المصالحة الخليجية... ما مصير الملفات العالقة بين القاهرة والدوحة؟

الأربعاء 13 يناير 202104:07 م

في أول زيارة لمسؤول قطري بعد مقاطعة امتدت لثلاث سنوات ونصف، وصل وزير المالية القطري علي شريف العمادي إلى مصر في الأسبوع الأول لشهر كانون الثاني/ يناير الحالي.

وبينما أعلنت القاهرة أنه أتى على رأس وفد قادم من السعودية، بعد ساعات من "قمة العلا" التي عُقدت في الخامس من الشهر الحالي، أظهرت مصادر البيانات المفتوحة التي تحقق منها رصيف22 أن الوزير القطري وصل من الدوحة، على متن طائرة AIRBUS ACJ319-133X تابعة للطيران الأميري القطري مسجلة بـA7-HHJ.

وفقاً لفيديو نشرته قناة "العربية"، وباستخدام أحد مواقع تتبع حركات الطائرات، يظهر أن طائرة العمادي أقلعت من مطار حمد الدولي في تمام الساعة 9:15 صباح الثلاثاء في الخامس من كانون الثاني/ يناير ووصلت إلى مطار لم يسمه الموقع في تمام الـ12:39 دقيقة مساءاً، في رحلة استغرقت ثلاث ساعات و24 دقيقة (تبلغ رحلة الطيران المباشر بين الدوحة والقاهرة ثلاث ساعات و30 دقيقة تقريباً).

وعلى خلاف الإعلان الرسمي في القاهرة، يتبيّن أن توقيت تحرك العمادي من الدوحة إلى مصر يسبق توقيت توقيع المصالحة، وهي النقطة الثانية التي أخفتها القاهرة، علاوة على أن إعلان الزيارة تم حوالي السادسة مساء، في نبأ عاجل نقلته وسائل الإعلام المصرية والعالمية، أي بعد وصول الوزير بحوالي ست ساعات كاملة.

مغالطات القاهرة

بدا عدم رضى القاهرة عن المصالحة أو بنودها واضحاً للمتابعين لمواقفها وتحركاتها وتصريحات مسؤوليها. في هذا السياق، قد يأتي واقع إنكارها أن طائرة وزير المالية القطري أقلعت من الدوحة، وهو ما يفسره الباحث في الشأن الخليجي والإيراني هاشم بقلي بأن القاهرة تحفظ ماء وجهها أمام الرأي العام الداخلي، فكيف يمكن لها أن تُفسّر لشعبها سر التغيير المفاجئ في سياستها الهجومية بحق النظام القطري، علاوة على أنها تمارس أيضاً ضغوطاً على قطر من ناحية، والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، حتى تحصد أكبر قدر من المكاسب.

مفاوضات مالية 

عكَسَ اهتمام وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين بحضور مقابلة وزير المالية القطري ونظيره المصري وجود مفاوضات مالية غير معلنة بين القاهرة والدوحة، بينما اختُتم اللقاء بافتتاح الوزراء الثلاثة فندق "سانت ريجيس" المملوك لشركة "الديار" القطرية، المعطل منذ سبع سنوات، بدعوى انتظار موافقة اشتراطات اﻷمن والسلامة التي حصل عليها الفندق بالفعل، مطلع العام الماضي.

ويشير بقلي إلى أن "القاهرة غير راضية تماماً عن شروط وبنود المصالحة"، على اعتبار أن "قطر تمكنت فعلياً من التفوق على دول المقاطعة الأربع، والتنصل من تنفيذ مطالبها الـ13 والتوقف عند مجرد التنازل على القضايا التي أقامتها قطر ضد دول المقاطعة"، وفق الباحث.

ضغطٌ لقبول المصالحة

يعتبر الباحث محمد محسن أن بنود المصالحة العربية بدأت في التكشف بعد الأحداث الأخيرة على الساحة الإقليمية. برأيه، رضخت السعودية لمطالب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتصالح مع قطر، مقابل أن تُصنّف الحكومة الأمريكية الحوثيين جماعة إرهابية.

وكما يرى الباحث، يُعتبر ذلك انتصاراً نسبياً للمملكة ويساعد في ضمان تفوق نسبي لها في المعركة الحربية الدائرة هناك منذ خمس سنوات وتستنزف مليارات الدولارات من ميزانية المملكة التي شعرت أنها علقت في معارك غير محسومة أو واضحة نتائجها، كما أنه يمثل تفوقاً نسبياً للسعودية على خصمها اللدود إيران.

بدا عدم رضى القاهرة عن المصالحة أو بنودها واضحاً للمتابعين لمواقفها وتحركاتها. في هذا السياق، قد يأتي واقع إنكارها أن طائرة وزير المالية القطري وصلت مطلع الشهر الحالي من الدوحة وليس السعودية كما ادعت... ما أبرز الملفات العالقة بين مصر وقطر؟

ويعتبر محسن أن عدم حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي القمة الخليجية في مدينة العلا كان بمثابة اعتراض واحتجاج لعدم استجابة قطر لمطالب القاهرة، خاصة الهجوم الإعلامي ضد الحكومة المصرية ودعم جماعة "الإخوان المسلمين"، موضحاً أن مشاركة وزير الخارجية المصري سامح شكري جاءت بعد ضغوط سعودية وأمريكية مقابل بعض الاستثمارات القطرية في مصر.

ويشير محسن إلى الاتفاق على تشكيل لجان مشتركة للتفاوض حول بعض الملفات العالقة، بينها ملف الإخوان والدعم المستمر من قطر لقيادات الجماعة، وملف دعم قطر للإعلام والهجوم الإعلامي الذي تمارسه "الجزيرة" ضد النظام المصري، وملف العمالة المصرية في قطر، وإيواء قطر لقيادات ورموز الإخوان، مرجحاً أن تطالب القاهرة قطر تسليم القيادات التي صدرت بحقها أحكام قضائية أو المطلوبين على ذمة قضايا.

في المقابل، يتوقع محسن أن يتم إرجاء مناقشة بعض الملفات ذات الطابع السياسي على حساب الملفات الاقتصادية التي تمثل أولوية قصوى للقاهرة الآن، لمواجهة الركود في الاقتصاد المحلي، خاصة بعد انتشار جائحة كورونا وتأثيرها سلباً على شتى مجالات الاقتصاد.

ويعلّق بالقول: "راهنت القاهرة على توطيد علاقاتها مع الرياض مستقبلاً، على حساب علاقاتها مع الإمارات التي شهدت بعض التوترات في الفترة الأخيرة، خاصة بعد التضارب الكبير في مصالح كلا البلدين في بعض الملفات ذات الاهتمام المشترك، على رأسها الملف الليبي والإثيوبي واليمني".

دعم قطر لجماعة الإخوان

وعن الملفات العالقة بين القاهرة والدوحة، يأتي دعم الأخيرة لجماعة الإخوان في مقدمة الملفات الخلافية بين الدولتين.

يتوقع الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد آدم أن تكون جماعة الإخوان هي الخاسر الأكبر من المصالحة الخليجية، فالمعلومات المتاحة عن بنودها، حتى الآن، تُشير إلى أنها اشترطت وقف الدعم الكبير الذي تقدمه قطر للجماعة، واحترام سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها.

ملف العمالة المصرية في قطر يشغل أهمية كبيرة لدى دوائر صنع القرار في مصر، وستجري مفاوضات بين الطرفين خلال الفترة القليلة المقبلة من أجل تخفيف حدة الإجراءات العدائية بحقهم والتي شملت حظر دخول المصريين إلى قطر 

في المقابل، يعتبر آدم أن الإخوان يسعون لاستغلال المصالحة، لافتاً إلى أن المتحدث باسم الإخوان طلعت فهمي أعلن عن موافقة الجماعة على الحوار مع الحكومة المصرية وفقاً لستة مطالب، شملت "الإفراج عن السجناء المنتمين والموالين للجماعة، وعودة الجيش لثكناته، ورد المظالم، ومحاسبة كل من أخطأ، وتمكين الشعب من اختيار من يحكمه بالطريقة الديمقراطية".

ويضيف آدم أن حديث الجماعة عن المصالحة ليس جاداً، بقدر ما هو رسالة سياسية تسعى لامتصاص غضب القواعد التنظيمية للجماعة وتبديد مخاوفهم من وقف الدعم القطري لهم، وهو أيضاً إثبات مبدأ حسن النية عند الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الرئيس المنتخب جو بايدن، لإظهار الإخوان كجماعة إصلاحية منفتحة على الحوار والديمقراطية.

يُردف آدم متابعاً الحديث عن دعوة الجماعة للحوار باعتبارها تشكل إحراجاً للنظام المصري الذي يؤكد باستمرار أن لا تصالح مع الإخوان، فيُظهر الجماعة بمظهر المستضعفين المغلوبين على أمرهم لكسب مزيد من التعاطف من إدارة بايدن، في ظل الإجراءات المعادية وحملة الضبط المستمرة من الحكومة على الموالين والمنتمين لها.

العمالة المصرية في قطر

ثاني الملفات العالقة بين الدوحة والقاهرة هي الدعم القطري لفضائيات الإخوان المسلمين، بحسب الخبير في الشؤون الخليجية والإيرانية حمد تلاوي الذي يقول إن هناك معلومات تفيد بتراجع الدعم القطري لفضائيات الإخوان، وأن هذه الفضائيات ستختفي وسيتوقف بعضها تماماً خلال أشهر قليلة.

من ناحية أخرى، يقول تلاوي إن ملف العمالة المصرية في قطر يشغل أهمية كبيرة لدى دوائر صنع القرار في مصر، وستجري مفاوضات بين الطرفين خلال الفترة القليلة المقبلة من أجل تخفيف حدة الإجراءات العدائية بحقهم والتي شملت حظر دخول المصريين إلى قطر ووقف العقود الممنوحة من الشركات القطرية أو الدولية العاملة في قطر إلى العاملين المصريين، وممارسة تضييقات كبيرة بحق العاملين بالفعل لدى الشركات القطرية شملت تسريح بعضهم وتضييق الخناق الأمني على العمالة غير المقننة، علاوة على خفض رواتبهم.

ويوضح أن شعبة العمالة المصرية في الخارج أوقفت فعلياً توريد عمالة إلى قطر منذ بدء المقاطعة، لافتاً إلى أن التوصل إلى اتفاق حول هذا الملف تحديداً أمراً ليس صعباً، بالنظر إلى حجم الفرص والتحديات التي تواجه كلا الدولتين، مرجحاً ألا يشكل ملف دعم قطر لقيادات جماعة الإخوان المسلمين أزمة كبيرة بين البلدين، خاصة بعدما انتقل عدد كبير منهم للإقامة في تركيا ويسعى أكثرهم إلى الحصول على الجنسية التركية لضمان عدم تسليمه إلى الحكومة المصرية، في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين الأطراف المعنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard