في سماء المنطقة منذ حرب الخليج... الدرونز ومسلسل صراعات أقل درامية وأكثر إثارة

الأربعاء 6 يناير 202112:52 م

في مساء الجمعة 23 كانون الثاني/ يناير عام 2009، كان فهيم كورشي، البالغ من العمر 14 عاماً، جالساً أمام بيته في شمال وزيرستان في باكستان، ينتظر بملل أصدقاءه ليمضي للعب الكريكات كما جرت العادة. في هذه الأثناء، كان عمّه جالساً مع من جاء من الجيران لتهنئته بعودته من عمله خارج البلاد، في غرفة استقبال الضيوف داخل المنزل.

دون أي سابق إنذار، دوّى صوت انفجار يصمّ الآذان. قبل أن يتبيّن فهيم ما يجري، أحسّ بالنيران تلتهم جسمه. هرول الشاب وسط الدخان، مبتعداً عن الإنفجار وباحثاً عن ماء يبرّد به وجهه. هكذا فقد فهيم عينه اليسرى و14 من أقربائه في أول طلعة لطائرة من دون طيّار (Drone) أذن بها الرئيس باراك أوباما في ثالث أيام عهدته الرئاسية.

تُعتبر "الأسلحة الموجّهة عن بعد" مستقبل حروب الجيل الخامس. منذ حرب الخليج عام 1991، لم تغب "الغرانيق الأمريكية" (الدرونز Drones) عن سماء الشرق الأوسط. 

"كانت هناك دوماً طائرة من دون طيّار في الخدمة طيلة حرب الصحراء"، هذا ما تضمّنه تقرير للبحرية الأمريكية عن تلك الحرب. ومع اتساع نادي "أحبّاء الدرونز"، بانضمام كل من الصين وتركيا والإمارات، دخل مسلسل الصراعات التي لا تنتهي في المنطقة العربية طوراً جديداً، يرجّح أن يكون أقل درامية وأكثر إثارة.

كالدمى المحركة... لكن عن بعد

تُرى هل خطر ببال نيكول تيسلا أثناء سعيه نحو نقل الطاقة بلا أسلاك أن يأتي يوم يقود فيه ضابطان طائرة فوق كثبان الربع الخالي، وهما جالسان في قمرة للقيادة في قاعدة كولورادو الجوية؟ ربما فعل، لا يُستغرب شيء من تيسلا.


حسب "فايننشال تايمز"، تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا على الحصة الأكبر من الطلعات الجوية الأمريكية المسيّرة والتقليدية. تضطلع الولايات المتحدة بدور "شرطي العالم" عبر قواعدها المنتشرة حول العالم، موزّعة حسب التقسيمات الجيوسياسية. تشرف القيادة المركزيّة للوسط (USCENTCOM) على منطقة العالم العربي، وتحرص الولايات المتحدة عبر هذه القيادة على ضمان مصالحها ومصالح حلفائها وشركائها الاستراتيجيين.

ولتحقيق ذلك، وعبر تراكمات سنين من البحث والتطوير، نجحت وريثة امبراطوريات أوروبا في اكتساب تقنيات ومهارات تكتيكية لوجستية واستخباراتية حديثة من تعديل الكفة أو قلب الموازين في أكثر من مناسبة. لكن مع تفعيل منظومة الأسلحة الجديدة، ازدادت فاعلية الضربات الجوية عبر التجسيد الميداني لعدة تكتيكات استباقية.

دون أي سابق إنذار، دوّى صوت انفجار يصمّ الآذان. قبل أن يتبيّن فهيم ما يجري، أحسّ بالنيران تلتهم جسمه. هرول وسط الدخان، باحثاً عن ماء يبرّد وجهه. هكذا فقد فهيم عينه اليسرى و14 من أقربائه... منذ حرب الخليج، لم تغب الدرونز عن سماء الشرق الأوسط، فكيف تطوّر دورها؟   

تمّت ملائمة هذه التكتيكات مع الطائرات المسيّرة (UAV- unmanned aerial vehicule) لتكون أكثر فاعلية على الميدان. وردت بعض هذه التقنيات في ورقة بحثية نشرتها "جامعة برايتون"، بعنوان "قراءة تاريخية في السياسات والقواعد الأخلاقية لهجمات الدرونز"، ومن بينها "دورة الإستهداف D3A: قرّر، تحرّى، سلّم وقيّم: منظومة استهداف عامة تستخدمها الولايات المتحدة"، و"تقنية F3EAD: صيغة خاصة من الـD3A: أوجد، ثبّت، أنجز، استخرج، حلّل وأعلم، عبر منظومة مركّبة ومترابطة من الأقمار الصناعية والعملاء الميدانيين، يتمكّن الطيران الأمريكي المسيّر من تحقيق ضربات دقيقة وحاسمة وفي وقت قياسي ودون تدخل ميداني مباشر".

بإدماج وملاءمة هذه التقنيات وغيرها مع خاصيات الطائرات من دون طيار، حققت إدارة أوباما، والديموقراطيون من خلفه، إنجازات نوعية في حرب أمريكا على ما تسميه "الإرهاب"، بالإضافة إلى تقليص الكلفة العسكرية لهذه الهجمات مقارنة بالهجمات بالطائرات الحربية التقليدية.

تقدّر كلفة درون مقاتلة MQ-9 حوالي 6.4 مليون دولار أمريكي، ثلاثة مليون دولار للصيانة وحوالي 3250 دولار للساعة الواحدة في الجو، مع شبكة كبيرة من الأقمار الصناعية وما يناهز الـ185 تقنياً وخبيراً.

في المقابل، يصل سعر مقاتلة من نوع F-35 إلى 91 مليون دولار، وخمسة ملايين دولار صيانة و16 ألف دولار في الساعة الواحدة من الطيران. أما عن التكلفة المادية للتدخل العسكري المباشر، يكلّف وجود جندي أمريكي في أفغانستان، عام 2012 مثلاً، حوالي المليوني دولار، دون احتساب أي إسعاف طبي أو تعويض مادي.

كل هذا أدى إلى تقليص نسبة المصاريف العسكرية الأمريكية، في الفترة بين عامي 2010 و2015، من 4.6% إلى 3.3% من الناتج الداخلي الخام. بهذه المعطيات، يمكن تفسير ارتفاع عدد الطائرات المسيّرة في الأسطول الجوي الأمريكية من 50 إلى أكثر من 7000 طائرة في الـ20 سنة الأخيرة.

حسب مقال للصحافي غريغوري كورت، استعمل أوباما عبارة "لا جزم على الأرض في سوريا" 16 مرة تقريباً في آخر سنتين له من عهدته الرئاسية. وهي تعبّر عن سياسته الرافضة للتدخل العسكري المباشر.

جنّبت هذه السياسة خزينة بلاده خسائر مادية وسياسية معتبرة، علاوة على تحقيق أهداف حساسة لحلف الناتو في المنطقة.

من جهة أخرى، يمكن تفسير هذه السياسة بتحوّل بوصلة اهتمامات السياسة الخارجية للولايات المتحدة من المنطقة العربية نحو البلدان الآسيوية النامية بسرعة، والتي أخذت تتطوّر إلى مجتمعات استهلاكية قد تشكّل مستقبل السوق العالمية في العشرية القادمة، ومحطّ أطماع بارونات الصناعة والتجارة في شوارع وول ستريت وبروكلين، خاصة مع امتداد أذرع المارد الصيني نحو بلدان جنوب شرق آسيا والعمق الإفريقي.

"درونز انتحارية"

بعدما استعانت السعودية بالمنظومة الأخيرة لصواريخ الباتريوت الأمريكية لحماية منشآتها من الهجمات الصاروخية للحوثيين، انتدب هؤلاء "انتحاريين" من الجيل الجديد: "درونات انتحارية". لم تمنع الـ 67.7 مليار دولار التي أنفقتها المملكة، في التسليح والدفاع عام 2018، الميليشيات الحوثية التي تدعمها إيران، من إصابة أكبر منشأتين بتروليتين في عمق البلاد.

هجوم بطائرتين صغيرتين نسبياً قد لا تتجاوز تكلفتهما الـ1500 دولار، حسب ما ورد في مقال "نيويورك تايمز"، نتج عنه أولاً تعرية هشاشة الدفاعات السعودية ضد الهجمات المماثلة، ثانياً تذبذب الأسواق العالمية، وثالثاً استعار حمّى تصريحات واتهامات من ترامب ووزير خارجيته حينها مايكل بومبيو، لإيران بالوقوف وراء هذه الهجمات والتلويح بجوكر العقوبات كالعادة، مع تطمينات وإمضاء عقود أسلحة جديدة استفادت منها الولايات المتحدة. إنجاز استراتيجي لإيران، أرباح جديدة للأمريكيين والخسارة لأصحاب الميدان.

يبقى استعمال الدرونز لأغراض عسكرية موضوع جدل بين السياسيين ومسؤولي الأمن... يرى المؤيدون أن المجموعات المستهدفة ليست جيشاً نظامياً، لكن المعارضين يرون فيها عمليات إعدام ميداني لا تتيح فرصة الاستسلام والمحاكمة العادلة

ونشرت حماس مقاطع فيديو التقطتها طائرة مسيّرة من فوق أراضي عدوها. حسب تقرير لـ"هآرتس" عن المنظومة العسكرية في قطاع غزة، زوّدت إيران حماس بثلاث أنواع من طائرات "الأبابيل": أولى للتجسس والمراقبة، وأخرى للهجوم وأخيرة كاميكاز (انتحارية). ولئن لم تثبت بعد الفاعلية الهجومية لهذه الطائرات المسيّرة على أرض الميدان، فقد كان لها صدى واسع ومؤثّر في الحرب الإعلامية بين طرفي النّزاع.

في الحرب من أجل طرابلس، عجزت طائرات بيلقدار التركية في البداية عن التدخل الفعال ضد قوات خليفة حفتر الزاحفة نحو طرابلس والتي نجحت في تقليص المسافة نحو مركز المدينة إلى 10 كيلومترات أمام تذبذب الموقف الأمريكي، بسبب تقارب موقف ترامب مع الروس. حينها، بادرت تركيا بالاستعانة بقدرات حلف الناتو اللوجستية والاستخباراتية والتي زادت من مردود وفاعلية مقاتلاتها المسيّرة لتقلب موازين القوى وينسحب حفتر وقواتها شرقاً نحو سرت، ويبدأ فصل وقف إطلاق نار آخر.

كذلك، لعبت الدرونز دوراً محورياً في الحرب الأخيرة بين الأرمن وأذربيجان حول إقليم ناغورني كاراباخ، حيث شاركت في إنهاء الصراع المؤجّل طيلة 20 عاماً لصالح أذربيجان، ومن ورائها تركيا.

السؤال الأخلاقي

يبقى استعمال الدرونز لأغراض عسكرية موضوع جدل بين السياسيين ومسؤولي الأمن. حسب دراسة من معهد حرب الجيش الأميركي، ومنذ إطلاقها رسمياً في الأجواء ضد مجموعات مقاتلي حركة طالبان في عهد إدارة بوش، انقسم السياسيون في ردهات البيت الأبيض حول إيتيكات (أخلاقيات) هجمات الدرونز.

ينظر المعارضون إلى هجمات الدرونز على أنها عمليات إعدام ميداني دون إتاحة فرصة الإستسلام وتوفير الحق في المحاكمة العادلة، حسب ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية.

في المقابل، يرى المؤيدون أن المجموعات المستهدفة ليست جيشاً نظامياً، وبالتالي لا تتوفر فيها شروط الاتفاقيات، فضلاً على عدم وجود تدخل عسكري أو بشري مباشر في عمليات الدرونز، وهو ما يعني فراغاً قانونياً قد تنفذ منه أنظمة أو جماعات لترتكب عمليات الإغتيال السياسي ضد خصومها.

ولئن برهنت الطائرات المسيّرة على أهميتها في قلب موازين المعارك، يبقى حق ضحايا هجماتها من المدنيين ضائعاً. ترفض وكالة الاستخبارات المركزية التعليق عن الأمر، في حين اعتبر الناطق باسم مجلس الأمن القومي أن هؤلاء الضحايا هم "حالات خاصة"، بينما اكتفى أوباما بالتعبير عن ندمه العميق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard