نجاح دول الخليج في التعامل مع الجائحة: الحاجة إلى استثمار الثقة لكتابة عقد اجتماعي جديد

الأحد 6 ديسمبر 202004:27 م

بشكلٍ عام، اكتسبت دول الخليج ثقة الناس بدرجات مختلفة من الشفافية في تعاملها مع انتشار جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية المرتبطة بها. سيعتمد الحفاظ على هذه الثقة في المستقبل على رغبة حكام الخليج في تبني الشفافية عندما يتعلق الأمر بسياسات مُصممة لتحفيز الانتعاش الاقتصادي وإدارة الإصلاح الهيكلي.

فعلت التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا في دول الخليج أكثر بكثير من إلحاق الدمار باسس الإيرادات والسياسات المالية، حيث دفعت الحاجة الى تحقيق تغيير هيكلي هائل إلى قمة جدول أعمال هذه الدول بطرقٍ لم تأخذها خطط التنويع الاقتصادي في الحسبان.

لو تركنا جانباً تركيز دول الخليج على المشاريع الكبرى التي تلفت الانتباه مثل مشروع نيوم شمال غرب المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر، المدينة المستقبلية للقرن الحادي والعشرين والبالغ تكاليف انشائها 500 مليار دولار، فإن قائمة حكومات الخليج إذا أرادت تصحيح الأمور، طويلة ومكلفة حتى بدون عبء تكاليف المشاريع الكبرى. تضم تلك القائمة الحاجة إلى تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية. في نهاية المطاف ينبغي أن تكون الشفافية والتقارير العامة الدقيقة والمفصلة في صميم هذه التغييرات.

هذه الأمور أيضاً أساسية لقرارات المستثمرين والاقتصاديين وشركات التصنيف الائتماني في وقتٍ تكون فيه التوقعات الاقتصادية لدول الخليج موضع شك. يشكو الكثيرون من أن التأخير في إعداد تقارير الناتج المحلي الإجمالي وعدم سهولة الوصول إلى الإحصاءات يُعقد عملية صنع القرار.

مع ذلك، إن كان هناك شيء واحد تعتمد عليه الحكومات الخليجية الوراثية، بخلاف الاحتياطيات المالية الكبيرة، فهو ثقة الناس بالطريقة التي تعاملت بها مع انتشار الجائحة، على الرغم من حقيقة أنها فشلت في الاعتراف في البداية بالظروف المعيشية الضاغطة والعصيبة للعمال المهاجرين بالإدعاء أنها دعاية كبرى تم نشرها من قبل قوى لاتريد الخير للبلاد.

إن كان هناك شيء واحد تعتمد عليه الحكومات الخليجية الوراثية، بخلاف الاحتياطيات المالية الكبيرة، فهو ثقة الناس بالطريقة التي تعاملت بها مع انتشار الجائحة، على الرغم من حقيقة أنها فشلت في الاعتراف في البداية بالظروف المعيشية الضاغطة والعصيبة للعمال المهاجرين

تعاملت معظم الحكومات في وقتٍ مبكر وبشكلٍ حاسم مع عمليات الإغلاق وحظر التجول، والقيام بالاختبارات، وإغلاق الحدود، وإعادة المواطنين من الخارج. قررت المملكة العربية السعودية قراراً حاسماً وحساساً جداً لم يتم اتخاذ مثله منذ زمنٍ طويل الا وهو قرار تعليق الحج.

للمملكة العربية السعودية التي تستقبل ملايين الحجاج المسلمين من جميع أنحاء العالم كل عام تاريخ طويل في التعامل مع الأوبئة وانتشار الأمراض. لذلك كانت حكومة المملكة مثل حكومات سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان أفضل استعداداً للتعامل مع الجائحة من الدول الغربية. قررت جكومة المملكة كذلك وقف العمرة، وهي طقس اسلامي أقل تأثيراً من الحج، في أواخر شهر شباط الماضي، قبل أيام من ظهور أول حالة إصابة بفايروس كورونا على الأراضي السعودية.


بالإضافة إلى مخاوف الصحة العامة، كان هناك سبب آخر للتعامل الصحيح مع الجائحة من قبل حكومة المملكة العربية السعودية. وفّر التعامل مع الجائحة فرصة للمملكة ليس فقط لتلميع صورتها على الصعيد العالمي، التي شوهتها انتهاكات حقوق الإنسان، والتغيير الهيكلي في سلم السلطة، ومقتل الصحفي جمال خاشقجي، ولكن أيضاً للاحتفاظ بالنفوذ الديني على الرغم من انقطاع تدفق الحجاج إلى المملكة. تقول السيدة ياسمين فاروق، الباحثة في شؤون المملكة العربية السعودية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "لا تزال المملكة العربية السعودية مرجعاً للعديد من الجاليات المسلمة حول العالم".

سمح التعامل مع جائحة كورونا للمملكة العربية السعودية كذلك بتحقيق نجاح قياسي بعد انتقادات لمعالجتها لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في عام 2012 عندما أصبحت المملكة بؤرة الوباء وفي عام 2009 عندما أصاب فايروس الإيدز الأراضي السعودية بقوة. حكومة المملكة مسؤولة جزئياً عن كارثة الصحة العامة في اليمن بسبب الحرب التي تشنها هناك. ايُعد اليمن بلداً في حالة خراب تام نتيجة للتدخل العسكري ويواجه على مدى السنوات الأربع الماضية وباء الكوليرا المنتشر بقوة.

تعززت الثقة في تعامل دول الخليج مع الجائحة الحالية بدرجة معقولة من الشفافية بشأن تطور المرض من خلال التحديثات اليومية لعدد الضحايا والوفيات. عزز ذلك الأمر خطاب الملك سلمان بن عبد العزيز بمجرد أن ضربت الجائحة المملكة وأعلن فيه مجموعة من الإجراءات للتعامل مع المرض ودعم الاقتصاد وكذلك تأكيدات وزير الزراعة السيد عبد الرحمن الفضلي بأن الأزمة لن تؤثر على الإمدادات الغذائية.

تقول السيدة ياسمين فاروق أن الناس اتبعوا التعليمات الحكومية أثناء الجائحة بسبب "الثقة في الحكومة، وخبرة وتجارب الحكومة السابقة، والثقة في المؤسسة الدينية، التي كانت في الواقع تتبع القرارات الفنية للحكومة". من المؤكد أن السيدة فاروق تناست أن الطبيعة القسرية للنظام لم تمنح الناس خياراً آخر.

كانت حدود شفافية الحكومات بينة من خلال حقيقة أن السلطات كانت أقل وضوحاً مع تفاصيل الإنفاق العام على الجائحة وتوافر المعدات الطبية المتاحة مثل أجهزة التنفس والمعدات الأخرى مثل عدد الاختبارات. نشرت بعض دول الخليج العدد اليومي والإجمالي للمسحات، لكن لم توضح ما إذا كانت هذه الأرقام تتضمن مسحات متعددة للشخص نفسه.

تشعر دول الخليج بالضغوط لإعادة اكتشاف نفسها في عالمٍ يخرج من جائحة ستعيد رسم المستقبل. هل تخلص الحكومات إلى أن الشفافية ضرورية للحفاظ على ثقة الناس، فهي مضطرة إلى إعادة كتابة #العقود_الاجتماعية التي كانت متجذرة في مفاهيم دولة الرفاهية من المهد إلى اللحد

السؤال هو ما إذا كانت الحكومات ستخلص إلى أن الشفافية ستكون ضرورية للحفاظ على ثقة الناس لأنها مضطرة إلى إعادة كتابة العقود الاجتماعية التي كانت متجذرة في مفاهيم دولة الرفاهية من المهد إلى اللحد. ينبغي أن تنطوي هذه المفاهيم، لكن العقود الجديدة على المزيد من تقاسم العبء. لم تقل حكومات الخليج إلا القليل عن توزيع الأعباء بشكلٍ عادل بين الطبقات الاجتماعية، كما لم تكن هناك شفافية بشأن ما يقود قرارات الاستثمار من قبل صناديق الثروة السيادية في أوقات الأزمات وتغير التوقعات الاقتصادية.

في حديث مع صحيفة الفاينانشيال تايمز، قال مصرفي خليجي إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "بحاجة إلى توخي الحذر بشأن ما ينفقه. لأن المواطن العادي يراقب". قام صندوق الثروة السيادية السعودي الذي يترأسه ولي العهد بإنفاق حوالي 7.7 مليار دولار أمريكي لشراء حصص في كبرى الشركات الغربية، بما في ذلك أربع شركات أمريكية رئيسية: بوينغ، وسيتي جروب، وديزني، وفيس بوك. كذلك قدم الصندوق عرضاً لشراء نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي لكرة القدم، لكن الصفقة تعثرت.

أشار المصرفي الخليجي أن المواطنين السعوديين لم يروا نفعاً في دفع "رواتب مليونية للاعبي كرة قدم من ايرادات ضريبة القيمة المضافة على مشترياتهم"، في إشارة إلى زيادة ضرائب المبيعات في المملكة من 5% إلى 15%. ومن المؤكد أن كبار المسؤولين الحكوميين ومديري الأعمال في الخليج حذروا من الأوقات العصيبة القادمة.

توقعت دراسة حديثة أجرتها غرفة تجارة وصناعة دبي على المديرين التنفيذيين أن 70٪ من شركات الإمارات العربية المتحدة ستفقد أعمالها في الأشهر الستة المقبلة، بما في ذلك نصف مطاعمها وفنادقها وثلاثة أرباع شركات السفر والسياحة. كذلك حذر وزير المالية السعودي محمد الجدعان في وقتٍ سابق من أن المملكة ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات "مؤلمة" وستقوم بتخفيضات كبيرة في الإنفاق نتيجة لانهيار أسعار النفط وانخفاض الطلب عليه بشكلٍ كبير. وإدراكا لحساسية الأمر، أكد السيد الجدعان أنه "طالما لن نلمس الحاجات الأساسية للناس، فإن جميع الخيارات مفتوحة".

كان هناك القليل من الشفافية في تصريحات السيد الجدعان حول التأثير الذي ستحدثه تلك السياسات على السعوديين الباحثين عن عمل في سوق عمل سيكون فيها عدد أقل من المهاجرين المتاحين لوظائف لم يرغب السعوديون في قبولها منذ فترة طويلة. لقد كانت فرصة ضائعة بالنظر إلى زيادة نسبة السعوديين الذين بدؤا العمل في خدمات التوصيل بنسبة 286٪.

تم تعزيز هذه الزيادة من خلال عرض قدمه صندوق تنمية الموارد البشرية السعودي (هدف) لدفع مايعادل 800 دولار أمريكي شهرياً للسائقين، فضلاً عن نمو روح التطوع الذي بدأ بالإنتشار حديثاً في جميع أنحاء الخليج. وفرت الزيادة للسلطات اللبنات الأساسية لتأطير التوقعات حيث من المرجح أن يرتفع معدل البطالة الرسمي في المملكة البالغ 12%. تحاول الحكومة نشر مفهوم أن الوظائف الحكومية ذات الأجور الجيدة والمريحة قد لا تكون متاحة كما كانت في الماضي، وأن الوظائف الأدنى ليست أقل تشريفاً لشاغلها.

قد يكون هذا هو الجانب المضيء حيث تشعر دول الخليج بالضغوط لإعادة اكتشاف نفسها في عالمٍ يخرج من جائحة قد تعيد رسم الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard