"انتهت حقبة ثراء الخليج"... هل تترك السعودية سباق التسلّح لترشيد الإنفاق؟

الثلاثاء 19 مايو 202008:01 م

فيما توقع صندوق النقد الدولي زوال ثروة دول الخليج العربي عام 2034، جاءت أزمة كورونا لتستعجل موعد نضوبها.

بدأت تقارير غربية ترصد حاجة دول الخليج إلى اتخاذ إجراءات صارمة لترشيد الإنفاق، خصوصاً المملكة العربية السعودية التي توقع خبراء أنها ستبدأ في تقليص صفقاتها العسكرية لسد العجز المتفاقم في موازنتها بسبب انهيار أسعار النفط.

الإنفاق العسكري

في تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، في 18 أيار/مايو، توقع خبراء أن السعودية قد تضطر إلى التخلي عن عقود أسلحة جديدة وتأخير شراء أسلحة متفق عليها نتيجة الأزمة المالية التي تعانيها حالياً.

ولفت التقرير الذي أعده مراسل الصحيفة ستيفاني كيرشجيسنر من واشنطن ودان صباغ من لندن إلى أن التأخير المتوقع لصفقات الأسلحة الجديدة قد تكون له تداعيات سياسية طويلة الأمد على المملكة.

وتواجه المملكة أزمة غير مسبوقة في الموازنة بسبب انهيار أسواق النفط والاضطرابات الاقتصادية العالمية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا، علماً أن احتياطاتها تضاءلت من 750 مليار دولار أمريكي إلى 500 مليار في السنوات الخمس الماضية.

وفي 11 أيار/مايو الجاري، قال وزير المال السعودي محمد الجدعان إن المملكة تحتاج 220 مليار ريال ( 58.6 مليار دولار) لسد الفجوة بين المصروفات والإيرادات.

وعلّق بروس ريدل من "معهد بروكينغز" في واشنطن، وهو خبير مخضرم في وكالة الاستخبارات المركزية لمدة 30 عاماً، قائلاً: "ليس لدي شك، هذه نهاية حقبة… نهاية حقبة امتلاك الخليج كل هذه الأموال".

وأنفقت المملكة العربية السعودية حوالى 62 مليار دولار على اقتناء الأسلحة في العام الماضي، وهذا ما جعلها خامس أكبر منفق على الأسلحة على مستوى العالم.

وعلى الرغم من أن هذا الرقم أقل مما كان عليه عام 2018، فإنه لا يزال يمثل حوالى 8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أن المملكة أنفقت على الأسلحة أكثر من الولايات المتحدة التي أنفقت 3.4٪ من الناتج المحلي، ومن الصين التي أنفقت 1.9٪ ومن روسيا التي أنفقت 3.9٪، ومن الهند التي أنفقت 2.4٪، وفقاً لبحث أجراه "معهد ستوكهولم الدولي للسلام".

"ليس لدي شك، هذه نهاية حقبة، نهاية حقبة امتلاك الخليج كل هذه الأموال"... السعودية قد تضطر إلى التخلي عن عقود أسلحة جديدة وتأخير شراء أسلحة متفق عليها في ظل أزمة مالية تعاني منها المملكة، وتداعيات محتملة مع أمريكا وبريطانيا

وقالت "الغارديان" إن الإنفاق الضخم كان يُستخدم لعقود من أجل تعزيز النفوذ السياسي للسعودية.

ورأى الخبير في قضايا الفساد وتجارة الأسلحة العالمية أندرو فاينشتاين، في تصريحات للصحيفة البريطانية، أن إحدى نتائج شراء الأسلحة هي أنك تشتري علاقات.

في ظل الأزمة الحالية، يرى ريدل وآخرون أن الحكومة السعودية لن يكون أمامها خيار سوى تأجيل الإنفاق العسكري.

وقال ريدل إن أسعار النفط يجب أن تكون 85 دولاراً للبرميل حتى تتمكن السعودية من الحفاظ على موازنتها.

ولفت الناشط المناهض لتجارة الأسلحة أندرو سميث إلى أن المسؤولين في المملكة "قد يؤجلون على المدى القصير الالتزام ببعض عمليات الشراء الكبيرة، مثل مجموعة جديدة من الطائرات المقاتلة، وصفقة كانت بريطانيا تتفاوض بشأنها منذ فترة طويلة".

ورأى السفير الأمريكي السابق لدى اليمن جيرالد فايرستاين أن السعوديين سوف يؤجلون أو يلغون عقود الأسلحة الجديدة، وأنه من المرجح أن تستمر عقود الصيانة للحفاظ على جاهزية قوتها.

وقال إن السعودية سعت في الماضي إلى إعادة التفاوض بشأن جداول الدفع للأسلحة، وتمديد المدفوعات فترات طويلة.

وأضاف الدبلوماسي الأمريكي: "تتذكرون حين زار محمد بن سلمان البيت الأبيض، وظهر الرئيس دونالد ترامب بجانبه برسم كرتوني يمثل مبيع أسلحة بقيمة 100 مليار دولار للسعودية. معظم هذه الصفقات لم تحدث، ولم يتم التوقيع عليها. كانت بخاراً في الهواء".

احتمال فوز جو بايدن

في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، من المحتمل أن يفوز جو بايدن المرشح الديمقراطي المفترض لرئاسة أمريكا في ظل تراجع نفوذ ترامب بسبب أزمة كورونا.

وقال بايدن إنه سيحد من مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية ووصف القيادة الحالية بأنها "منبوذة".

لذلك رأت كريستين فونتينروز، المديرة السابقة لشؤون الخليج في مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب، أنه يمكن للسعوديين أن ينتظروا نتائج الانتخابات، وإذا فاز بايدن فسيخفض الديمقراطيون صفقاتهم، وحينذاك يمكن للمملكة أن تتظاهر بقبول ذلك القرار على مضض.

وقالت: "سيكون ذلك وسيلة لهم للهروب من التداعيات السياسية والحفاظ على بعض نفوذهم مع القطاع الخاص".

ومع ذلك، لا يجمع المحللون على أن السعوديين سيكبحون الإنفاق في المجال العسكري بسبب تزايد التحديات الأمنية.

"في ظل الأزمة الحالية لن يكون أمام الحكومة السعودية خيار سوى تأجيل الإنفاق العسكري، وفي بعض الحالات سيكون التأجيل بشكل دائم"، كما يقول الخبير مخضرم في وكالة الاستخبارات المركزية بروس ريدل الذي توقع نضوب ثروة السعودية

وقال زميل الشرق الأوسط في "معهد بيكر للسياسة العامة" كريستيان أولريشسن، إنه يعتقد أن السعوديين قد يسعون إلى مضاعفة استثماراتهم في المجال الدفاعي، على الرغم من الضغوط الاقتصادية، في ظل وجود شكوك في التزام الولايات المتحدة الأمن السعودي.

في موازاة ذلك، كشفت تقارير صحافية أمريكية عن أن المفتش العام في وزارة الخارجية ستيفن لينيك فتح تحقيقاً في ظروف شراء السعودية والإمارات صفقات أسلحة بقيمة 8 مليارات دولار.

إلا أن ترامب قرر إقالة المفتش قبل أن يكمل تحقيقه الذي وصل إلى المرحلة النهائية.

استثمارات جديدة

في الأسبوع الماضي، رفع صندوق الاستثمارات العامة في السعودية استثماراته في 24 شركة أمريكية إلى 9.8 مليار دولار. من هذه الاستثمارات شراء حصة تبلغ قيمتها 713.7 مليون دولار في شركة "بوينغ" وأخرى بقيمة 522 مليون دولار في "سيتي غروب" و522 مليون دولار في فيسبوك و495.8 مليون دولار في "ديزني" و 487.6 مليون دولار في "بنك أوف أمريكا".

واستحوذ الصندوق على حصة قيمتها 514 مليون دولار في مجموعة "ماريوت" الفندقية، وأخرى بقيمة 827.7 مليون دولار في شركة بي.بي النفطية.

إلى الآن، لا يعرف المحللون متى ستحقق هذه الاستثمارات مكاسب في ظل مخاوف من استمرار الركود الاقتصادي فترات طويلة نتيجة أزمة كورونا.

وكان خبراء ألمان قد وصفوا، في شباط/فبراير الماضي، استثمارات الصندوق بأنها إهدار لثروة المملكة.

وعام 2018، كشف مدير مجموعة "سوفت بنك" اليابانية ماسايوشي سون عن كيفية إقناعه بن سلمان باستثمار 45 مليار يورو في "صندوق الرؤية" للتكنولوجيا. قال سون في لقاء تلفزيوني: "لو قلت إنني أقنعته في ساعة واحدة، فهذا قول غير دقيق. استغرق الأمر 45 دقيقة فحسب لأقنعه باستثمار 45 مليار دولار".

من المقرر أن يستحوذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نادي "نيوكاسل" الإنكليزي لكرة القدم بقيمة 445 مليون دولار، وهي صفقة قيل إن مهندستها هي سيدة أمريكية تدعى كارلا دي بيلو، لا تمتلك أية خبرة مالية واضحة.

وبحسب التقارير، تقتصر مؤهلات دي بيلو على صداقة تجمعها بياسر الرميان، رئيس صندوق الاستثمارات. وهذه الصداقة مكنتها من لعب دور بارز في مساعدة الرياض على إتمام بعض الصفقات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard