من أهم أدوات قيادتهم... كيف لعبت الرؤيا دوراً في عمل الإخوان المسلمين؟

الخميس 7 يناير 202105:08 م

في ثقافة الإخوان المسلمين، كانت الرؤيا أحد أهم أدوات القيادة في مخاطبة قاعدتها الجماهيرية، حتى أن جذور تأسيس الجماعة تعود بجزء منها إلى رؤيا لمؤسسها حسن البنا، دفعته إلى الانضمام لطريقة صوفية، فتعلم فيها هيكل بناء التنظيم.

وكان البنا كثيراً ما يُبرّر أفعاله بأنها "أمر من الله"، وكانت الرؤيا أداته ليُقنع أتباع الجماعة بأن "الأمر" أو "التقدير من الله" أتاه في المنام.

بعد البنا، استندت قيادات الإخوان، خاصة في فترات الأزمات، إلى عشرات الرؤى الأسطورية لدغدغة مشاعر الأنصار بأن المخرج الإلهي في الطريق إليهم، وذلك في ظل غياب الرؤية العلمية لحل مشكلاتهم.

رؤيا حسن البنا

يعود الباحث في الجماعات الإسلامية سامح عيد، في حديثه لرصيف22، إلى أن البنا كان يُصوّر نفسه نبياً، ويلجأ دائماً لآيات القرآن فيستخدم منها ما ينعكس عليه، كـ"قل أوحي إلي"، و "أني لكم نذير مبين" و"اتبعوني يحببكم الله".

وقال عيد، وهو عضو سابق في جماعة الإخوان، إن البنا كان يستخدم هذه الطريقة، وتحديداً الرؤى، ليُصوّر للآخر أن أفكاره توحى له ولا تأتي من تلقاء نفسه، وهو ما ساعده كثيراً على تجنّب الدخول في جدل مع الأتباع الذين كان عليهم القبول دون مناقشة.

وكان عدم الدخول في الجدل من أبرز سمات الصوفية الحصافية، فضلاً عن السمع والطاعة والكرامات، وهي أمور راقت للبنا وجذبته لها، ودفعته في ما بعد ليؤسس جماعة يتمتع فيها بذات الصفات، وفقاً لعيد.

في مذكراته "الدعوة والداعية"، تحدث البنا عن انضمامه إلى الطرق الصوفية بعدما رأى في منامه حسنين الحصافي، وهو شيخ الطريقة الحصافية الشاذلية.

و"كان الحصافي عالماً أزهرياً تفقّه على مذهب الإمام الشافعي ودرس علوم الدين دراسة واسعة وامتلأ منها وتضلّع فيها، ثم تلقى بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره"، على حد قول البنا في "مذكرات الدعوة والداعية".

حكى البنا الرؤيا، قائلاً: "ذهبت إلى مقبرة البلد فرأيت قبراً ضخماً يهتز ويتحرك، حتى انشق فخرجت منه نار عالية امتدت إلى عنان السماء وتشكلت، فصارت رجلاً هائل الطول والمنظر اجتمع الناس عليه من كل مكان فصاح فيهم وقال ′أيها الناس: إن الله قد أباح لكم ما حرم عليكم، فافعلوا ما شئتم′".

كانت الرؤى إحدى أهم أدوات قيادة الإخوان في مخاطبة القاعدة الجماهيرية، حتى أن جذور تأسيس الجماعة تعود بجزء منها إلى رؤيا لمؤسسها حسن البنا... من المؤسس إلى زينب الغزالي وحميدة قطب ومحمد بديع وآخرين، كيف لعبت الرؤى دوراً في عمل الجماعة؟

وأضاف البنا قائلاً: "انبريت له من وسط هذا الجمع وصحت في وجهه كذبت والتفتُّ إلى الناس وقلت لهم: أيها الناس هذا إبليس اللعين وقد جاء يفتنكم عن دينكم ويوسوس لكم فلا تصغوا إلى قوله ولا تستمعوا إلى كلامه... عدوت أمامه بأقصى سرعتي، وقبل أن يدركني ظهر الشيخ وتلقاني في صدره واحتجزني بيساره ورفع يمناه، مشيراً بها إلى هذا الشبح صائحاً في وجهه: ′اخسأ يا لعين′، فولى الأدبار واختفى".

اعتبر البنا أن هذه الرؤيا رسالة إلهية للإنضمام إلى الطرق الصوفية، فيقول: "استيقظت وكلي شوق وتقدير وترقب لحضور السيد عبد الوهاب الحصافي نجل الشيخ - رحمه الله - لأراه وأتلقى عنه الطريقة".

يلاحظ كثير من الباحثين أن البنا استفاد من تجربته في الانضمام إلى الصوفية، إذ تعلّم منهم كيفية بناء هيكل التنظيم أو الجماعة، ومبدأ السمع والطاعة بين الشيخ ومريده.

واعترف البنا بأثر الصوفية في تكوينه واستفادته منها في تأسيس جماعة الإخوان، في مقولته الشهيرة: "نحن دعوة سلفية، وطريقه سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وروابط علمية ثقافية، وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية".

وعن مدى تأثر الجماعة بأفكار ومنهج الحصافية، يوضح القيادي الإخواني محمد سودان لرصيف22: "لا يحضر أي شيء من الحصافية في مناهج الإخوان الآن، لكن هناك ما تبقى من ذلك مثل أذكار الصباح والمساء وأذكار ما قبل النوم ورد الاستغفار". ويشير إلى أن "منهج الجماعة يربي النشء على الرقائق من قصة وموعظة ترقق القلب وتدفعه إلى التوبة"، والتجمع في صلاة التهجد وقيام الليل، والمحافظة على صيام يومي الاثنين والخميس، والحفاظ على الورد القرآني اليومي، وعيادة المريض، وقضاء حوائج الناس بلا مقابل، وغيرها من الأمور الكثيرة التي تعمل على رفع إيمانيات الإخوانيين.

ولم تقتصر رؤى البنا على منام الإنضمام إلى الصوفية، بل ادعى في ذات الكتاب أنه من أصحاب الكرامات، فقال: "ما زلت أذكر أن ليلة امتحان النحو والصرف رأيت في ما يرى النائم أنني أركب زورقاً لطيفاً مع بعض العلماء الفضلاء الأجلاء يسير بنا الهوينا في نسيم ورخاء على صفحة النيل الجميلة".

ويحكي عن كراماته أنه حينما كان طالباً، رأى في منامه الامتحان وجاءته ذات الأسئلة التي رأها في نومه، فيقول: "تقدم أحد هؤلاء الفضلاء قائلاً لي: "أين شرح الألفية لابن عقيل؟ فقلت: ها هو ذا. فقال: ′تعالى نراجع فيه بعض الموضوعات، هات صفحة كذا، وصفحة كذا، وحدّد صفحات بعينها′، وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحاً مسروراً".

يلفت العديد من الكتاب إلى أن مسيرة البنا مع الرؤيا بدأت بما رأتها جدته لأبيه أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي، وكان لها دور في تحويل مسار حياة البنا الأب، إذ رأت الجدة وهي حامل رؤيا تخبرها أن المولود القادم ذكر وأنها يجب أن تسميه أحمد ويجب أن يحفظ القرآن.

يذكر الكاتب السعودي ناصر الحزيمي أن الرؤيا حوّلت مسار البنا الأب من فلاح إلى طالب علم شرعي كما أرادت الجدة، وذهب أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي إلى الكُتاب في سن الرابعة وحفظ القرآن مبكراً وشبّ وتاقت نفسه الى الاستزادة من طلب العلم الشرعي فسافر إلى الإسكندرية وتعلم هناك بعض العلوم الشرعية.

في كتاب "الباقوري ثائر تحت العمامة"، ذكرت الصحافية المصرية نعم الباز التي عايشت مرشد الجماعة الأول أن البنا أوصى بتعيين نائبه الأول أحمد حسن الباقوري خليفةً له.

واستند هذا الاختيار إلى رؤيا أبلغ بها الباقوري، فقال له: "أنا رجل أرى المنام ومنّ الله علي بأن يحدث كما أراه، لقد رأيت رسول الله يركب ناقة ومعه أبو بكر، وأنا أقود زمامها، وإذا هذا الزمام ينقطع من يدي فجأة ويأخذه من لا أعلم".

وأضاف البنا: "أوّلت ذلك أنني لن أتابع الوصول إلى الغاية التى أريدها بالدعوة، ولكنني أخذت على نفسي عهداً بأن نظل في هذه الدعوة نتوارثها واحداً عن واحدٍ حتى نلقى الله بحيث لا تنحلّ الدعوة، إذا اختفيت فأنت مكاني، ارع الإخوان واصنع ما يرغبون مما يقيم حياتهم".

زينب الغزالي وحميدة قطب

حسب معلومات عيد، فإن الاعتماد على الرؤيا انتقل من البنا إلى سيد قطب وعائلته والمحيطين الذين تأثروا بالنزعة الصوفية لمؤسس الجماعة.

وأكد عيد وجود تيارين داخل الإخوان، الأول يؤمن بمنهج الرؤيا وهم المتأثرين بالصوفية، وهناك تيار آخر متأثر بالسلفية التي عرفوها في السعودية ولا يؤمن باستخدام الرؤيا في الخطاب.

روت حميدة قطب، الشقيقة الصغرى لسيد قطب، أنها شاهدت رؤيا بأنها ستتزوج النبي محمد... لم تكن الوحيدة فالكثيرات من قيادات الإخوان ورموزها تحدثوا عن رؤى وأحلام، واستخدموها كأداة لدغدغة مشاعر الأنصار في ظل غياب الرؤية العلمية لحل المشاكل

يذكر عيد أن التيار الأول هم القطبيين، بداية من سيد قطب وعائلته وزينب الغزالي ومرشد الإخوان الحالي محمد بديع، أما التيار الآخر من رموزه عبد المنعم أبو الفتوح.

في مقطع فيديو - لم يتم تحديد تاريخه بشكل دقيق - تحدثت زينب الغزالي، أحد الرموز النسائية في جماعة الإخوان، عن ذكريات حبسها في السجن الحربي برؤيا تؤكد أن جماعة الإخوان على حق وذلك في محاولة منها حشد الشباب نحو الجماعة.

وقالت الغزالي: "أخذتني سنة من النوم، فرأيت النبي على الصلاة والسلام، يقول لي: يا زينب، التفت فوجدت يدي فوق كتفي رسول الله. فقلت: أنت يا سيدي يا رسول الله، فقال أنا محمد رسول الله، وأنتم يا زينب على الحق، فقلت: يا سيدي يا حبيبي أنا يا سيدي على الحق؟، فقال: أنتم... أنتم يا زينب يا غزالي على الحق. فقلت نحن يا رسول، وقع في قلبي وذهني وخاطري، أنه يعني أن أنتم أي الإخوان المسلمين، فقال للمرة الثالثة: أنتم يا زينب يا غزالي على الحق، وقمت من النوم وأنا ساجدة والذي أدهشني أن الصليب الذي كانوا يعلقون عليه الشباب قد ابتعد عن زنزانتي".

وفي فيديو، روت بدورها حميدة قطب، الشقيقة الصغرى لسيد قطب، أنها شاهدت رؤيا بأنها ستتزوج النبي محمد، قائلة: "كنت شفت رؤيا للرسول عليه الصلاة والسلام، والرؤيا دي كان لها معاني ذات وزن كبير، وسألت أحد المشايخ أن واحدة ولم أقل أنا خجلاً، رأت أنها ستتزوج الرسول".

في مقطع فيديو استخدمه الإعلام المصري كثيراً للهجوم على الإخوان، قال مرشد الجماعة المعتقل حالياً محمد بديع إن "الرسول نزل من مركب على النيل، وأعطى كل واحد جلابية مطبقة، وأعطاني صندوقاً مقفولاً، وقال لهم: أنا انصحكم وأنا أحوجكم إلى النصيحة ولكن أقول لكم إن جماعتكم محفوظة".

"الأساطير والرؤى إحدى أدوات التنظيمات الباطنية فى السيطرة على أتباعها وتكريس بعض المفاهيم الحركية التى تُؤمّن طاعة مريحة للقيادات وانتماء تنظيمي صارم من قبل القواعد". 

وخلال محاكمته، أعلن بديع أنه رأى النبي محمد فى المنام، قائلاً: "الرؤيا صحيحة، وليس بها تزييف، وإن شاء الله هتشربوا ماء زمزم قريباً"، فيما كان هناك شخص آخر يرد عليه ويقول الرؤيا صحيحة.

منصة رابعة

يشير عيد إلى أن الرؤيا كانت حاضرة في منصة رابعة، وذلك ضمن الخطاب الشعبوي الذي يستهدف اللعب على وتر المشاعر الدينية لحشد الأتباع.

ويؤكد عيد أن عدداً كبيراً من شباب الأخوان لا يرحب بهذا المنهج الذي يحاول دفع الأتباع بقبول الأشياء من باب هذه "إرادة الله" التي يجب القبول بها وما عليهم إلا الصبر.

في عام 2013، صعد أحد رجال الدين المنتمين إلى الإخوان ويُدعى جمال عبد الهادي على المنصة، خلال اعتصام رابعة العدوية، وقصّ على آلاف الاخوان والتابعين لهم رؤيا، أخبره بها شخص سعودي، فقال: "وصلتنا رؤيا تواترت على ألسنة الصالحين في المدينة المنورة، يقولون إنهم شاهدوا جبريل يثبت المصلين في مسجد رابعة العدوية".

وروى ذات الشخص أن رجلاً رأى مجلساً من الناس، بينهم النبي محمد، وحان وقت الصلاة، فطلب الناس من النبي أن يتقدم الصفوف ويصلي بهم، لكن النبي قال بل يؤمنا الرئيس محمد مرسي.

منهج الرؤيا

في رأي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد، بان فإن الأساطير والرؤى إحدى أدوات التنظيمات الباطنية فى السيطرة على أتباعها وتكريس بعض المفاهيم الحركية التى تؤمن طاعة مريحة للقيادات وانتماء تنظيمي صارم من قبل القواعد.

وقال بان لرصيف22: "عندما يغيب منطق العقل أو منطق النص تتقدم الرؤيا أو الأسطورة أو الحلم لتكريس المفهوم أو التكليف بشكل فوري وسهل، لذلك شاع استخدامها في عهد المرشد المؤسس وغيره من المرشدين ثم استُخدمت هذه الوسيلة بشكل كثيف فى مشهد اعتصام رابعة.

وكان من اللافت أن موقعاً مثل "مصر العربية" الذي اتُهم بتلقي تمويله من قيادي إخواني (عبد المنعم أبو الفتوح) وتم إغلاقه، نشر مقالاً للصحافي المصري عبد الوهاب شعبان ينتقد رؤى الإخوان، قال فيه: "حتى يستمر الحشد، يبدو أنه لا بد من استمرار رؤى القيادات المبشرة بالفرج، ولو على حساب غياب الرؤية الواقعية للأزمة الراهنة".

ويخاطب شعبان الشيخ جمال عبد الهادي الذي تحدث عن نزول جبريل، قائلاً: "منذ 14 أغسطس 2013، لم يخبرنا الشيخ بعد فض الاعتصام، وإراقة الدماء.. لماذا كذَبت الرؤيا؟".

في رأي شعبان، فإن القادة اطمئنوا أن الجماهير الغفيرة تستأنس بـ"رؤى" الصالحين لكن أحدهم لم يظهر بعد للقواعد قائلاً: "هذا تأويل رؤياي من قبل... قد جعلها ربي حقًا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard