عشر سنوات "من" الثورة... محاولة لاستيعاب الفشل

الاثنين 25 يناير 202109:37 ص

تعمّدتُ أن يكون العنوان "عشر سنوات (من) الثورة"، وليس "على" الثورة. أكثر من سبب يدعوني إلى هذه الصيغة، أولها أن الثورة لم تنجح فيكون 25 يناير 2021 مناسبة للاحتفال بمرور عقد كامل "على" مصر جديدة. وثاني الأسباب أنها لم تفشل تماماً، لكي يكون الكلام مناسبة جنائزية للبكاء "على" ثورة لم نحافظ عليها كالرّجال، إذا استعرنا مقولة عائشة الحرة لأبي عبد الله الصغير. وثالث الأسباب أن الثورة، كفكرة قابلة للتحقق بعيداً عن المثاليات الساذجة والأحلام المجانية، لا تزال أسبابها قائمة؛ أسباب قيامها عام 2011، وأسباب نجاح جولة إعادة سيقرر الشعب موعدها، حين تكتمل شروطها التاريخية، وينمو وعي يجب أن يسبق التغيير.

الوعي بضرورة الثورة لا يكفّ عن النمو، والأطفال الذين شهدوا الآمال في ميدان التحرير تخرجوا الآن في الجامعة، ولا يرون وعداً يمنعهم مشروعية الحلم بالهجرة والفرار من الكابوس. ولن يعصمهم من الكفر بالوطن إلا التمتع بحقوق يلزمها وجود "دولة" أولاً.

الجيل الذي أنضجته الثورة يرى محاولات تجريمها، وكلما جرى تحميل الثورة أوزار كارهيها زاد الرهان عليها، واشتدّ عناد الواعين بأن الغنيمة تُخيف اللصوص، وليس أخطر من لصوص الثورات. والثورة عقدة لأعدائها، هم زيفٌ وهي الحقيقة، هي عقدة للمرتعشين من ذكراها، فيتسلّحون بالتكفير الوطني، ويحرّمون الإشارة إليها، ويستبعدون المشاركين فيها إلى الهامش، وإلى السجون بسلاح القانون، وإلى المعتقلات بقوى فوق القانون.

السياسات المضادة للثورة تؤكد مواقف سلطة تكره 25 يناير، وتنتقم من شعارها: "تغيير، حرية، عدالة اجتماعية". لم يصدر خطاب سياسي رسمي بتجريم الثورة، ولكن القطيع الإعلامي في الصحف والتلفزيون يردد خطاباً متشابهاً يُمليه ملقِّـن خفيّ يلحّ على وصفها بالمؤامرة. هؤلاء مأمورون، يلتقطون رزقهم المسموم من المشاركة في حملات التشويه، وقد يحلو لأحدهم التذاكي فيلخّص الثورة بكلمتيْ "عملية يناير"؛ لإيهام ساذجين من أمثاله بأن عشرات الملايين اعتصموا بالميادين لتنفيذ عملية استخبارية. وهذا وصف ساذج يكفي دليلاً على ارتقاء الثورة إلى منزلة "الحقيقة"، الصامدة في مواجهة التشكيك، وكلما توالت السّهام ازدادت صلابةً، واجتذبت أنصاراً جدداً يدركون أنه لا أعداء للعابر والزائف والضعيف.

معنى وحيد، أعزل غير مسلّح إلا بالنُبْل، كيف يصمد لمضخّات الاتهام، إلا إذا اعتبرنا الفترة الماضية عشر سنوات "من" الثورة؟ المؤمنون بالثورة لا يمسهم يأس، ويواجهون حملات التكفير بالسخرية. ومن يرى الثورة عملية استخبارية يشير بأصابع الإدانة إلى جيش ساندها، وأدى ممثّله التحية إلى شهدائها عقب خلع مبارك، "الحرامي بحكم قضائي نهائي لا يقبل النقض". مَن يتهم الثورة يرفض دستور 2014، وقد وثّق، ببراءة وصدق، "ثورة 25 يناير ـ 30 يونيو، فريدة بين الثورات في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قُدّرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة".

"فشلت الثورة لأسباب منها الصراع التقليدي بين القوتين المسلحتين، وهما من القوى المضادة للثورة، وإن ادّعى أي منهما أنه أهل ثورة فهو يقصد الإصلاح الضامن لامتيازاته"

الآن نقترب من تلك "الحقيقة"، من 25 يناير، بصراحة تبلغ حدّ جلد الذات. وإذا كانت هذه الذات تستحق الجلد فلتُجلد، ولا يشفع لها حُسن النية. في زهوة النجاح المخادع للمراحل الأولى للثورات الشعبية، بعد أن تمكنت من إزاحة زين العابدين بن علي وحسني مبارك، عزّ علينا تشاؤم جورج طرابيشي بالربيع العربي. لم يكن يرفض التغيير، وإنما خشي عاقبة انخفاض منسوب الوعي بالخطوة التالية لخلع رأس أي نظام.

كان طرابيشي محقّاً في قراءة المشهد بعقلانية، وكنا نبالغ في أرصدة القوى التي تؤمن بالثورة، وتفتقد ما لدى اثنتين مَن قوى تسحق من يمسّ مكتسباتها، والشعب حائر بين مضربيْ القوات المسلحة واليمين الديني.

يعتمد نجاح الثورات على النفَس الطويل. وقد أغرانا نصر الجولة الأولى، ولم نفرّق بين نظام راسخ ورأسه، فالنظام المستبد لا ينهار في ثمانية عشر يوماً، إلا بتخطيط يمنح الغاضبين جرعة من التفاؤل المجاني، وفي نشوة الفرح وضجيج الألعاب النارية لن يروا "عملية" المحافظة على النظام بالتضحية برأسه.

وجرى ذلك في 10 فبراير 2011، قبل إعلان تنحي مبارك بيوم، باجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة من دون رئيسه، مبارك. تلك إشارة -لا بشارة-، إشارة إلى بديل مؤسسي يستطيع أن يقول لرئيسه: "انتهت اللعبة". أما الثورة الناجحة ففي مكان آخر، هي فعل ثقافي واع، وإذا لم يسبقها تمهيد فكري واجتماعي فستنتهي إلى كوارث.

من دون نظرية ثورية لا تنجح حركة ثورية، كما قال لينين. ولم يتوفر لثورة 25 يناير في بداية اندلاعها ـ وربما إلى الآن ـ إلا حماسة هدم كيانات متداعية، أما البناء فيحتاج إلى تصور شامل، نظري بالضرورة، أكبر من القدرة على حشد جماهير تهتف بالخبز والحرية. وبعد هدوء نسبي للغبار في ميدان التحرير، انصرف الغاضبون، ولم يمارسوا ضغطاً يحول دون إتمام صفقات بين القطبين المسلّحين، بالقوة المسلحة، وباليقين الديني التعبوي. ليست الثورة مسؤولة عن إنتاج شرور انطلقت في الفراغ التالي لإزاحة رأس النظام. الشرور قائمة، وانتظرت رياحاً تصادف أن 25 يناير أطلقتها، فخرج مارد اليمين الديني للتبشير بإعلان دولة الإسلام.

فشلت الثورة لأسباب منها الصراع التقليدي بين القوتين المسلحتين، وهما من القوى المضادة للثورة، وإن ادّعى أي منهما أنه أهل ثورة فهو يقصد الإصلاح الضامن لامتيازاته، وليس مفاجئاً أن تقع الثورة في قبضة كلّ منهما بالتوالي.

كان صديقي الكاتب الماركسي الصارم خليل كلفت، رحمه الله، يرى أن الجيش أدار المرحلة الأولى للفترة الانتقالية بحكمة، ولو أهدى الحكم إلى تنظيم الإخوان، فقد جنّب البلاد حرباً أهلية، وكانت ألسنة اللهب مستعدة للانطلاق لو لم يعلن فوز مرشح الإخوان. ولم تحاول القوى المدنية أن تستثمر الحالة الثورية، فتتواصل مع القواعد الجماهيرية، وهذا ما فعله قيس سعيد القادم من خارج المنظومة السياسية التقليدية التونسية.

"ليست الثورة مسؤولة عن إنتاج شرور انطلقت في الفراغ التالي لإزاحة رأس النظام. الشرور قائمة، وانتظرت رياحاً صادف أن 25 يناير أطلقتها، فخرج مارد اليمين الديني للتبشير بإعلان دولة الإسلام"

"اغتنام الثورة" كان عنواناً أبرز لحالة ورّطتنا في جولتين من الثورة المضادة، ولا نعرف المدى الزمني المحتمل للخروج من المرحلة الأخيرة. وكان يغْنينا عن هذا المصير بعضٌ من التحلّي بالأخلاق الثورية، وإنكار الذات، ورهبنة تسمو بصاحبها إلى الزّهد في المكاسب، فليست الثورة وسيلة للشهرة، وحصد الأرباح.

كان لافتاً قبل خلع مبارك وصول البعض مصحوباً بالكاميرات التلفزيونية، وخروجه مختالاً بعد انطفاء الأضواء، وقد استغل ميدان التحرير ديكوراً لتصريحات مدفوعة. وكان الاغتنام شاملاً، كلٌّ حسب قدراته ومهاراته، فانتقل ضيوف الفضائيات إلى مقاعد المذيعين ومقدمي البرامج. وكان الاختبار قاسياً وفاضحاً لنخبة أسكرها الشوق إلى احتلال موقع حسني مبارك، وحلم أربعة منهم بمنصب الرئيس.

لم أكتب يوماً، ولا قلت في برنامج، الجملة المبتذلة: "لما كنا في التحرير..."، ولا دعوت أولادي إلى الميدان طوال ثمانية عشر يوماً، إلا بعد تنحي مبارك. جاءوا مع بشائر اليوم التالي، فجر 12 فبراير، يحتفلون بتحرّر مصر. وطوال تظاهرات واحتجاجات واشتباكات تالية، لم أكتب على فيسبوك أنني في الطريق إلى كذا، ولا قلت بعد الرجوع إنني عائد من المشاركة في كذا. أتذكر أبا ذر الغفاري وأحسده وأحبه. وكنت أتفاءل كلما وجدتني في جمع لا يعرفني فيه أحد، ولا أعرف فيه أحداً، ساعتها فقط أثق أن الثورة مستمرة، وأنها ستنتصر؛ فهؤلاء طلاب ثورة وعدل وحرية، صادقون وليسوا جوعى للخبز أو الكاميرات.

ليس الإخوان والسلفيون وحدهم المرضى باشتهاء السلطة. كشفت الثورة أربعة من القوى المدنية، أخذتهم "الثورة" بالإثم، ورأى كلٌّ منهم نفسه أحق بالرئاسة، ورفضوا الاتفاق على اختيار أحدهم مرشحاً للثورة، ولم ينصتوا إلى بيان "قبل فوات الأوان... نداء إلى مرشحي اليسار والديمقراطية الأربعة"، وقد كتبه أحمد الخميسي، ووقّعه أكثر من 500 مثقف غيور على الثورة والوطن.

حثّ البيان على ضرورة الاستقرار "على مرشح واحد من بينكم، لتحشد خلفه كلُّ الأصوات الممكنة في مواجهة الظلامية، أو عودة الفلول... ندعوكم قبل فوات الأوان إلى الاستقرار في ما بينكم على مرشح واحد منكم، خاصة أن الفروق في البرامج المطروحة من كلّ منكم ليست فروقاً ضخمة".

وحذّرهم البيان: "إذا فضّل كلّ منكم التشبث بالتطلّع إلى كرسي الرئاسة، فإننا نرجو ألا تحدثونا بعد ذلك مطولاً عن اليسارية والديمقراطية وهموم الوطن، لأن كلّ ذلك على المحك، ولأنكم تلقون بكل ذلك جانباً، ولا تعيرون أصوات الناس أهمية، ويغرق كلّ منكم في وهم أنه وحده -وبمجهوده، وبمعجزة ما- سوف يفوز. وهو ما لن يحدث. وسوف تسفر الانتخابات... عن فوز ممثل الرئيس المخلوع، أو ممثل التيار الرجعي، وفي هذه الحال نحملكم المسؤولية عن ذلك، ولن نسمع منكم مجتمعين أو فرادى أية دعاوى عن تزييف الانتخابات أو قوة رأس المال، أو شراء الأصوات، لأنكم منذ الخطوة الأولى انقسمتم، وضيعتم حقوقكم، ومعها حقوقنا".

"أغرانا نصر الجولة الأولى، فالنظام المستبد لا ينهار في ثمانية عشر يوماً"

خسر الأربعة: أبو العز الحريري، حمدين صباحي، المحامي خالد علي، القاضي هشام البسطويسي. في الجولة الأولى، حصد الحريري 40.090 صوتاً، ونال البسطويسي 29.189 صوتاً، و134.056 صوتاً لخالد علي، مقابل 5.505327 لأحمد شفيق، و5.764952 لمحمد مرسي. ومن المساخر أن يسارع أنصار صباحي، في مساء اليوم نفسه، وخالد علي أيضاً ويده في يد كمال خليل، إلى ميدان التحرير.

لم يخجل الخاسران من الاعتراض على نتيجة مخيبة للآمال، قضت على حلمهما الرئاسي. الاعتراض في حدّ ذاته مزحة، رفضٌ صريح لديمقراطية كشفت عورة القوى المدنية. أما الأعجب، وما لا يتصوره عاقل، فهو اقتراح يطالب مرسي بالانسحاب لصالح صباحي، لتكون جولة الإعادة بين صباحي وشفيق.

منذ زيارة أنور السادات للقدس عام 1977، جرت في النهر مياه عكّرت الصفو أحياناً، ولم تفلح الأكاذيب في الترويج لسراب اسمه السّلام مع العدو؛ ففي لحظة كاشفة تبيّن، بعفوية فاجأنا بها جيل ولد في "حضّانات السلام"، أن العدوّ في الوعي الجمعي هو إسرائيل. وانفجر الغضب الشعبي بسبب صورة للممثل المصري الساذج محمد رمضان مع أحد المغنّين الصهاينة، في دبي في نوفمبر 2020. ودلالة ثورة 25 يناير 2011، أيضاً، أنها استقرت في الوعي الجمعي، ربما جاءت قبل أوانها، قبل نضج ثقافي كاف يحصّنها من شرور الحالمين بثمارها، ولكن الإيمان يقترب من حدود اليقين بأنها خير وأبقى من سكون قاتل يسمّونه الاستقرار.

الثورة استحقاق حين لا يجدي الإصلاح. ولا تتأخر الثورات عن موعدها، بعد استنفاد المخزون الثنائي التقليدي للتسكين والتغييب: الدين والوطنية. وإذا كان ابن رشد يرى أن تجارة الدين تجد رواجاً حيث يشيع الجهل، فإن تجارة الوطنية أكثر رواجاً في مجتمعات مريضة بالجهل والخوف من عدوّ مصطنع. وما أتعس ضحايا التدين الشكلي والوطنية القاهرة.

ستأتي الثورة في حينها بما يطمئن روح جورج طرابيشي، وبما يعيد الروح إلى ميدان التحرير، وكل ميادين التحرير الحالمة بالعدل والحرية، ولن يكون ضحاياها هؤلاء النبلاء الذين صدق فيهم قول ولي الدين يكن (1873 ـ 1921): "مساكين هم أنصار الحرية، يأتون ليفكوا عنها إسارها، فيقعون في الأسر".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard