"دخولُ بيت الضباع".. أسباب زيارة وفد استخباراتي مصري لطرابلس

الاثنين 11 يناير 202102:17 م

مع نهاية عام 2020، طوت مصر صفحة خلافاتها مع حكومة غربي ليبيا، بعد قطيعة استمرت ما يقرب السبع سنوات، وذلك من خلال زيارة وفد من وزارة الخارجية والاستخبارات المصرية إلى العاصمة طرابلس.

عندما عادت مصر إلى طرابلس لم تجدها كما تركتها عام 2014، بعدما بات لتركيا نفوذ يفوق كل القوى الإقليمية المتصارعة في ليبيا، ومع ذلك تسعى القاهرة لأن توازن النفوذ التركي.

وكانت مصر خلال فترة القطيعة تدعم المشير خليفة حفتر المسيطر على شرقي البلاد، والذي فشل في السيطرة على طرابلس، بعدما دعت حكومة الوفاق أنقرة للتدخل من أجل الدفاع عنها.

نهجٌ جديد

في تغيير مفاجئ في سياستها الخارجية، أرسلت مصر وفداً إلى العاصمة الليبية طرابلس، في 28 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، التقى مسؤولين من حكومة الوفاق التي طالما اعتبرتها القاهرة غير شرعية وطالبت بإسقاطها من خلال دعم هجوم حفتر الأخير.

بحسب السفير المصري حسين هريدي، وهو مساعد وزير الخارجية السابق، فإن القاهرة تتبنى النهج الذي أقره مؤتمر برلين في كانون الثاني/ يناير الماضي، وهو الحل السياسي واستبعاد الخيار العسكري، وعليه لم تكن هذه الزيارة تغييراً في الموقف لأنها لم تدعم الحرب من بداية الأمر، على حد زعمه.

وقال هريدي لرصيف22: "تحاول الإدارة المصرية فتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف، حيث استقبلت ممثلين من أقاليم ليبيا المختلفة، سواء من الشرق أو الجنوب أو الغرب".

وتضمّن جدول زيارة الوفد المصري لقاءاً مع وزير الداخلية فتحي باشاغا الذي يُعرف بعلاقاته الوثيقة مع أنقرة. وقدم باشاغا للوفد لوحة لفنان ليبي كهدية في صورة عكست ترحيباً حاراً بالمسؤولين المصريين.

من جانبه، رأى المحلل السياسي الليبي عبد العزيز أغنيه أن مصر تدير معركة أمنها القومي والتهديدات التي تشكلها المجموعات المسلحة والمليشيات التي يديرها الإسلام السياسي في ليبيا بطرق عدة، وإحدى هذه الطرق تتضمن العمل الاستخباراتي والدبلوماسي.

وأضاف أغنيه موضحاً رأيه، في حديث لرصيف22: "لا يُعتبر هذا تقارباً مع الوفاق بقدر ما يعتبر دخولاً لبيت الضباع ومحاولة فهمه من الداخل، وأعتقد أن مصر تدير المعركة بشكل آخر".

مع نهاية عام 2020، طوت مصر صفحة خلافاتها مع حكومة غربي ليبيا، بعد قطيعة استمرت ما يقرب السبع سنوات، وذلك من خلال زيارة وفد من وزارة الخارجية والاستخبارات المصرية... عندما عادت مصر إلى طرابلس لم تجدها كما تركتها عام 2014، فما الذي تغيّر مع حفتر و"الوفاق"؟

لا يتفق الكاتب والباحث السياسي الليبي فرج فركاش مع كل من هريدي وأغنيه، إذ يعتبر أن هناك تغييراً ظاهراً في الخطاب الإعلامي المصري تجاه حكومة الوفاق.

بعد فشل حفتر في دخول طرابلس، لم تعد وسائل الأعلام المصرية والتي تتحكم فيها الدولة، تنشر بيانات المتحدث العسكري باسم شرقي ليبيا أحمد المسماري بذات الزخم الذي كانت عليه من قبل.

بحسب المتحدث باسم خارجية حكومة الوفاق، فإن الوفد وعد بدراسة خطط إعادة فتح البعثة الدبلوماسية المصرية في طرابلس، واستئناف الرحلات الجوية بين طرابلس والقاهرة.

وناقش المسؤولون المصريون تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، ونتائج المحادثات العسكرية والأمنية بوساطة الأمم المتحدة بين الفصائل المتحاربة فضلاً عن إجراءات بناء الثقة.

وعقب الزيارة، أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري محادثة هاتفية مع نظيره في حكومة الوفاق محمد طه سيالة، أكد فيها أن الزيارة كانت علامة فارقة ومهمة لتعزيز التعاون بين الجانبين، معرباً عن امتنانه لحكومة الوفاق على الترحيب الحار بالوفد.

كما رحب بالزيارة العدو اللدود لمصر في ليبيا، وهو حزب "العدالة والبناء"، المعروف بكونه الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين الليبية.

وقالت الجماعة في بيان إن على الجانبين العمل معاً من أجل استقرار ليبيا رغم خلافاتهما، بينما استبعد أغنيه أن تنخدع القاهرة بهذا البيان، مؤكداً أن الإسلام السياسي معركته للسيطرة على مصر وهو صراع مستمر بين الجانبين.

هل تتخلى مصر عن حفتر؟

في رأي عدد من المحللين، فإن زيارة الوفد المصري إلى طرابلس ستعطي القاهرة أفضلية عن باقي الفاعلين الدوليين في المشهد الليبي، لأنها ستحظى من خلالها بعلاقات طيبة مع الجميع.

وذكر هريدي أن لقاء المسؤولين المصريين مع أعضاء حكومة الوفاق يعني أن القاهرة مقتنعة بالحل السياسي، ولا تدعم الحل العسكري، وتريد الحوار بين أطراف النزاع.

من جانبه، قال الكاتب السياسي الليبي فرج فركاش إن الزيارة تهدف الى التهدئة، والتركيز على المسار السياسي الذي يخدم استقرار البلدين وإعادة تفعيل الاتفاقيات المشتركة بين البلدين ووقف أي صراع جديد في سرت والجفرة.

وأضاف فركاش لرصيف22: "الجانب المصري، بحكم حظوته وعلاقته بالمعسكر السياسي والعسكري في الشرق الليبي، يمكن أن يكون أكثر توازناً مع كل الأطراف في ليبيا حتى يمكن له لعب دور وسيط هام وحيوي في تقريب وجهات النظر بين الأشقاء الفرقاء في ليبيا".

بموازاة ذلك، تساءل كثيرون عما إذا كانت الاتصالات الأخيرة بين القاهرة وطرابلس ستقلل من نفوذ تركيا على حكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك، أشار هريدي إلى أنه يستبعد أن يكون التواصل المصري هدفه مطالبة الوفاق تقليل النفوذ التركي، مشيراً إلى أن الزيارة كانت ستحدث في كل الأحوال، سواء بوجود الأتراك أو غيرهم، والقاهرة تطالب بخروج كل الوجود الأجنبي.

وجاءت زيارة الوفد المصري إلى طرابلس، بعد زيارة لرئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية عباس كامل إلى بنغازي، في 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أكد خلالها لحفتر على استقرار الدعم العسكري والسياسي المصري لاستقرار ليبيا.

في المقابل، يشير محللون إلى أن زيارة الوفد المصري هي اعتراف بشرعية حكومة الوفاق، بعدما دعمت القاهرة خصمها حفتر في الصراع للسيطرة على طرابلس.

في رأي هريدي، فإن القاهرة تفتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف، ولا تتخلى عن طرف على حساب طرف آخر، خصوصاً قوات شرق ليبيا التي تُعد أحد أهم الشركاء في محاربة التطرف.

وبعيداً عن الأهداف السياسية، أثارت هذه الزيارة تفاؤلاً كبيراً من الناحية الاقتصادية، إذ يأمل الآلاف من المصريين العاملين بتحسن العلاقات مع طرابلس للعودة للعمل في المناطق الغربية الغنية.

ويؤكد مساعد وزير الخارجية السابق أن الفوائد الاقتصادية لا تقل أهمية عن السياسية والأمنية، إذ من المفترض أن تبدأ ليبيا في طرح مشاريع ضخمة لإعادة الإعمار، ومصر لديها اليد العاملة الكافية للمشاركة فيها.

التخلي عن الإمارات

في رأي الباحث المتخصص في الشأن الليبي في "معهد كلينجنديل" في لاهاي جلال حرشاوي، فإن مصر تهدف إلى تطبيع العلاقات مع حكومة طرابلس ومحاولة تجنب هجوم عسكري محتمل على سرت والهلال النفطي في البلاد.

جاءت زيارة الوفد المصري إلى طرابلس، بعد زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية إلى بنغازي أكد خلالها على دعم حفتر... مع ذلك، يشير محللون إلى أن زيارة الوفد المصري هي اعتراف بشرعية "الوفاق"، في تقارب مع روسيا واختلاف مع الإمارات حول الملف الليبي

وكان حرشاوي قد قال لموقع "المونيتور" الأمريكي إنه يعتقد أن الزيارة هي مؤشر آخر على أن مصر تحاذي سياساتها في ليبيا مع روسيا، وتبتعد عن الإمارات، منذ حصار طرابلس ومحاولة السيطرة عليها.

وأضاف حرشاوي: "في الأشهر التي سبقت هجوم حفتر في نيسان/ أبريل عام 2019 على طرابلس، كان رأي كل من القاهرة وموسكو أن هذه الخطوة ستؤدي إلى نتائج عكسية. لكن أبو ظبي مضت قدماً وشنت حملة جوية كبيرة لدعم هجوم حفتر، ومنذ تلك اللحظة، شعرت القاهرة براحة أكبر مع موسكو من استبداد أبو ظبي العنيد".

وقال حرشاوي إن موسكو تعمل بهدوء وبشكل تدريجي لجعل حفتر "أقل وأقل ضرورة"، وعلى الرغم من أن القاهرة وموسكو لا تتفقان على كل التفاصيل، إلا أن "النهج الروسي أكثر منطقية" لمصر بدلاً من "الفلسفة الصارمة" للإمارات.

وأضاف: "في الوقت الحالي، ترغب مصر في تجنب هجوم حكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا على سرت والهلال النفطي"، معتبراً أن السياسة الإماراتية محكوم عليها بالفشل منذ البداية، نظراً للمشاركة العسكرية القوية لتركيا في شمال غرب البلاد، كما أن المصريين يفضلون تأجيل الحرب لصالح إحياء العلاقات الاقتصادية مع طرابلس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard