"أخطر من القنبلة النووية"… كيف ستتعامل إدارة بايدن مع برنامج الصواريخ الإيرانية؟

الثلاثاء 22 ديسمبر 202006:10 م

في حال امتلكت إيران قنبلة نووية، ستحتاج إلى سلاح جوي أو صاروخ باليستي لاستخدامها. لا تمتلك إيران سلاحاً جوياً، بل طائرات عتيقة يمكن إسقاطها بسهولة بعد خروجها من الحدود، لكن طهران نجحت في تطوير برنامج صاروخي أنتج صواريخ يصل مداها إلى دول أوروبية وكافة أنحاء دول الشرق الأوسط.

وأظهرت الصواريخ الإيرانية نجاحاً في دقة التصويب، وهو ما ظهر في القصف الذي نفذته طهران على قواعد أمريكية في العراق رداً على مقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، وهذا ما خلق قلقاً غير مسبوق لدى تل أبيب وواشنطن.

استراتيجية بايدن

في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، كرّر الرئيس المنتخب جو بايدن تعهده بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، في حال عادت طهران إلى الامتثال الصارم به.

ومع ذلك، من غير المحتمل أن يعود بايدن للاتفاقية خلال الأشهر الستة الأولى من إدارته، لانشغال الإدارة الأمريكية بالوضع الداخلي اقتصادياً وصحياً، ولإجراء انتخابات رئاسية إيرانية في الصيف المقبل. بموازاة ذلك، يظل التحدي الأبرز لإحياء الاتفاق النووي الضغوط التي يتعرض لها بايدن بوضع حد للبرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لميليشيات إقليمية.

في تعليق على هذه الضغوط، أعلن بايدن أنه سيناقش مع الدول الإقليمية المجاورة لإيران متابعة المفاوضات بشأن الاتفاق النووي والبرنامج الصاروخي.

وقال بايدن للكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" توماس فريدمان: "انظر، هناك الكثير من الحديث عن الصواريخ الدقيقة وجميع الأشياء الأخرى التي تُزعزع استقرار المنطقة"، مشيراً إلى أن استراتجيته ستكون الاتفاق النووي أولاً، بينما حاول أن يطمئن بأنه سيعيد فرض العقوبات على طهران إذا لم تتعاون في القضايا الأخرى.

من جانبه، ردّ الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن برنامج طهران الصاروخي غير قابل للتفاوض، وأن بايدن "يدرك ذلك جيداً". وقال: "لم أسمع بايدن يقول إنه يتعين علينا التوصل إلى اتفاق آخر من أجل العودة إلى الاتفاق النووي، هذا ما يقوله ترامب".

لماذا الخوف من البرنامج الصاروخي؟

جاء حديث بايدن مع فريدمان بعد ثلاثة أيام فحسب على نشر الأخير مقالاً عن إيران في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية اعتبر فيه أن "الهجمات بطائرات من دون طيار والصواريخ، هي الخطر وليست الأسلحة النووية".

طالب فريدمان بايدن بدراسة "ما حدث في الساعات الأولى من يوم 14 أيلول/ سبتمبر عام 2019، عندما أطلقت إيران 20 طائرة من دون طيار وصواريخ كروز دقيقة التوجيه على مدينة بقيق السعودية، واستهدفت حقول النفط ومراكز المعالجة، ما تسبّب في أضرار جسيمة"، وذلك ليعرف "الخطر الحقيقي والتغيير الذي شهده الشرق الأوسط بعد أن ترك منصبه منذ أربع سنوات".

أشار فريدمان إلى تطور قدرات الطائرات الإيرانية من دون طيار وصواريخ كروز التي حلّقت على ارتفاع منخفض للغاية وبطريقة شبحية دون أن يتم اكتشاف إقلاعها ولا هجومها الوشيك في الوقت المناسب، بواسطة الرادارات السعودية أو الأمريكية.

وأضاف فريدمان، في مقاله، معلقاً أن واشنطن صرفت جهداً كبيراً خلال العقدين الماضيين لمنع الأسلحة الإيرانية الكبيرة، لكن الآلاف من الأسلحة الذكية الصغيرة التي تُواصل تكاثرها في طهران باتت التهديد الحقيقي لإسرائيل ودول خليجية.

وأنهى فريدمان مقاله بالقول: "إذا كنت تخطط للاحتفال بعودة إيران والولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي بعد تنصيب بايدن، احتفظ بالشمبانيا في الثلاجة"، مشيراً إلى أن الاحتفال الحقيقي يجب أن يحدث بعد منع الأسلحة الأخرى.

في السياق ذاته، لفت محلل الشؤون العسكرية في "جيروزاليم بوست" يونا جيريمي بوب إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتبر مسألة الصواريخ الموجهة بدقة أخطر بكثير على المدى القصير والمتوسط ​​من الأسلحة النووية.

"واشنطن صرفت جهداً كبيراً خلال العقدين الماضيين لمنع الأسلحة الإيرانية الكبيرة، لكن الآلاف من الأسلحة الذكية الصغيرة التي تُواصل تكاثرها في طهران باتت التهديد الحقيقي"... برنامج الصواريخ لم يكن محل جدل حين وُقّع الاتفاق مع إيران عام 2015، لكنه بات محوراً أساسياً لنقاش أي اتفاق محتمل

وبرأيه، فإن منطق الجيش الإسرائيلي هو أن طهران قد ترغب فقط في الوصول إلى العتبة النووية، لكنها لا تريد تجاوز نقطة معينة لتجنب المخاطرة بغضب إسرائيل والتعرض لضربة استباقية محتملة.

في المقابل، يمكن إطلاق صواريخ دقيقة التوجيه من "حزب الله" في لبنان أو سوريا أو العراق أو أي مكان آخر في أي وقت، وتتسبب على الفور في خسائر جسيمة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ولم تكن قدرات إيران الصاروخية محل جدل كبير عندما وقّع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الاتفاق النووي مع طهران، أو بمعنى لم يكن هناك أي اختبار لقدرتها مثلما حدث في السنوات الأربع الماضية.

هل تتخلى إيران عن صواريخها؟

عام 2018، ناقش الكاتبان مايكل إليمان ومارك فيتزباتريك، في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، مدى إمكانية تخلي إيران عن ترسانتها الصاروخية.

في البداية، أشار الكاتبان إلى أن خطورة الصواريخ الإيرانية تكمن في إمكانية إعادة توظيفها لإطلاق رؤوس حربية نووية، بينما لفتا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يقدم حلولاً لحل أزمة الصواريخ سوى الطلب غير الواقعي بأن تتخلى إيران عن جميع صواريخها.

وبرأي الكاتبين، فإن الدور المركزي الذي تلعبه الصواريخ في إحساس إيران بالدفاع والردع، لن يجعل خيار التخلي بشكل تام عن برنامج الصواريخ ممكناً.

واقترح الكاتبان خياراً آخر، وهو منع إيران من تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، وذلك من خلال تثبيت الحد الذي وصلت إليه الآن والحرص على عدم تجاوزها له، وهو ألفي كيلومتر أي المدى الذي قالت إيران بالفعل إنه أقصى متطلباتها.

ومع ذلك، استبعد إليمان وفيتزباتريك أن تضع إيران مثل هذا الحد في اتفاق مكتوب أو تقبل أي مراقبة ما لم تحصل على شيء في المقابل كمقايضة. وعليه، اقترحا عدم السماح لإيران بمواصلة برنامج إطلاق صواريخ للفضاء، لتحفيزها للوصول لاتفاق في البرنامج الصاروخي، لكن مع وضع قيود تكنولوجية وقواعد شفافة لتقليل مخاطر استخدام عمليات إطلاق الأقمار الصناعية لأغراض عسكرية.

وعلى الرغم من هذا الاقتراح، أشار الكاتبان إلى أن الأمر سيكون مثالياً إذا تخلت إيران عن جميع الصواريخ التي يمكنها نقل حمولة 1100 رطل، وهذا هو حد حمل أسلحة نووية.

بحسب هذا المعيار، فإن ثمانية من أنظمة الصواريخ الباليستية الإيرانية الحالية، البالغ عددها 13، تتجاوز هذا الحد، ولن تتراجع إيران عن قدراتها إلى هذا الحد، خاصة وأن خصومها الإقليميين يتابعون تحسين قوتهم الجوية ويحتفظون بقدراتهم الصاروخية التي لا تخضع لأي قيود.

وفي المحصلة، يصل الكاتبان إلى أن إيران لن توافق أبداً على التخلي عن جميع صواريخها، لكن "من المهم التركيز على أخطر أنظمة الصواريخ لديها".

في المقابل، رأى مدير السياسات في منظمة "متحدون ضد إيران النووية" جيسون برودسكي أن على إدارة بايدن المحافظة على النفوذ الذي اكتسبته الولايات المتحدة على مدى السنوات الأربع الماضية، ورفض إعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي.

واعتبر برودسكي، في حديثه لرصيف22، أن العودة إلى الاتفاق يعني التخلي عن الضغط الأمريكي و"هذا سيكون خطأً كبيراً"، لافتاً إلى أن الإيرانيين بمجرد أن يحصلوا على موافقة أمريكية بتخفيف العقوبات على الملف النووي، سيكونون أقل استجابة لتقديم أي تنازلات في برنامجهم الصاروخي.

من جهته، قال إياد المجالي، وهو باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية في جامعة مؤتة الأردنية، إن بايدن يسعى لاعادة تأهيل الاتفاق النووي الايراني لكن وفق أسس ومعايير جديدة تعكس عمق التحولات في توجهات الإدارة الأمريكية تجاه أكثر الملفات السياسية خطورة على أمن إسرائيل وحلفائها في المنطقة، وهو البرنامج الصاروخي.

وذكر المجالي، في حديثه لرصيف22، أن أبرز الشروط الأمريكية ستكون التخلي عن برنامج الصواريخ البالستية، ووقف أي جهود لتطوير البرنامج النووي وعدم عسكرة هذا البرنامج، إضافة إلى الشروط الأخرى حول إدخال السعودية والإمارات ضمن إطار الاتفاق وتقليم مخالب إيران وأذرعها في المنطقة.

وقال: "باعتقادي، هذه الشروط ستجعل إيران ترفض بعدما استقطبت جزءاً كبيراً من دول الاتحاد الأوروبي لصفها، وعليه سيشكل رفضها ضغطاً سياسياً كبيراً على النظام السياسي الحاكم في طهران ولو بشكل مؤقت".

"المطلوب منع إيران من تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، وذلك من خلال تثبيت الحد الذي وصلت إليه الآن وعدم تجاوزه، وهو ألفي كيلومتر أي المدى الذي قالت إنه أقصى متطلباتها"... نقاش حول إمكانية اتفاق بايدن مع إيران على برنامجها الصاروخي واستعداد طهران للتفاوض بشأنه

ولدعم رأيه، أشار المجالي إلى أن الاوروبيين سوف يدفعون الإصلاحيين إلى قبول هذه الخطوة، في مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المشددة وتحرير بعض أرصدة النظام المالية وبناء شراكات اقتصادية تحقق الاستقرار الجزئي لإيران، بعد سنوات عجاف من التصعيد والتوتر عاشتها المنطقة.

ومع ذلك، لا يبدو أن الوضع الاقتصادي سوف يجبر إيران على قبول شروط بايدن بخصوص برنامجها الصاروخي. ويرى إسفانديار باتمانغليدج من موقع "Bourse & Bazaar"، وهو موقع إلكتروني يحلل الاقتصاد الإيراني، أن الأخير "ضعيف" و"مستمر في التراجع".

وقال باتمانغليدج: "نحن بعيدون عن سيناريو الانهيار الذي كثيراً ما نناقشه"، بل إن الشركات التي تتعقب الناقلات تزعم أن صادرات النفط الإيرانية ارتفعت بشكل حاد في أيلول/ سبتمبر في تحدٍّ للعقوبات الأمريكية.

وكان الناتج المحلي الإجمالي قد تقلّص بنسبة 5.4٪ عام 2018 مقابل 6.5٪ عام 2019، وسوف ينكمش مرة أخرى هذا العام بسبب كورونا.

وذكرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية أن تراجع الوضع الاقتصادي أدى إلى احتجاجات، لكنها لم تتسبب في تغيير النظام، كما كان يأمل البعض في إدارة ترامب.

الاتفاق الممكن

قال جيك سوليفان الذي يُفترض أن يكون مستشار الأمن القومي لبايدن إن الإدارة ستعود للاتفاق ثم يتم التعامل مع القضايا الأخرى في مفاوضات لاحقة.

ورجّح تقرير نشرته "الإيكونومست" أن يشمل الاتفاق تنازلات جديدة من واشنطن وطهران، وهو ما يسميه الدبلوماسيون صفقة "المزيد مقابل المزيد".

وفي الإطار، نقلت المجلة عن المحلل السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إيلي جيران مايه قوله إن إيران ستسعى إلى الوصول إلى الدولارات، وتخفيف عقوبات الطاقة والتصنيع، وتوقيع اتفاقية ملزمة قانوناً لا يمكن إلغاؤها بنفس السهولة التي ألغى بها ترامب سياسة التعاون في العلاقات الخارجية.

من جهته، قال مدير "معهد دراسات الأمن القومي" في تل أبيب عاموس يادلين إن الاتفاق يجب أن يمتد إلى 30 عاماً بدلاً من 15 عاماً، وأن تكون عمليات التفتيش التابعة للهيئة الدولية للطاقة الذرية "في كل مكان" و"بلا حدود"، وتجبر إيران على الكشف عن التفاصيل الكاملة لعملها المتعلق بصناعة الأسلحة.

وأضاف: "إذا جمعت هؤلاء الثلاثة، سوف أنام بشكل أفضل في الليل".

معارضة الحلفاء المحتملة

من المُرجّح أن تخلق عودة بايدن إلى الاتفاق السابق معارضة شديدة من حلفاء أمريكا الإقليميين.

وقال مسؤول إسرائيلي تحدث إلى "الإيكونومست": "إذا أحضروا إلينا اتفاقية إضافية من نفس نوعية اتفاقية الشراكة السابقة، فسوف نبذل قصارى جهدنا لتغييرها... لن نرتاح حتى نتوصل إلى حل أفضل".

ورأى راز زيمت من "معهد دراسات الأمن القومي" في تل أبيب، وهو مراقب مخضرم لإيران في الاستخبارات الإسرائيلية، أن المواجهة بين نتنياهو وبايدن ستكون "حتمية"، قائلاً: "من مصلحة نتنياهو السياسية الاستمرار في اتخاذ موقف متشدد قدر الإمكان ولا يمكن لأي شخص في الحكومة أو المؤسسة الأمنية أن يناقضه علانية".

وذكرت "الإيكونومست" أن نتنياهو لديه وسائل كثيرة للتأثير على الحسابات الأمريكية والإيرانية، منها التهديد الدائم بضربات جوية إسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني.

ويُعتقد أن إسرائيل تقف وراء سلسلة التفجيرات التي شهدتها المنشآت النووية الإيرانية خلال الصيف الماضي، وهي تضغط على إيران خارج حدودها أيضاً.

وخسرت إيران معدات قيمتها مليارات الدولارات، وكانت آخر غارة جوية إسرائيلية يشتبه في وقوعها في سوريا في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وأسفرت عن مقتل قائد إيراني على الحدود مع العراق.

"على إدارة بايدن إشراك حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط في المفاوضات مع إيران لأنهم الأكثر تأثراً بهذه الصفقات". 

بموازاة "قلق إسرائيل"، أشارت المجلة البريطانية إلى أن خصوم إيران العرب قلقون بالمثل، رغم أنهم أقل قدرة وأكثر حذراً.

وتَعمَّق قلق الدول العربية من رد فعل أمريكا بعد رد ترامب الضعيف على هجوم إيراني بطائرات مسيرة وصواريخ على منشآت نفطية سعودية مهمة. وذكرت "الإيكونومست" في السياق أن هذه المخاوف دفعت هذه الدول تدريجياً إلى خلق محور عربي إسرائيلي مفتوح.

في هذا الإطار، قال برودسكي لرصيف22: "أعتقد أن اتفاقيات أبراهام لها إمكانات هائلة كتكتل اقتصادي وأمني إقليمي جديد، وهي حقيقة جيوسياسية في الشرق الأوسط لم تكن موجودة عندما تم توقيع الاتفاق النووي عام 2015. واستخدام هذه الشراكة سيكون حاسماً في الأشهر المقبلة".

وبرأي برودسكي، يجب "على إدارة بايدن إشراك حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط في المفاوضات مع إيران لأنهم الأكثر تأثراً بهذه الصفقات"، في حين أن "وجود إجماع بين العرب والإسرائيليين على إيران يستدعي أن يستمع العالم وواشنطن بشكل أساسي إليهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard