامية والنصوص اليهودية العربية من العصور الوسطى.

وقالت مديرة مجموعة الإسلاميات والشرق الأوسط في المكتبة راكيل أوكليس: "نحن محظوظون بفتح الوصول الرقمي إلى هذه الكنوز، آملين أن يُسهم هذا المشروع في فهم أوسع وتشارك أكبر في ما يخص الحضارة الإسلامية. هذه واحدة من المبادرات التي تربط المكتبة الوطنية في القدس بالمجتمع العالمي".

جهود أبراهام يهودا

لمن لا يعرف أوكليس، يمكن العودة إلى مقال نشرته عنها "جويش كرونيكل" الأسبوعية، وهي أقدم صحيفة يهودية في العالم، في آذار/ مارس الماضي، وتُخبر فيه قصة أوكليس مع الوصول إلى إدارة المجموعة الإسلامية والعربية في المكتبة، مشيرة كذلك إلى مشاركة الصحيفة نفسها في مدّ المكتبة ببعض المواد/ القطع الإسلامية والشرق أوسطية.

تقول أوكليس إن لديها "الوظيفة الأجمل في العالم"، مضيفة "ربما تكون المكتبة الوطنية في إسرائيل آخر مكان قد تفكر فيه بالبحث عن مجموعة عالمية المستوى من المخطوطات الإسلامية وكنوز العالم الناطق بالعربية".

تضيف أوكليس أنها من اليهود الأشكناز، لكنها كانت بعيدة عن فهم العالم العربي أو أسباب غضب الفلسطينيين، إلى أن بدأت الانتفاضة الأولى في الثمانينيات من القرن الماضي أثناء زيارتها إسرائيل، فقررت التخلي عن دراسة اللغة اليونانية وتعلّم العربية، وهي تعمل في المكتبة منذ 11 عاماً.

تعود أوكليس إلى الحديث عن أبراهام يهودا، مخبرةً أنه جاء من القدس إلى أوروبا وانتهى بالدراسة مع يهودي مجري هو إسحاق غولدزايهر الذي كان أحد كبار المتخصصين في اللغة العربية والإسلام. عندما توفي غولدزايهر، عام 1921، كانت لديه واحدة من أهم مجموعات الإسلام والكتب العربية.

المكتبة الوطنية في إسرائيل تكشف عن مخطوطات إسلامية نادرة ستتيحها للجمهور... كيفية وصول هذا الإرث للمكتبة، وكيفية استغلال الأخيرة له، تُقدمان مثالاً عن الأسلوب الذي تعتمده إسرائيل لوضع يدها على ثقافة محيطها ثم تقديم نفسها كمالك حصري لها

في تلك المرحلة، والكلام لأوكليس، حاولت جامعة طوكيو الاستحواذ على المجموعة، لكن قرب يهودا من العائلة والحملة التي قام بها لإقناع حاييم وايزمان الذي كان آنذاك على رأس المنظمة الصهيونية العالمية أوصلت المجموعة إلى المكتبة.

وعام 1924، كتب يهودا ثلاث مقالات في "الوقائع اليهودية" تشرح لماذا على اليهود اقتناء "مجموعة إسلامية رائعة". كانت حجته وقتذاك استغلال تلك المجموعة لجذب "العلماء اليهود والعرب الذين يجلسون معاً كإخوة في الحكمة وأصدقاء في المعرفة…".

تقول أوكليس إن كلمات يهودا تنطبق على توجهات المكتبة في المرحلة الحالية، ومن الأمثلة على ذلك اقتناء المكتبة أكثر من 200 صحيفة ومجلة كانت تصدر أيام العثمانيين وخلال فترة الانتداب في المنطقة.

وكانت المكتبة قد أطلقت عام 2012 مشروع رقمنة للعديد من الكتب والمخطوطات العربية النادرة، موّله الاتحاد الأوروبي.

"... ظهر لاحقاً في إسرائيل"

ما سبق يبدو شديد المثالية لو لم يكن للاحتلال الإسرائيلي تاريخ طويل من استغلال الثقافة ومُخرجاتها لتلميع سياساته القمعية والعنصرية. يُضاف إلى ذلك، العديد من الأحداث التي وثقت سرقة المكتبة بشكل منظم لكتب التراث اليهودي من يمنيين وفدوا خلال الأربعينيات من القرن الماضي.

وقبل أربع سنوات، احتفلت المكتبة بحصولها على إرث الكاتب التشيكي اليهودي فرانز كافكا بناءً على حكم قضائي، بعد ثماني سنوات من إصرار أسرة إستر هوف، سكرتيرة ماكس برود الصديق المقرب من كافكا، على الاحتفاظ بها زاعمةً أنها صاحبة الحق.

وشملت مقتنيات كافكا مخطوطات له غير منشورة، ورسائل بخط يده إلى ماكس برود، ومذكراته ورسومه في باريس وغيرها من أعمال برود ورسائل تلقاها، فضلاً عن روايات "المحاكمة" و"المسخ" و"القلعة" التي ساهمت في جعله واحداً من أشهر الروائيين في القرن العشرين.

حصلت عليه القوات الأمريكية وقيل وقتذاك إنها نقلته هو والقطع التراثية العراقية وأرشيف الدولة السري بغرض الترميم، كي تعيده إلى بغداد لاحقاً. جزء مهم من هذا الإرث ظهر لاحقاً في إسرائيل.

وكشف الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "سرقة الكتب الكبرى" (إنتاج عام 2012/ إخراج بيني برونر) عن سرقة جنود الاحتلال أكثر من 80 ألف كتاب من بيوت الفلسطينيين والأماكن العامة خلال النكبة، ووضعها في المكتبة الوطنية الإسرائيلية التي تتغنى حالياً بمقتنياتها.

من هذه الكتب ما يعود إلى الكاتب خليل السكاكيني والمؤرخ ناصر الدين النشاشيبي وغيرهما ممن أكدت عائلاتهم الأمر.

ويوثق كتاب آخر، صدر عام 2016، للباحث الإسرائيلي غيش عميت عمليات كبرى استولت خلالها المكتبة الوطنية الإسرائيلية على كتب فلسطينية بمساعدة الجيش الإسرائيلي.

عدا الإرث الفلسطيني، تظهر روايات عديدة عن الاستحواذ على مخطوطات يهود سوريا بطرائق ملتوية، منها عبر عملاء. أبرز تلك المخطوطات "تيجان دمشق" التي يعتبرها مختصون مهمة جداً لفهم التطور الذي عرفته نصوص التوراة.

بحسب اتفاقات الأمم المتحدة التي تمنع الاتجار بالموروث الثقافي، ينبغي أن يعود هذا الموروث إلى بلده الأم في حال تهريبه. مع ذلك، يشير متخصصون إلى سعي إسرائيل الممنهج إلى حصر كل الإرث اليهودي بها لحرف النظر عن فكرة الوجود التاريخي لليهود خارج "الأرض الموعودة". للمثال على ذلك، ما حصل مع ذاك العائد إلى يهود العراق، فقد أظهرت تصريحات إسرائيلية في السنوات الماضية عن رحلة قامت بها مخطوطات يهودية من العراق عبر كردستان وعمان وصولاً إلى إسرائيل، وعن مخطوطات أخرى نُهبت عام 2003.

جزء من هذا الإرث، ومنه مثلاً نسخة من التوراة معروفة بالنسخة العراقية من أسفار العهد القديم، ومكتوبة بعصير الرمان المركز على جلد حيوان الأيل، حصلت عليه القوات الأمريكية وقيل وقتذاك إنها نقلته هو والقطع التراثية العراقية وأرشيف الدولة السري بغرض الترميم، كي تعيده إلى بغداد لاحقاً. جزء مهم من هذا الإرث ظهر لاحقاً في إسرائيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard