"تطوير ميدان التحرير" خطوة في طريق محو ذكرى ثورة 25 يناير

السبت 25 يناير 202004:14 م

لا أؤمن أن التاريخ يكتبه المنتصر، بل الجميع، من أنظمة دولة وكتّاب سلطة ومقهورين ومؤرخين وسجناء، وعلى القارئ ألا ينحاز لفئة دون أخرى، لأن عندها سيكون مخطئاً، لذلك لا يساورني شك أن ثورة 25 يناير التي تحل ذكراها اليوم، والتي شاركت فيها وآمنت بها وسأظلّ أدافع عنها، ستبقى في التاريخ، وستعرف الأجيال المقبلة أن هناك ملايين احتشدت وأطاحت بديكتاتور اسمه مبارك.

لكن مقابل هذا اليقين، فإن مساحة تواجد أي ثورة في التاريخ وتسليط الضوء عليها أمر يعود للمنتصر، الذي بإمكانه اعتبار يوم قيام الثورة إجازة، كجزء من التذكير السنوي بما حدث، وبيده أيضاً إقامة متاحف ونُصب للشهداء وإضافة ما حدث للمقررات الدراسية، وهذا ما يجعل بعض الثورات معروفة في التاريخ وأخرى تحتاج لأن تنقب عنها.

ولأن الثورات "درجات"، فلدينا ثورات "5 نجوم" مثل ثورة يوليو 1952 التي حصلت على كل الامتيازات، لأن من قاموا بها تولوا الحكم، فباتت ذكراها إجازة رسمية، ولها متاحفها ومذكورة في منهاج التعليم الأساسي، كما لدينا ثورات "3 نجوم" مثل ثورة 1919، التي أنشأ من قاموا بها حزباً يحمل مبادئها بجانب تولي قادتها الحكم لفترات، أما ما دون الثورتين فهي ثورات "النجمة الواحدة"، مثل ثورة القاهرة الأولى التي لا نعرف عنها سوى أنها قامت فقط في عام 1798.

تشويه سمعة الثورة المستمر من خلال معظم وسائل الإعلام المملوكة للدولة، جعل الكثيرين يفضلون الابتعاد عن الحديث عن 25 يناير، وهو ما ساهم في خفوت نجم الثورة التي لم يمر عليها عقد من الزمان

هذا التقسيم دفعني للسؤال عن مصير ثورة 25 يناير، ويبدو أن الإجابة غير متفائلة، بعد أن قررت الدولة محو كل ما يتعلق بها، بداية من المكان "ميدان التحرير" وتاريخ قادتها واستمرار الهجوم عليها وعليهم ليل نهار، لكن كيف حدث ذلك على مدار السنوات الماضية؟

البداية في 2011 وبعد الإطاحة بمبارك مباشرة، حين تكرر الطلب بإقامة نُصب تذكاري في ميدان التحرير كخطوة أولى لتخليد شهداء الثورة، ورغم كثرة المطالب وتعددها وإقامة مسابقات لاختيار أفضل فكرة لهذا النصب، ظل الأمر مجرد حديث لا غير.

تجاهل هذا المطلب على مدار تسع سنوات لم يكن من قبيل الإهمال، والدليل سلوك الدولة تجاه شهداء الجيش والشرطة أو المدنيين سقطوا نتيجة عمليات إرهابية، فتخليدهم جرى على قدم وساق، بداية من إطلاق أسمائهم على ميادين، مثل ميدان هشام بركات، النائب العام الذي سقط ضحية عملية إرهابية أو على مدارس، بجانب مسابقات في المحافظات لإقامة نُصب تذكارية لهم.

الخطوة الأولى هي عدم التخليد، والاكتفاء بالإشارة لثورة 25 يناير في ديباجة دستور 2014، أما الخطوة الثانية فتشويه كل من برز كقائد لتلك الثورة أو شارك فيها بفاعلية، خاصة هؤلاء الذين أسسوا حركات ثورية، وذلك باتهامات الخيانة، تلقي تمويلات خارجية، السجن أكثر من مرة والعيش تحت المراقبة، وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات هناك إسراء عبد الفتاح، القابعة خلف القضبان بتهمة الانضمام لجماعة محظورة، وهي تهمة جاهزة ويتم تلفيقها لكل معارض للنظام، أما وائل غنيم فهو يعيش خارج مصر، ووصل لحالة من اليأس بدت ظاهرة في ما يبثه من مقاطع فيديو له، والقائمة تطول.

ليست محاولة تطوير وإن حلفوا، ولا يؤمنون بالحرية وإن أقسموا بذلك، كل ما حدث هو محاولة للمحو، وإضفاء ثوب رسمي على ميدان يخص الشعب لا الدولة، وأرض تنتمي للحرية لا لأنظمة ديكتاتورية

تشويه السمعة المستمر من خلال معظم وسائل الإعلام المملوكة للدولة، جعل الكثيرين يفضلون الابتعاد عن الحديث عن 25 يناير، وهو ما ساهم في خفوت نجم الثورة التي لم يمر عليها عقد من الزمان.

ما أسموه "تطوير ميدان التحرير" خطوة ثالثة في طريق "محو" أي ذكرى تتعلق بثورة 25 يناير، وبحسب المنشور فإن هذا التطوير يشمل نقل مسلة فرعونية من منطقة "صان الحجر" الأثرية، لوضعها في وسط الميدان بجانب دهان المحال والعقارات المجاورة، وباعتقادي سيتم محو بعض رسوم الجرافيتي الباقية في مدخل شارع محمد محمود، وينتهي "التطوير" بوضع 4 كباش، سيتم نقلهم من معبد الكرنك، تمثل جسد أسد ورأس كبش، وهو الرمز المقدس للمعبود "آمون رع".

سيتم تطوير الميدان وسيتزين بالآثار الفرعونية، وتمر سنوات يأتي فيها سائحون لن يشاهدوا سوى مسلّات وكباش، وربما بعض المرشدين يحكون تاريخ كل أثر، لن يُخبرهم أحد أننا روينا هذا الميدان بدمائنا في سبيل الحرية، ولن يخبرهم أحد أن تلك الآثار محاولة للتغطية على لحظة رفض فيها الملايين الظلم وآمنوا بالحرية، وربما تأتي أجيال من صلبنا لا تعرف سوى أنه منذ سنوات طويلة كانت هنا ثورة، لكن ليس لها أي أثر إلا بين أوراق الكتب.

ليست محاولة تطوير وإن حلفوا، ولا يؤمنون بالحرية وإن أقسموا بذلك، كل ما حدث هو محاولة للمحو، وإضفاء ثوب رسمي على ميدان يخص الشعب لا الدولة، وأرض تنتمي للحرية لا لأنظمة ديكتاتورية، حتى ديباجة الدستور الباقية ستُمحى ذات يوم، وليس لنا أمل سوى أن تأتي سلطة تعيد للثورة تاريخها، وللشهداء حقهم، وللميدان حقيقته، أو ستكون ثورتنا بـ"نجمة واحدة" تحتاج للتفتيش لتعرف أنها حصلت فقط.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard