ضحية للسياسة... قصة "قانون حظر شرب الخمر" في مصر

الأحد 10 يناير 202111:46 ص

للخمر في التاريخ المصري جذور تعود إلى آلاف السنين. عمره تقريباً من عمر ابتكار جعة الشعير (البيرة)، ونبيذ العنب، و"البوظة" وهي لون من البيرة الشعبية ظهر في عصر ما قبل الأسرات، في زمن الفراعنة، وتُصنع من الشعير والخبز.

في الأسطورة المصرية القديمة حلّت على الأرض لعنة "عين رع"، بنت كبير الآلهة الناقمة، فأشعلت حرب إبادة كان يستحيل إيقافها قبل تخديرها في بحيرة من النبيذ تشبه دم البشر، وهو ما أنقذ المصريين من الفناء.

وحافظت الخمور على مكانتها في البلاد عبر معظم العصور، والآن ينظّم استهلاكها قانون صدر على وقع حرب عليها بدأت في سبعينيات القرن العشرين وانتهت بـ"قانون حظر شرب الخمر" رقم 63 لسنة 1976.

ورغم أن الحظر القانوني كان ولا يزال حظراً غير حقيقي، إلا أن له قصة تستحق أن تستعاد.

الخمر كضحية ممكنة

لا تعود لحظة البداية في قصة القانون 63 إلى اجتماع عدد من النواب تحت قبة مجلس الشعب سنة 1976، وإقرارهم نصاً يمنع شرب الخمور، بل تعود إلى زمن تولي محمد أنور السادات منصب الرئاسة، وقراره الانقلاب على السياسات والتوجهات الناصرية السابقة على عهده.

لُقّب السادات بألقاب من قبيل "الرئيس المؤمن" و"رب العائلة المصرية"، ونفّذ سياسات استعان فيها بالتيار الديني في مصر بكل اتجاهاته، بدءاً من المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر الشريف) وصولاً إلى جماعات الإسلام السياسي التي انقلبت في ما بعد عليه واغتالته.

وفق هذه التوجهات الرئاسية الجديدة، صدر دستور 1971 ويتضمّن في مادته الثانية نصاً على أن الشريعة الإسلامية "مصدر رئيسي للتشريع"، وهو ما تطور قبيل النهاية المأساوية للسادات إلى نص على أن الشريعة الإسلامية هي "المصدر الرئيسي" للتشريع.

لم يجد هذا النص الذي يصرّ عليه الإسلاميون تطبيقات محددة أوضح من قانون منع شرب الخمر سنة 1976، باستثناء مشروع "قانون الردة" الذي أثار عاصفة اعتراض داخلية وخارجية، ما أدى إلى تجميده وبقائه حتى اليوم حبيس الأدراج.

وفي ما يبدو، كانت الخمور هي الضحية المتاحة التي أمكن تقديمها على مذبح علاقة الرئيس السادات برموز التشدد الديني والإسلام السياسي ممَّن توحّدوا على مطلب تطبيق الشريعة.

رغم ذلك، أثار مشروع القانون بعد أن تقدّم النواب باقتراحه في مجلس الشعب جدالاً ساخناً ومعقداً، وعلى مستويات كثيرة بالغة التشابك. فعدا الجدال الفقهي الإسلامي، أثار نقاشاً لاهوتياً مسيحياً، ومعارضة مدنية واضحة.

جدل على كل الأصعدة

على الصعيد الإسلامي، دار النقاش حول الكيفية المتدرجة التي حرّم بها القرآن الخمر، ابتداء بالنهي عن السكر لدى الصلاة: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (النساء: 43)، وصولاً إلى ترجيح كفة الإثم فيه: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} (البقرة: 219)، وحتى التحريم القاطع: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (المائدة: 90)، ثم الكيفية المتدرجة التي أوّل بها الفقهاء حديث النبي في "صحيح مسلم": "كل مسكر خمر وكل خمر حرام".

اختلف الفقهاء المسلمون في المراد بالمسكر: هل يراد تحريم القدر المسكر فقط؟ أم يراد تحريم تناوله مطلقاً وإنْ قلّ ولم يسكر؟

انطلقت موجة من النكات، على العادة المصرية، يظهر في إحداها مصري في بار ملهى ليلي يطلب صنفاً من الخمر، مستخدماً لكنة خواجة يوناني ولسانه يعوج بعربية مهشمة

ولم يختلف الوضع اختلافاً كبيراً على صعيد الجدل المسيحي، فعلى الرغم ممن رأوا أن المسيحية لا تحرّم الخمر، ذلك أن واحدة من معجزات السيد المسيح الثابتة في الكتاب المقدس أنه حول الماء إلى خمر في عرس قانا، وأن استخدام النبيذ في الكنيسة خلال طقس التناول يستند إلى قول يسوع: "أنا الكرمة الحقيقية" (يوحنا 15: 1)، إلا أن الرأي الغالب ذهب إلى أن الكتاب المقدس حافل بالنهي عن شرب الخمر: "لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح" (أفسس 5: 18)، و"لا سكيرون يرثون ملكوت الله" (كورنثوس 6: 10).

وكان الرفض أظهر في نطاق التيارات المدنية، ليبرالية ويسارية، ففضلاً عن انتقاد الغاية السياسية الكامنة وراء القانون، وهي استرضاء التيار الديني في مقابل مساندته لسياسات السادات، اعترض البعض على طبيعة تشريع منع شرب الخمر الدينية الملزمة، واعتبر آخرون أن طبيعة التشريع الدينية ستُشعر قطاعاً لا يستهان به من المصريين بالغبن، ناهيك عمّن جادل من منظور اقتصادي حول النتائج السلبية المتوقعة التي يمكن أن تَلحق بالسياحة والاقتصاد.

وفي النهاية صدر القانون.

قانون غير فعال

نصت المادة الثانية من قانون 63 لسنة 1976 على حظر تقديم أو تناول المشروبات الروحية أو الكحولية أو المخمرة في الأماكن العامة أو المحال العامة، لكنه استثنى من الحكم: الفنادق والمنشآت السياحية والنوادي ذات الطبيعة السياحية.

وفي المادة الثالثة مدّ القانون نطاق الحظر ليشمل أي طريقة للإعلان والنشر والترويج للمشروبات الكحولية.

وفي نص القانون جدول لطيف يقسم أنواع الخمور المحظور تناولها في الأماكن العامة، فهنالك المشروبات المقطرة مثل البراندي، والروم، والزبيب، والمشروبات المخمرة مثل النبيذ، والبيرة، والعرق، والكينا، والبوظة، وتتذيل الجدول طائفة المشروبات ذات نسبة الكحول العالية مثل الويسكي، الفودكا، والكونياك.

لإثارة الشكوك حول تدبير أحداث انتفاضة 18 كانون الثاني/ يناير 1977 بمؤامرة، نشرت الصحافة الرسمية صورة لامرأة، كانت تقف على خلفية حطام ملهى ليلي في شارع الهرم وتحمل بين يديها زجاجة، قيل إنها زجاجة خمر

ما استشفه المصريون من بين سطور القانون أثار تندّرهم، فالمفهوم منه أنه لا يُحظر بيع وشراء الخمور ولكنه يمنع تناولها، وهو لا يمنع تناولها في البيوت والحفلات الخاصة والفنادق الكبرى والنوادي السياحية (الملاهي والكازينوهات) لكنه يحظر ذلك في المحال العامة والبارات الشعبية، وهو لا يحرّمها على الأجانب ولكن على المصريين فقط. وانطلقت لذلك موجة من النكات على العادة المصرية، يظهر في إحداها مصري في بار ملهى ليلي يطلب صنفاً من الخمر، مستخدماً لكنة خواجة يوناني ولسانه يعوج بعربية مهشمة.

وتمادت الحرب

ما تلا إقرار القانون لم يكن أقل إثارة. بعد شهور، تفجرت انتفاضة واسعة في معظم المدن المصرية ضد قرارات حكومية برفع أسعار السلع الأساسية، يوم 18 كانون الثاني/ يناير 1977، وفي اليوم التالي، أي 19 يناير، شهدت القاهرة أعمال تخريب ونهب واسعة ضد أقسام الشرطة والملاهي الليلية والفنادق الكبرى.

اضطرت الحكومة للتراجع بسرعة عن زيادة الأسعار لإخماد الحريق، وعزا الرئيس الانتفاضة إلى تحريض عناصر ماركسية وأسماها "انتفاضة حرامية".

ولإثارة الشكوك حول تدبير الأحداث بمؤامرة، نشرت الصحافة الرسمية صورة لامرأة، كانت تقف على خلفية حطام ملهى ليلي في شارع الهرم وتحمل بين يديها زجاجة، قيل إنها زجاجة خمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard